لا تكتفي محافظة جيلان، (شمالي إيران)، بما تتمتع به من تنوع طبيعي وثقافي واجتماعي، بل تتجه إلى توظيف هذا الرصيد في تطوير نمط سياحي يقوم على الفعاليات المحلية، ويمنح الزائر فرصة للتعرف إلى ثقافة المجتمعات المحلية وأنماط حياتها وعاداتها ومواسمها الزراعية واحتفالاتها التقليدية. ويعكس هذا التوجه انتقالاً تدريجياً من السياحة القائمة على زيارة المواقع إلى سياحة أكثر تفاعلاً، تصبح فيها الفعالية المحلية جزءاً من تجربة الزائر ومن هوية الوجهة السياحية.
ويهدف هذا النموذج إلى توسيع مفهوم العائد السياحي، بحيث لا يقتصر على الإيرادات الاقتصادية، بل يشمل أيضاً دعم الهوية الثقافية، وتنشيط الحياة الاجتماعية، وتعزيز مشاركة السكان المحليين في النشاط السياحي.
الفعاليات المحلية.. بوابة إلى الثقافة
وقال مدير عام الشؤون الاجتماعية والثقافية في محافظة جيلان: إن التعامل مع السياحة من منظور اقتصادي فقط لم يعد كافياً، مشيراً إلى أن هذا القطاع يمكن أن يؤدي دوراً أوسع في تعزيز البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية.
وأوضح علي فتحاللهي، أن «السياحة القائمة على الفعاليات» تمثل وسيلة لإعادة تقديم الهوية المحلية في قالب سياحي، من خلال تحويل المناسبات الدينية والطقوس التقليدية والفعاليات الموسمية والاحتفالات المرتبطة بالأنشطة الزراعية إلى تجارب تعكس خصوصية المكان وموروثه.
ولا تقتصر أهمية هذه الفعاليات على جذب الزوار، بل تسهم أيضاً في صون التراث غير المادي وتعزيز شعور السكان بالانتماء، كما تتيح للسائح الاقتراب من الثقافة الحية والتعرف إلى العادات والمأكولات والحرف والفنون التي تميز كل منطقة.
السياحة ودعم الاقتصاد المحلي
ويرى فتحاللهي أن تنظيم فعاليات سياحية هادفة يمكن أن يساعد على توزيع العوائد السياحية بصورة أوسع، بحيث تستفيد منها المجتمعات المحلية وأصحاب الحرف والمنتجون والعاملون في خدمات الإقامة والضيافة والأنشطة السياحية.
ومن شأن هذا النهج أن يحول الفعالية المحلية إلى نقطة انطلاق لتجربة سياحية متكاملة، تمتد من المشاركة في المناسبة إلى زيارة الأسواق المحلية وورش الحرف والمزارع ومرافق الضيافة، بما يخلق روابط أوسع بين النشاط السياحي والاقتصاد المحلي، ويشجع على بقاء جزء من العائدات داخل المجتمع المضيف.
وأكد فتحاللهي أن المحافظة تسعى، في الوقت نفسه، إلى الحفاظ على أصالة التراث والخصوصية الثقافية للمناطق المحلية، مع تطوير معايير الاستضافة والسلامة، بما يضمن استقبال الزوار من دون التأثير سلباً في هوية المجتمعات.
المجتمع المحلي شريك في صناعة السياحة
وأكد فتحاللهي أن النخب الثقافية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية تؤدي دوراً محورياً في تطوير هذا المسار، من خلال تقديم الخبرات والأفكار والمشاركة في إعادة تصميم الفعاليات بما يتناسب مع احتياجات السكان والزوار.
وتقوم هذه الرؤية على اعتبار المجتمع المحلي شريكاً في صناعة التجربة السياحية، وليس مجرد مستفيد من عائداتها، بحيث يشارك في التخطيط والتنفيذ والتعريف بالموروث المحلي. ويساعد هذا النهج على الحفاظ على أصالة الفعاليات وتعزيز ارتباطها بالمكان، وفي الوقت نفسه رفع جاذبيتها للزوار.
جيلان نحو سياحة أكثر استدامة
وأشار فتحاللهي إلى أن محافظة جيلان ستدعم المشاريع والمبادرات القائمة على البحث والدراسة، ولا سيما تلك التي تجمع بين الاستدامة البيئية والتمكين الاقتصادي للمجتمعات المحلية وتعزيز شعور السكان بالانتماء إلى مناطقهم.
وفي ظل ارتباط جاذبية جيلان بمواردها الطبيعية والثقافية، تبرز الحاجة إلى إدارة السياحة بصورة متوازنة تحمي البيئة والتراث وتضمن استفادة السكان من مواردهم. ومن هنا يمكن للفعاليات المحلية أن تؤدي دوراً يتجاوز الترويج السياحي، لتصبح وسيلة للتعريف بالتراث والبيئة وتعزيز المشاركة المجتمعية.
ويرى فتحاللهي أن الاستمرار المنظم والمدروس في إقامة هذه الفعاليات يمكن أن يفتح أمام جيلان آفاقاً أوسع للسياحة الثقافية والبيئية والمجتمعية، ويعزز مكانتها كوجهة لا يكتفي زائرها بمشاهدة طبيعتها، بل يكتشف أيضاً ثقافتها الحية ويتفاعل مع مجتمعها المحلي، بما يدعم بناء تجربة سياحية أكثر أصالة واستدامة.