وإعادة تعريف قواعد الشراكة

ترامب ونتنياهو.. عندما يهتزّ التحالف وتتصادم الحسابات

يواجه التحالف الأميركي–الصهيوني اختباراً متزايداً بفعل العدوان على إيران وكلفته العسكرية، في ظل تباين المصالح، ما يفرض على واشنطن إعادة ضبط حدود دعمها وانخراطها العسكري

تدخل العلاقة الأميركية–الصهيونية مرحلة مختلفة من تطورها التاريخي، لا يمكن توصيفها باعتبارها قطيعة أو تفككاً للتحالف، كما لا يصح اختزالها في استمرار الوضع التقليدي نفسه. فالبنية الاستراتيجية للتحالف ما تزال قوية ومؤسسية، لكن البيئة السياسية التي جعلت هذا التحالف يبدو، لفترة طويلة، غير قابل للنقاش بدأت تتغير، خصوصاً مع اتساع نطاق العدوان على إيران وارتفاع كلفته العسكرية والاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

 

علاقة قائمة على تشابك المصالح

 

تأسست العلاقة الأميركية– الصهيونية على مجموعة من المصالح المتداخلة، في مقدمتها اعتبار أمن كيان الاحتلال جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الأميركية، والحفاظ على تفوقه العسكري النوعي في المنطقة، وتطوير التعاون الدفاعي والتكنولوجي والاستخباري. ولم يعد التعاون يقتصر على المساعدات العسكرية، بل تحول إلى شراكة دفاعية مؤسسية تشمل الدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا العسكرية، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة.

 

لكن هذا الثبات الاستراتيجي يترافق مع متغيرات سياسية داخل الولايات المتحدة. فقد بدأت قضية الدعم المقدم لكيان الاحتلال تنتقل تدريجياً من كونها مسألة شبه محسومة داخل الحزبين إلى موضوع أكثر حضوراً في النقاش السياسي والانتخابي والتشريعي. وبينما لا تزال قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الأميركية تؤيد استمرار الدعم، ظهرت أصوات تطالب بوضع شروط على المساعدات أو ربطها بالالتزامات القانونية وحقوق الإنسان، إلى جانب تصاعد الاعتراض على الحروب والتدخلات الخارجية.

 

 

القرار الأميركي.. تحالف لا يلغي حسابات واشنطن

 

ورغم رسوخ التحالف، فإن السياسة الأميركية تجاه كيان الاحتلال لا تُصاغ بمنطق واحد أو عبر طرف واحد، بل تتداخل في تحديدها اعتبارات البيت الأبيض والكونغرس والمؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب المصالح الاقتصادية والحسابات المرتبطة بأمن المنطقة. ومع اتساع الحرب، تصبح هذه المؤسسات أمام معادلة أكثر تعقيداً بين الالتزامات تجاه حليف استراتيجي وبين مسؤولياتها في حماية القوات والمصالح الأميركية ومنع اتساع دائرة المواجهة.

 

ويكشف هذا التداخل أن العلاقة، مهما بلغت قوتها، ليست تفويضاً مفتوحاً لكيان الاحتلال في تحديد مسار السياسة الأميركية. فواشنطن تحتفظ بحساباتها الخاصة بشأن مستوى الانخراط العسكري، وحدود استخدام القوة، والنتائج التي يمكن أن تترتب على استمرار الحرب. وكلما ارتفعت الكلفة الأميركية، أصبح التباين بين أولويات الطرفين أكثر وضوحاً، وأصبحت إدارة هذا التباين جزءاً أساسياً من مستقبل التحالف.

 

ترامب.. «أميركا أولاً» أمام اختبار الحرب

 

تزداد أهمية هذه التحولات مع انتقال العلاقة الأميركية–الصهيونية إلى نطاق العدوان على إيران. فلم يعد السؤال الأميركي مقتصراً على كيفية دعم كيان الاحتلال، بل أصبح أكثر تعقيداً: إلى أي مدى يمكن لواشنطن أن تتحمل تكلفة عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة لحماية حليفها، إذا تعارضت بعض أولوياته مع المصالح الأميركية المباشرة؟

 

ويضع هذا السؤال دونالد ترامب أمام اختبار عملي لشعار «أميركا أولاً». فقد بنى جانباً مهماً من خطابه السياسي على انتقاد الحروب الأميركية الطويلة، والدعوة إلى التركيز على المصالح المباشرة للولايات المتحدة وتقليص الالتزامات العسكرية الخارجية. إلا أن العدوان على إيران يضع هذا الخطاب أمام واقع مختلف، مع اتساع الانخراط الأميركي فيه وظهور تداعيات محتملة على القوات الأميركية والمصالح الاقتصادية والطاقة والأسواق. وبذلك، لم تعد كلفة الحرب محصورة في الميدان العسكري. فالإنفاق على العمليات، وحماية القوات والمنشآت الأميركية، والتداعيات المحتملة على أسعار الطاقة والتجارة، كلها عوامل تجعل الحرب جزءاً من النقاش السياسي والاقتصادي الداخلي الأميركي.

