أبناء إيران في أوّل يوم دراسي بعد الحرب؛ قصّة تلاميذ ميناب التي لم تكتمل

الوفاق/ تردّد صدى جرس المدرسة مجدداً في أرجاء إيران وتوجّه ملايين التلاميذ إلى الصفوف الدراسية، غير أن المقاعد الشاغرة لتلاميذ مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب وغيرهم من التلاميذ والمعلمين الشهداء الذين استشهدوا مظلومين في الحرب المفروضة الأخيرة، جعلت شهر «مهر» (أيلول/ سبتمبر) لهذا العام ممزوجاً بحسرة باقية؛ أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا اليوم إلى جانب زملائهم في الدراسة؛ لكن أسماءهم وذكراهم اقترنت إلى الأبد بالمدرسة ومطلع العام الدراسي.

ومع انطلاق العام الدراسي الجديد، امتلأت باحات المدارس مجدداً بصخب التلاميذ؛ غير أنه وسط حماس وشغف العودة إلى الصفوف الدراسية، بقيت المقاعد الفارغة لعدد من التلاميذ خالية إلى الأبد في الفصول والمقاعد؛ أطفال كان مقرراً أن يستهلوا اليوم عاماً دراسياً جديداً إلى جوار أقرانهم؛ لكنهم فقدوا أرواحهم في الحرب الأخيرة وبقي جرح فراقهم غائراً في قلب إيران.

 

ومن بين هؤلاء التلاميذ، يحتل أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» مكانة خاصة في الذاكرة الجمعية للشعب الإيراني؛ أولئك التلاميذ الذين قضوا في الحادثة المأساوية والأليمة لعدوان أمريكا الإرهابية في 28 شباط/ فبراير 2026م على مدرسة في ميناب، لتُحيي عودةُ زملائهم مجدداً إلى المدرسة ذكرى غيابهم أكثر من أي وقت مضى.

 

واليوم، بات العالم بأسره، يعرف ميناب بأطفالها؛ أولئك الذين أعلنت حتى لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة المعنية بالشأن الإيراني أنها «تستند إلى أسباب منطقية تدفع للاعتقاد بأنه خلال الهجوم العسكري الأمريكي ضد إيران، تورطت الولايات المتحدة في هجومين عسكريين على مدرسة وملعب في إيران وارتكبت جريمة حرب».

 

واليوم، وإن قُرع جرس المدرسة إيذاناً ببدء العام الدراسي، فإن المقاعد الخالية لهؤلاء التلاميذ تظل رواية صامتة للحزن الذي لا تزال تحمله العائلات، والأصدقاء، والأسرة التعليمية في البلاد، والشعب الإيراني بأسره. لقد كان تلاميذ ميناب أبناءً طاهرين لشعب إيران الشريف، واستشهدوا مظلومين دون أي ذنب.

 

ويمكن لمطلع شهر «مهر» هذا العام أن يشكل فرصة لتخليد اسم وذكرى هؤلاء التلاميذ إلى جانب ذكريات الأيام المدرسية؛ أطفال كانت لديهم آمال وأحلام ومستقبل واعد، وكان من المفترض أن يكونوا جزءاً من غد هذه الأرض.

 

لا يمثل شهر «مهر» هذا العام بالنسبة للعديد من الأسر والتلاميذ مجرد بداية لعام دراسي جديد؛ بل يمثل عودة إلى التعليم الحضوري بعد تجربة عام استثنائي مليء بالتحديات. فقد استمر العام الدراسي الماضي تحت وطأة الظروف الحربية للبلاد بصورة افتراضية وغير حضورية؛ ورغم أن هذا التحول في نمط التعليم أتاح استمرار العملية التعليمية، إلا أنه رافقته تحديات للأسر والتلاميذ.

 

انطلاق العام الدراسي؛ نوروز المعرفة والقدرة

 

حلّ اليوم الأول من مهر للعام الدراسي 1405-1406هـ.ش (23 أيلول/ سبتمبر 2026م)، وهو «نوروز المعرفة والقدرة»، الذي ينطلق بتخليد ذكرى وأسماء 295 شهيداً من التلاميذ و68 معلماً شهيداً، حيث حضر 16 مليوناً و500 ألف تلميذ في 125 ألف مدرسة في أنحاء البلاد.

 

وقد أعدّت وزارة التربية والتعليم 150 برنامجاً خاصاً لإعادة فتح المدارس ليحظى التلاميذ ببداية مميزة ولا تُنسى لشهر «مهر»؛ وإلى جانب تنظيم الكوادر البشرية، والتسجيل، وتوفير الكتب، وتجهيز المدارس، جرى التأكيد على البرامج الثقافية والتربوية والرياضية والترفيهية للأيام الأولى من شهر مهر.

