تواجه الرئاسة الفرنسية أزمة سياسية متصاعدة، بعدما تراجعت نسبة الرضا عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون إلى 15%، مقابل 82% من الآراء السلبية، فيما لم يحدد 3% من المشاركين رأياً محدداً. وذلك وفق استطلاع «إيبسوس» لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2026 م.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين الرئاسة وقطاعات من المجتمع الفرنسي، في ظل الجدل حول كلفة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في ملفات القدرة الشرائية والتقاعد والإنفاق العام.
ويتزامن ذلك مع احتجاجات طلابية تضيف جبهة جديدة إلى المشهد المتوتر، وتسلّط الضوء على مخاوف الشباب وتطلعاتهم وسط أجواء من الاستياء المتصاعد. ولم تعد الأزمة مجرد تراجع في شعبية رئيس، بل مواجهة حول نتائج خياراته وحدود قدرته على إقناع الفرنسيين بأن الإصلاحات التي تبنّاها تستحق أثمانها الاجتماعية.
القدرة الشرائية في صلب الاستياء الشعبي
تشكّل القدرة الشرائية إحدى أبرز نقاط الضغط على ماكرون، مع استمرار المخاوف بشأن تكاليف المعيشة والوقود والنفقات اليومية. فبينما تتحدث السلطة عن الإصلاح والنمو وتعزيز تنافسية الاقتصاد الفرنسي، يقيس المواطنون النتائج بما يستطيعون تحمّله من أعباء وبقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وتتحول هذه الفجوة بين الخطاب الاقتصادي والواقع المعيشي إلى مصدر ضغط سياسي على الرئاسة، خصوصاً عندما يشعر المواطنون بأنهم يتحملون كلفة الإصلاحات من دون أن تتوزع أعباؤها بصورة عادلة.
ويبرز الوقود بوصفه أحد أكثر الملفات قابلية لإشعال الغضب الاجتماعي، خصوصاً لدى سكان المناطق التي يعتمد أهلها على السيارات للوصول إلى أعمالهم وتأمين احتياجاتهم. وقد شكّلت احتجاجات «السترات الصفراء» عام 2018 إنذاراً واضحاً للسلطة الفرنسية، بعدما تحولت معارضة زيادة الضرائب على الوقود إلى حركة احتجاجية واسعة كشفت عمق الشعور بالتهميش لدى شرائح من المواطنين. ورغم اختلاف الظروف اليوم، فإن تلك التجربة تظل تذكيراً بأن القرارات المالية لا تُقاس بأهدافها المعلنة وحدها، بل أيضاً بوقعها الفعلي على حياة الناس ومدى توافر بدائل عادلة لهم. وأمام هذا الإرث، يجد ماكرون نفسه أمام سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: كيف يمكن إقناع الفرنسيين بجدوى الإصلاحات إذا كانوا يشعرون بأنهم يدفعون كلفتها من معيشتهم واستقرارهم؟
إصلاحات التقاعد والإنفاق تحت المجهر
ارتبطت رئاسة ماكرون بمحاولات لإعادة هيكلة الاقتصاد الفرنسي وتعزيز مرونته، وشملت ولايته إصلاحات أثارت خلافات واسعة، وفي مقدمتها رفع سن التقاعد القانوني من 62 إلى 64 عاماً بموجب إصلاح عام 2023. وقد بررت الحكومة الإصلاح بضرورة ضمان استدامة نظام التقاعد، بينما اعتبر معارضوه أنه يحمّل العاملين أعباء إضافية، خصوصاً أصحاب المهن الشاقة ومن بدأوا العمل في سنٍ مبكرة. وأدى تمرير الإصلاح في ظل معارضة نقابية وشعبية واسعة إلى تعميق الجدل بشأن أسلوب إدارة الحكومة للخلافات الاجتماعية ومدى استجابتها للاعتراضات.
ولا يعني ذلك أن جميع المشكلات الاقتصادية الفرنسية ناتجة عن قرارات ماكرون وحدها؛ فارتفاع الأسعار والضغوط المالية والتحديات الأوروبية والدولية عوامل تتجاوز صلاحيات رئيس واحد. لكن مسؤولية الرئاسة تظل موضع مساءلة بشأن كيفية إدارة هذه التحديات، وتوزيع تكاليف الإصلاح، والتوفيق بين ضبط الإنفاق وحماية الخدمات العامة.
