خطوة على طريق تجاوز العقوبات وتطوير الدبلوماسية الاقتصادية

مكاسب حضور الرئيس بزشکیان في «بريكس»

الوفاق/ شكّل حضور رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في القمة الثامنة عشرة لقادة مجموعة «بريكس» إحدى المحطات البارزة في السياسة الخارجية للحكومة الإيرانية. ففي وقت لا تزال فيه الضغوط الدولية وبنية الاقتصاد العالمي أحادي القطبية تفرض تحديات متواصلة، حمل حضور إيران في هذا التكتل الذي يضم قوى صاعدة، رسائل استراتيجية متعددة إلى المنطقة والنظام الدولي.

ولم يكن حضور الرئيس مسعود بزشكيان في قمة «بريكس» مجرد مشاركة دبلوماسية، بل مثّل خطوة مهمة على طريق ترسيخ «سياسة الجوار» و«الدبلوماسية الاقتصادية» على المستوى العالمي. وقد شكّلت القمة، باعتبارها أحد مظاهر التحول من الأحادية القطبية في النظام الدولي، فرصة ثمينة أمام إيران لتعزيز حضورها الاستراتيجي في تكتلات القوى الصاعدة، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وقدراتها الجغرافية.

 

 

 إعادة تعريف موقع إيران في النظام الدولي الجديد

 

 

جاءت هذه الزيارة رداً حازماً على المساعي الغربية الرامية إلى تكريس «الإيرانوفوبيا» ودفع إيران نحو العزلة الدولية. فالحضور إلى جانب قوى مثل روسيا والصين والهند يعزز موقع إيران باعتبارها لاعباً رئيسياً في ممرات النقل والتجارة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب.

 

 

وقال الرئيس بزشکیان، في حديث إلى شبكة «إنديا توداي» الهندية، على هامش مشاركته في قمة قادة دول «بريكس»: «إن إيران تتمتع، من الناحية الجيوسياسية، بموقع يؤهلها لأن تكون ملتقى يربط الجنوب بالشمال والشرق بالغرب، سواء على مستوى النقل أو الاتصالات الإقليمية، وباعتبارها الطريق الأسهل والأكثر اقتصادية وراحة، بما يمكن أن يساعد دول المنطقة على إقامة روابط اقتصادية وثقافية وسياسية وعلمية واجتماعية».

 

 

ومن هذا المنطلق، فإن الحضور الفاعل لرئيس الجمهورية إلى جانب قادة القوى الكبرى في العالم، إلى جانب تأكيده في خطاباته على نهج «التعددية»، أظهر أن إيران، من الناحية الجيوسياسية، تشكل جزءاً لا يتجزأ من منظومة القوى الصاعدة. وقد حمل هذا الحضور رسالة واضحة إلى واشنطن وحلفائها الإقليميين مفادها أن محاولات عزل إيران قد باءت بالفشل، وأن طهران باتت حاضرة في «مركز صناعة القرار» ضمن الهياكل الاقتصادية الجديدة.

 

 

في مواجهة الهيمنة الاقتصادية لدول الشمال

 

 

إن تركيز القمة على استخدام العملات الوطنية يعكس إرادة جدية لدى مجموعة «بريكس» للحد من هيمنة الدولار. وفي حال مضت إيران في اعتماد هذا النموذج، فإنها ستكون عملياً في طليعة الدول التي تعمل على تجاوز آليات العقوبات الأمريكية، وفي مقدمتها منظومة «سويفت»، ضمن إطار متعدد الأطراف.

 

 

 بنك التنمية الجديد؛ فرصة واعدة أمام إيران

 

 

إن انضمام إيران إلى بنك التنمية الجديد التابع لـ«بريكس» من شأنه أن يسهم في تسهيل تنفيذ مشاريع البنية التحتية الإيرانية. غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب مواءمة النظام المصرفي والبيروقراطية الإدارية داخل البلاد مع معايير التعاون الدولي المعتمدة في «بريكس». كما أن التنسيق بين الجهاز الدبلوماسي والمؤسسات الاقتصادية في الداخل يمثل مفتاح تحويل التفاهمات والاتفاقيات إلى «مشاريع قابلة للتنفيذ».