 

أمريكا والاحتلال.. تحالف استراتيجي وتباين في الحسابات

 

لا تعني قوة التحالف الأميركي–الصهيوني تطابق المصالح في كل ملف أو في كل مرحلة. فبنيامين نتنياهو وحكومته يتحركان وفق حسابات مرتبطة بأمن كيان الاحتلال وأهدافه السياسية والعسكرية، بينما تضع واشنطن في حساباتها أيضاً حماية القوات والمصالح الأميركية، ومنع توسع الحرب، وتأثير التصعيد على الطاقة والأسواق والاستقرار الإقليمي.

 

ومن هنا يبرز سؤال قدرة واشنطن على استخدام أدوات النفوذ المتاحة لها للتأثير في قرارات حليفها عندما ترى أن بعض خياراته قد تتعارض مع مصالح أميركية أوسع. كما أن السياسة الأميركية تجاه كيان الاحتلال لا تحددها الإدارة وحدها، بل تتداخل فيها حسابات الكونغرس، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، والاعتبارات الانتخابية، إضافة إلى جماعات الضغط والمؤسسات المؤيدة لكيان الاحتلال. وبالتالي، فإن استمرار الدعم الأميركي لا يلغي وجود تباينات في تقدير المخاطر أو في تحديد حدود الانخراط العسكري الأميركي.

 

المجتمع الأميركي.. الحرب تدخل النقاش الداخلي

 

تتزامن هذه التطورات مع تغيرات في اتجاهات الرأي العام الأميركي. ووفق استطلاع وطني أجرته جامعة كوينيبياك في يوليو/تموز 2026، عارض 60% من الناخبين الأميركيين العمل العسكري العدواني ضد إيران، مقابل 34% أيدوه، مع اختلافات واضحة بين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين.

 

كما أظهرت استطلاعات لمركز بيو للأبحاث في 2026 تراجعاً في النظرة الإيجابية إلى كيان الاحتلال وحكومته بين الأميركيين مقارنةً بسنوات سابقة. وتشير هذه المعطيات إلى أن العلاقة مع كيان الاحتلال لم تعد تحظى بالمستوى نفسه من القبول لدى جميع شرائح المجتمع الأميركي.

 

لكن هذه المعطيات تكشف اتساع الاعتراض على السياسات الصهيونية والدعم الأميركي لها. فرفض الحرب لا يعني بالضرورة رفض التحالف مع كيان الاحتلال، لكنه يعكس تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة دعمه وحدود الانخراط الأميركي في حروبه. والأهم أن الحرب جعلت العلاقة أكثر حضوراً في النقاش الداخلي، بعدما أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالإنفاق العسكري، وأسعار الطاقة، وحماية القوات الأميركية، وحدود التدخل الخارجي.

 

الخلاف داخل الحزب الجمهوري

 

ينعكس هذا التحول أيضاً داخل الحزب الجمهوري. فإلى جانب التيار الذي يرى في كيان الاحتلال حليفاً استراتيجياً ينبغي الحفاظ على دعمه، ظهرت أصوات محافظة أكثر تشككاً في التدخلات العسكرية الخارجية، وتطالب بإعطاء الأولوية للمصالح الأميركية المباشرة.

 

ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة بالنسبة إلى ترامب، لأن جزءاً من قاعدته السياسية يتبنى خطاباً يركز على تجنب الحروب الخارجية وتقليل الالتزامات العسكرية الأميركية. ومع استمرار الحرب، ينتقل الاعتراض تدريجياً من مستوى الخطاب السياسي إلى المؤسسات التشريعية، ما يضع الإدارة أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على التحالف مع كيان الاحتلال والتعامل مع تيار داخل الحزب يطالب بتقليص التدخل العسكري الخارجي.

 

ختاماً، كشف العدوان على إيران أن التحالف الأميركي–الصهيوني يواجه كلفة متزايدة، بعدما أصبحت خيارات حكومة الاحتلال تنعكس مباشرة على المصالح والقوات الأميركية وتوسّع مخاطر الصراع في المنطقة. وفي الداخل الأميركي، يتصاعد النقاش حول حدود الدعم المفتوح له، في ظل أعباء عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة. لذلك، قد لا يعني المستقبل تفكك التحالف، لكنه يضعه أمام مراجعة حقيقية لقواعده، واختباراً لقدرة واشنطن على حماية مصالحها وعدم الانجرار إلى حروب تتجاوز حساباتها الاستراتيجية.

 

المصدر: وكالات