احتجاجات طلابية تزيد الضغوط على حكومة ماكرون
لم تعد أزمة ماكرون محصورة في أروقة السياسة أو أرقام استطلاعات الرأي؛ فاحتجاجات طلاب المدارس الثانوية تفتح جبهة اجتماعية جديدة في وجه سلطة تواجه تآكلاً متزايداً في الثقة الشعبية. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه الانتقادات للأوضاع المعيشية والسياسات الحكومية، لتضع الشباب في قلب المواجهة مع واقع يرون أنه يضيّق آفاقهم ويهدد مستقبلهم. وحين ينزل الطلاب إلى الشوارع، فإن الرسالة تتجاوز المطالب الآنية لتطرح سؤالاً أكثر إحراجاً للرئيس: أي مستقبل تقدّمه سياساته لجيل يُفترض أن يكون المستفيد الأول من وعود الإصلاح؟
وتكشف هذه الاحتجاجات أن أزمة ماكرون لا يمكن اختزالها في تراجع شعبيته أو تعثر خياراته الاقتصادية، بل تمتد إلى اتساع الهوة بين السلطة وشرائح من المجتمع تشعر بأن صوتها لا يجد استجابة كافية. فبدلاً من أن تنجح الحكومة في احتواء الغضب وفتح قنوات جدية للحوار، تجد نفسها أمام اختبار جديد لقدرتها على الإصغاء إلى الشارع ومعالجة أسبابه. وأي محاولة للتقليل من شأن التحركات الطلابية أو التعامل معها باعتبارها مجرد اضطراب عابر قد تزيد الاحتقان وتحوّل المطالب الاجتماعية إلى وقود إضافي لأزمة سياسية أعمق. ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن جميع الطلاب يتحركون بدافع واحد أو أن احتجاجاتهم تعني بالضرورة رفضاً موحداً لماكرون؛ لكن تزامنها مع تراجع الثقة بالرئاسة يضعها في سياق سياسي ضاغط، ويعزز الانطباع بأن السلطة تواجه تحدياً يتجاوز إدارة الاقتصاد إلى استعادة ثقة جيل يتساءل عن فرصه وحقوقه ومكانه في مستقبل فرنسا.
تراجع الرضا يفتح المجال أمام منافسي ماكرون
وفق الاستطلاع الوارد في التقارير، بلغت نسبة الرضا عن أداء ماكرون 15%، مقابل 82% غير راضين، فيما سجل رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو تأييداً بلغ 22%. وتعكس هذه المؤشرات اتساع الاستياء من أداء السلطة التنفيذية، لكنها لا تحدد وحدها الأسباب الدقيقة لموقف كل مشارك في الاستطلاع. ومع ذلك، فإن استمرار تدني الرضا يضع الحكومة أمام تحدي تقديم نتائج ملموسة، خصوصاً في الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورةٍ مباشرة.
في المقابل، سجل جوردان بارديلا 33% من الآراء الإيجابية، ومارين لوبان 32%، فيما بلغ تأييد رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب 20% وفق الأرقام المنشورة. وتظهر هذه النتائج أن المنافسة السياسية المقبلة ستجري في ظل تراجع واضح في شعبية الرئيس الحالي، وأن المعارضة تمتلك مساحة لطرح بدائلها الاقتصادية والاجتماعية. لكنها لا تعني أن نتائج انتخابات 2027 محسومة، إذ ستتوقف المنافسة على البرامج المطروحة ومواقف المرشحين وتطور الأوضاع السياسية خلال الفترة المقبلة.
ختاماً، يعكس تراجع الرضا عن أداء ماكرون إلى 15%، وفق الاستطلاع المشار إليه، أزمة ثقة تتجاوز الأرقام لتطال حصيلة سياساته الاقتصادية والاجتماعية. فغلاء المعيشة، والجدل حول إصلاح التقاعد، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والطلابية، كلها عوامل تزيد الضغط على الرئاسة وتضع وعود الإصلاح أمام اختبار صعب. ومع اقتراب انتخابات 2027، لن تكفي الخطابات لتبديد الغضب؛ بل سيكون على ماكرون إثبات أن سياساته قادرة على تحسين حياة الفرنسيين، وإلا ستبقى الفجوة بين السلطة والشارع عنواناً بارزاً لأزمته السياسية.