 

 

وأشار رئيس الجمهورية، في ختام القمة، إلى المشاورات الاقتصادية التي جرت على هامشها، قائلاً: «أجرى الدكتور مدني زاده مباحثات مع وزراء الاقتصاد في الدول المشاركة، كما عُقدت اجتماعات حول التعاون بين البنوك وبنك التنمية الجديد لـ«بريكس»، جرت خلالها مفاوضات بناءة للغاية». وأضاف الرئيس بزشكيان، مؤكداً أن آفاقاً مناسبة لتوسيع التعاون الاقتصادي بدأت تتبلور: «لقد تهيأت مجالات جيدة جداً للاستثمار والتبادلات المالية وتوسيع العلاقات الاقتصادية، وهي عملية تشهد نمواً وتطوراً يوماً بعد يوم».

 

 

ما المشاريع التي يموّلها بنك التنمية الجديد؟

 

 

على خلاف العديد من المؤسسات المالية الأخرى، لا يتمثل الهدف الرئيسي لبنك التنمية الجديد في تحقيق الأرباح للمساهمين، وإنما في دعم التنمية في دول الجنوب العالمي. وقد وضع البنك تمويل المشاريع في مجالات البنية التحتية والتنمية المستدامة ضمن أولوياته الرئيسية.

 

 

وأفادت قناة «بي بي سي» أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقد مجموعة «بريكس» مراراً خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما جهودها الرامية إلى تقليص اعتماد التجارة العالمية على الدولار الأمريكي، وهي العملية التي يُشار إليها عادةً بمصطلح «إزالة الدولرة». كما حذر ترامب دول «بريكس» مراراً من السعي إلى إنشاء عملة بديلة، أو اتخاذ خطوات من شأنها إضعاف مكانة الدولار في التجارة العالمية. وفي أحد تحذيراته، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قال ترامب إن دول «بريكس» ستواجه تعريفات جمركية بنسبة 100% إذا دعمت إنشاء عملة بديلة لـ«الدولار الأمريكي القوي».

 

 

وعلى الرغم من ذلك، أقرّت هذه الوسيلة الإعلامية بأن النفوذ السياسي والاقتصادي لمجموعة «بريكس» شهد خلال العقد الماضي نمواً ملحوظاً، وأن المجموعة تسعى إلى البناء على إنجازاتها وإثبات قدرتها على التحول، إلى جانب تكتلات مثل مجموعة العشرين ومجموعة السبع، إلى قطب مؤثر في النظام العالمي.

 

 

الدبلوماسية متعددة الأطراف؛ استراتيجية إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية

 

 

يكشف تحليل لقاءات رئيس الجمهورية مع قادة الدول الأعضاء في «بريكس» أن الأولوية الأساسية لهذه اللقاءات تمثلت في الاستفادة من العمق الاستراتيجي لتحالف إيران مع الشرق، وترجمته إلى مستويات ملموسة وملزمة من التعاون. وقد تمحورت مشاورات رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء الهندي والمسؤولين الآخرين المشاركين حول مفهوم «الروابط المستدامة».

 

 

ونظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لميناء تشابهار، فإن التشديد على توسيع التعاون في مجال النقل والترانزيت مع نيودلهي يعكس إرادة طهران للتحول إلى مركز لوجستي رئيسي على مسار ممر الشمال – الجنوب.

