من المواقع الأثرية إلى السياحة الأدبية

نيشابور ترسم خريطة سياحية جديدة

تتجه مدينة نيشابور التاريخية، (شمال شرقي إيران)، إلى توظيف رصيدها الأثري والثقافي في صياغة نموذج سياحي أكثر تنوعاً، يقوم على تطوير شبكة متكاملة من «المواقع-المتاحف»، بالتوازي مع المضي قدماً في مسار تسجيلها على قائمة التراث العالمي لليونسكو،

 

تتجه مدينة نيشابور التاريخية، (شمال شرقي إيران)، إلى توظيف رصيدها الأثري والثقافي في صياغة نموذج سياحي أكثر تنوعاً، يقوم على تطوير شبكة متكاملة من «المواقع-المتاحف»، بالتوازي مع المضي قدماً في مسار تسجيلها على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتطوير مواقعها الأثرية، وتعزيز السياحة الريفية والأدبية. وبهذه الرؤية، تسعى نيشابور إلى الانتقال من مدينة غنية بالآثار إلى وجهة سياحية تتيح للزائر اكتشاف طبقاتها الحضارية والثقافية من خلال تجربة تجمع بين التاريخ والطبيعة والأدب والحياة المحلية.

 

وقال مدير قاعدة التراث الثقافي لمدينة نيشابور القديمة، إن الخطوة الأولى في مسار التسجيل العالمي تتمثل في إدراج المدينة على القائمة التمهيدية لليونسكو، موضحاً أن الإجراءات المتعلقة بهذا المسار أُنجزت، فيما تنتظر الجهات المعنية عقد اجتماع في طهران لاستكمال الإجراءات والاستفادة من خبرات المتخصصين في إعداد ملفات التراث العالمي.

 

وأكد هادي شريفيان، أن هذا المسار يمثل أحد أبرز الطموحات التي تعمل عليها المدينة، في ظل ما تمتلكه من رصيد تاريخي وحضاري واسع. وكانت نيشابور إحدى المدن الأربع الكبرى في محافظة خراسان الرضوية.

 

ولا تقتصر جهود نيشابور على تسجيل اسم المدينة في القوائم الدولية، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة لحماية المواقع الأثرية وتحويلها إلى نقاط جذب سياحي وثقافي. ويمنح هذا التوجه المدينة فرصة لربط تاريخها العريق بتجربة سياحية معاصرة، تقوم على زيارة المواقع في أماكنها الأصلية والتعرف إلى طبقاتها التاريخية من خلال المتاحف المفتوحة والمواقع-المتاحف.

 

 شادياخ.. آثار في موقعها الأصلي

 

ويبرز موقع شادياخ الأثري بوصفه أحد أهم مكونات هذا المشروع، حيث تتواصل أعمال تطوير الموقع-المتحف بالتوازي مع الدراسات والتنقيبات الأثرية وتحسين البنية التحتية المخصصة لاستقبال الزوار.

 

وقد اكتملت عمليات التنقيب في الموقع، فيما جرى تنفيذ مسارات للوصول إلى أجزاء مختلفة منه، بما في ذلك الممرات والمنحدرات اللازمة لحركة الزوار. كما أُنجز نحو 40 في المئة من أعمال إنشاء الغطاء الوقائي لحماية المكتشفات، بينما لا تزال الحاجة قائمة إلى استكمال المتحف وأعمال الحماية، وهو ما يتطلب توفير الموارد المالية اللازمة.

 

كما شهدت مناطق أثرية أخرى في محيط نيشابور أعمالاً بحثية وتنقيبية، من بينها تل البرسلان في قرية تربت‌آباد، حيث عُثر على شواهد تعود إلى العصرين الساساني والإسلامي، إلى جانب مشاركات لبعثات أثرية فرنسية في دراسة تاريخ المنطقة.

 

وتكتسب هذه المواقع أهمية خاصة في مشروع السياحة الثقافية، لأنها تتيح للزائر الانتقال من قراءة التاريخ في الكتب إلى مشاهدته في المكان الذي تشكلت فيه ملامحه، بما يعزز قيمة التجربة السياحية ويمنح المواقع الأثرية دوراً حياً في الحياة الثقافية والاقتصادية للمدينة.

 

 القرى التاريخية.. رافد جديد للسياحة

 

وتفتح المنطقة الأثرية لنيشابور القديمة المجال أمام تطوير السياحة الريفية، إذ تبلغ مساحتها نحو 4600 هكتار وتضم 227 قرية، وهو ما يوفر قاعدة واسعة لتطوير مسارات سياحية تربط المواقع الأثرية بالمجتمعات المحلية والطبيعة الريفية.

 

وتنتشر بالقرب من مواقع مرتبطة بعمر الخيام والعطار وشادياخ، مرافق للإقامة الريفية والبيئية، بما يسمح للزوار بخوض تجربة أكثر قرباً من الحياة المحلية والتعرف إلى العادات والمنتجات والحرف التقليدية، فضلاً عن دعم مصادر دخل السكان وتحويل القرى المحيطة بالمواقع الأثرية إلى جزء من المنظومة السياحية.

 

 بوابة للسياحة الأدبية

 

وتحتل السياحة الأدبية مكانة خاصة في هوية نيشابور، التي ارتبط اسمها بشخصيتين بارزتين في الثقافة الفارسية، هما عمر الخيام والعطار.

 

وتضم منطقة نيشابور، التي تشمل نيشابور وفيروزه وزبرخان، نحو 140 معلماً مسجلاً على المستوى الوطني، إضافة إلى قرابة 400 موقع تاريخي جرى التعرف إليه، الأمر الذي يتيح تطوير مسارات تجمع بين الأدب والتاريخ والعمارة والطبيعة.

 

وفي هذا السياق، شهدت محافظة خراسان الرضوية عقد أول مؤتمر للسياحة الأدبية، في محاولة لتعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية وتحويل التراث الأدبي للمنطقة إلى منتج سياحي أكثر حضوراً، يستند إلى المواقع والشخصيات والقصص التي ارتبطت بتاريخ نيشابور.

 

 حين يتحول التراث إلى تجربة سياحية

 

وتسعى نيشابور، من خلال الجمع بين المواقع الأثرية والسياحة الريفية والأدب والطبيعة، إلى الانتقال من نموذج الزيارة السريعة إلى تجربة سياحية متكاملة، تتيح للزائر اكتشاف المدينة عبر أكثر من نافذة.

 

ومن شأن تطوير المواقع-المتاحف وحماية المكتشفات وربطها بالقرى المحيطة والمسارات الأدبية أن يمنح نيشابور فرصة لتقديم منتج سياحي متنوع، يجعل من التراث جزءاً حياً من تجربة الزائر، ويعزز في الوقت نفسه مشاركة المجتمعات المحلية في التنمية السياحية.

 

وهكذا، لا تبدو نيشابور مجرد مدينة تحتفظ بآثار ماضيها، بل وجهة تسعى إلى إعادة صياغة هذا الماضي في صورة تجربة سياحية وثقافية متجددة، تجمع بين التاريخ والطبيعة والحياة الريفية والأدب.

 

 

المصدر: الوفاق