 

وفي هذا السياق، أعلن وزير التربية والتعليم علي رضا كاظمي: «كل صباح تُفتح فيه أبواب المدرسة، يبدأ مستقبل إيران من جديد؛ وشعار ومسار حركة التربية والتعليم في العام الدراسي الجديد هو “العدالة” و”الجودة” و”الهُوية” من أجل إيران ومن أجل المدرسة؛

 

وهي ثلاثة أهداف مترابطة ومستقاة من وثيقة التحول الجذري في التربية والتعليم، والتي ستنير مسارنا في التربية والتعليم: مدرسة تحظى بفرص تربوية عادلة، وتعليم ذي جودة، وجيل يتمتع بالهوية الوطنية، لبناء إيران والحضارة الإسلامية الحديثة».

 

وفي العام الماضي، وخلال الحرب المفروضة، تضررت مدارس عديدة جرى بهمة الحكومة وبمواكبة ومشاركة الخيرين إعادة إعمار 1288 منشأة تعليمية وإعادتها إلى دائرة التعليم، كما شُيدت آلاف المدارس.

 

علاوة على ذلك، أُضيف هذا العام أكثر من 2300 منشأة تعليمية جديدة تضم 13 ألف صف دراسي إلى الطاقات القائمة، ووُضعت على جدول الأعمال برامج تحسين المساحات الرياضية، ومطابقة منظومات التبريد والتدفئة للمواصفات القياسية، وتأهيل الفصول الدراسية.

 

وإلى جانب تجهيز المساحات والمعدات، يُعدّ تأمين الكوادر البشرية اللازمة للمدارس أحد أهم المحاور لانطلاق العام الدراسي الجديد؛ إذ ترتبط جودة بداية العام الدراسي إلى حد بعيد بتوفر الفصول والمعلمين للتلاميذ منذ الأيام الأولى، وانطلاق العملية التعليمية دون انقطاع.

 

إن المدرسة بالنسبة للعديد من التلاميذ ليست مجرد جدران وفصول ومقاعد؛ بل هي المكان الذي تتشكل فيه أولى تصوراتهم عن المجتمع، والمستقبل، وحتى عن أنفسهم. ففي كل يوم داخل الفصول الدراسية، وإلى جانب تعلم الحروف والأرقام والعلوم، يُبنى جزء من هُوية هذا الجيل ورؤيته لإيران والحياة؛ ومن هذا المنطلق، يمكن للمدرسة أن تكون ملاذاً لغرس الأمل، والهُوية، والشعور بالانتماء، وأن تُعدّ الأطفال والناشئة -عبر خلق بيئة مفعمة بالحيوية والنشاط- لبناء المستقبل الذي ينتظرهم.

 

وفي هذا الإطار، يُعدّ الاستقرار النفسي والشعور الإيجابي للتلاميذ جزءاً لا يتجزأ من عملية التعلم؛ فالطفل الذي يدخل مدرسته بنشاط تتاح له فرصة أكبر للتعلم، وخوض التجارب، والتفتح والازدهار.

 

وإن الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، والرياضة والتربية البدنية، وإيجاد بيئة آمنة ومبهجة، يرتقي بالمدرسة إلى ما يتجاوز كونها بيئة تعليمية فحسب، ليجعل منها بيتاً ثانياً للتلاميذ؛ مكاناً يُفترض أن تُبنى فيه -إلى جانب الدروس- ذكريات طفولتهم وشبابهم الجميلة.

 

إن كل جيل يجلس اليوم على مقاعد الدراسة يحمل معه جزءاً من مستقبل هذه الأرض؛ أطفال سيصنعون غد إيران، وسيكون لكل منهم دوره في إعمار الوطن وتقدمه.

 

وبإمكان المدرسة أن تكون المكان الذي تُبذر فيه -إلى جانب العلم- بذور الأمل والثقة بالمستقبل في قلوب التلاميذ، ومكاناً يتعلمون فيه أن إيران ليست مجرد أرض للعيش، بل هي بيت سيُبنى مستقبله بسواعد هذا الجيل بعينه.

 

إن الأمل بالغد -على الرغم من الآلام والصعوبات الناجمة عن الحظر والحروب المفروضة من قِبل الأعداء الصهاينة والأمريكيين قتلة الأطفال ذوي الطباع الوحشية والضحاكية-والإيمان بقدرات الذات والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن، هو الرصيد الذي بوسعه أن يصنع من فصول اليوم الدراسية مستقبلاً أكثر إشراقاً لإيران.

المصدر: الوفاق خاص