 

 

وتُعدّ الهند، باعتبارها إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في مجموعة «بريكس»، شريكاً يمكن أن يشكل جزءاً من حلول إيران لمواجهة العقوبات. وقد أظهرت لقاءات رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء الهندي أن حكومة الرئيس بزشكيان تعمل على تحويل «المزايا الجغرافية» لإيران إلى «مزايا سياسية». وفي حال ترجمة هذه التفاهمات إلى واقع عملي، فإن أدوات العقوبات الغربية ستصبح، على المدى الطويل، أقل فاعلية، إذ إن الهند، اعتماداً على هذه الروابط في مجال النقل والترانزيت، ستبقى شريكاً استراتيجياً لطهران في ضمان أمن سلاسل الإمداد.

 

 

وإلى جانب الأبعاد الاقتصادية، حرص الرئيس بزشكيان، خلال لقاءاته مع المسؤولين الهنود، على توضيح أسباب الحربين الأخيرتين في المنطقة. وخلال لقائه رئيسة الهند دروبادي مورمو، أكد أن إيران كانت دائماً من دعاة السلام والأمن في المنطقة، وقال: «لقد تعرضت إيران لهجوم من العدو، ولم نكن البادئين بالعدوان، بل وقفنا في وجه اعتداء العدو».

 

 

كما أن اللقاءات المنفصلة مع مسؤولي ماليزيا وإثيوبيا عكست الرؤية الشاملة للحكومة الإيرانية الرامية إلى تعزيز الروابط السياسية مع دول «الجنوب العالمي»، وهي الدول التي تتقاطع مصالحها مع إيران في مواجهة الأحادية الغربية. وقد شكّل كل لقاء من هذه اللقاءات فرصة لرئيس الجمهورية لشرح استراتيجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائمة على «المقاومة الفاعلة».

 

 

وخلال لقائه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم على هامش قمة «بريكس»، شدد الرئيس بزشكيان على ضرورة تضامن الدول الإسلامية في الظروف الراهنة، قائلاً: «نحن لا نحتاج إلى شرطي للمنطقة، فالحفاظ على وحدة الأراضي والأمن الإقليمي لن يتحقق إلّا على أيدي اللاعبين الأساسيين ودول المنطقة نفسها».

 

 

كما أكد خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي: «إن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تتمكنا، بفضل مقاومة الشعب الإيراني، من تحقيق نواياهما الخبيثة. وقد عززنا علاقاتنا مع الدول الإسلامية ودول الجوار، وعلاقاتنا مع جيراننا راسخة منذ آلاف السنين، وهذا المسار سيتوسع ويتطور يوماً بعد يوم».

 

 

 فصل جديد في العلاقات مع أبوظبي؛ الدبلوماسية طريق تجاوز التحديات

 

 

كان اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية بولي عهد أبوظبي أحد أبرز أحداث القمة الأخيرة لـ«بريكس» على هامش أعمالها. وفي ظل الظروف الراهنة التي تشهد فيها المنطقة اضطرابات متصاعدة نتيجة السلوكيات العدوانية للغرب والكيان الصهيوني، حمل هذا اللقاء رسالة واضحة إلى الجهات الساعية إلى زعزعة استقرار المنطقة، مفادها أن إيران لا تسعى إلى تصعيد التوتر؛ لكنها في الوقت ذاته حازمة في الدفاع عن أمنها الوطني.

 

 

وأظهر اللقاء أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك وفق منطق «الواقعية»، إذ إن أبواب الحوار تظل مفتوحة لإدارة الخلافات والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع، رغم الانتقادات الصريحة التي توجهها طهران إلى بعض ممارسات الإمارات.

 

 

ويمثل هذا اللقاء أعلى مستوى من المشاورات بين البلدين منذ أشهر شهدت توترات حادة، كما يشكل خطوة مهمة على طريق «خفض التصعيد المنضبط». وأكد بزشكيان خلال اللقاء، انطلاقاً من المبدأ الذي تتبناه الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقائم على الحوار لحل الخلافات ومواجهة مؤامرات الأعداء الرامية إلى إثارة الخلافات والانقسامات بين الأمّة الإسلامية لتنفيذ مخططاتهم المشؤومة والتوسعية، ضرورة التحلي باليقظة والحفاظ على الوحدة بين الدول الإسلامية.

 

 

وقال الرئيس بزشكيان، مخاطباً الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي: «لم نكن البادئين بالحرب، وإنما استهدفنا القواعد الأمريكية دفاعاً عن أنفسنا، وهي القواعد التي انطلقت منها الهجمات على بلادنا، والتي أدت إلى استشهاد قائد الثورة وقادتنا العسكريين وعلمائنا وأطفالنا».

 

 

إلى جانب ذلك، حمل اللقاء رسالة استقرار إلى الأسواق والمنطقة، مفادها أن «إيران تسعى إلى سلام عادل وإلى التعاون مع دول الجوار من أجل احتواء التدخلات القادمة من خارج المنطقة».

 

 

«بريكس»؛ دعم التحركات الدفاعية لطهران وانتصار في ميدان الدبلوماسية

 

 

وأشار رئيس الجمهورية، خلال جزء من الجلسة المغلقة لقادة دول «بريكس» في نيودلهي، إلى نقطة بالغة الأهمية، قائلاً: «لا ينبغي لأي دولة أن تستخدم أراضيها لتهديد دولة أخرى. وعلينا في «بريكس» أن نقف في وجه تطبيع استهداف البنى التحتية المدنية والحيوية. وينطبق المبدأ نفسه على المنشآت النووية السلمية؛ إذ يجب أن تكون هذه المنشآت بمنأى عن الهجمات والتهديدات بالهجوم، لأن تعريضها للخطر ليس قضية تقتصر على دولة واحدة، بل هو تهديد يمسّ السلام والأمن الدوليين».

 

 

وقد أعادت هذه العبارات تعريف العقيدة الدفاعية الإيرانية ضمن إطار متعدد الأطراف. فحضور إيران في «بريكس» بات، في الواقع، أداة لتعزيز «دعم التحركات الدفاعية لطهران» في المحافل الدولية. ومن خلال مشاركتها في القمة، أظهرت إيران للمجتمع الدولي أنها ليست دولة معزولة، بل جزء من تكتل للقوى الصاعدة يرى أن أمنه يرتبط بـ«التنمية الاقتصادية الجماعية».

 

 

وفي المحصلة، يمكن القول إن زيارة رئيس الجمهورية إلى الهند حملت رسالة قوية مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالتوازي مع استعدادها لمواجهة أي سيناريو محتمل على الصعيد الأمني، تتحرك بنشاط أيضاً على الصعيد الدبلوماسي. فاللقاءات التي شهدتها نيودلهي ليست سوى قطع من أحجية تتكامل مع سائر التحركات الدبلوماسية للجمهورية الإسلامية، وتساهم في «إفشال سياسة الإيرانوفوبيا». أما الإنجاز الحقيقي لهذه الزيارة، فيتمثل في إعادة «زمام المبادرة» إلى يد الدبلوماسية الإيرانية، في وقت تسعى فيه بعض القوى من خارج المنطقة إلى استغلال الخلافات الإقليمية وتضخيمها بهدف وضع الجمهورية الإسلامية في حالة من العزلة السياسية.

 

 

إن المشاركة في قمة «بريكس» تمثل «انتصاراً في ميدان الدبلوماسية»، وإذا ما اقترنت بمتابعة مستمرة من جانب صنّاع القرار الاقتصادي، فإنها قد تُسجل بوصفها محطة مفصلية في تاريخ «الاقتصاد المقاوم» في إيران. لقد أظهرت هذه المشاركة أن إيران ليست مجرد دولة مستهدفة بالعقوبات، بل إنها أيضاً تمثل إحدى نقاط الارتكاز في الحسابات المستقبلية للقوى الصاعدة الرامية إلى إعادة تشكيل البنية المالية والأمنية للعالم.

 

 

المصدر: الوفاق