سبزوار تحتفي بأحد أعلام الأدب الفارسي

مؤتمر البيهقي يستحضر عراقة النثر الفارسي وثراءه

قاليباف: اللغة الفارسية ركيزة الهُويّة الثقافية والوحدة الوطنية. / حداد عادل: «تاريخ البيهقي» سند ثمين للغة الفارسية ومفخرة ثقافية./ صالحي: «تاريخ البيهقي» منارة للصدق والإبداع في النثر الفارسي.

 

يمثل الأدب الفارسي أحد روافد التراث الإنساني، وقد منح الشعر والنثر اللغة قدرة على حفظ الذاكرة ونقل التجارب والأفكار عبر الأجيال. وإذا رسّخ الفردوسي مكانة الشعر بملحمته «الشاهنامة»، فإن أبا الفضل البيهقي منح النثر التاريخي مقاماً رفيعاً بكتابه «تاريخ البيهقي»، الذي جمع بين دقة التوثيق وجمال العبارة وفهم طبائع البشر.

 

وفي ذكرى تكريمه، استضافت مدينة سبزوار يوم السبت 24 أكتوبر، الدورة السادسة عشرة للمؤتمر الوطني لتكريم البيهقي، الملقب بأبي النثر الفارسي، بمشاركة بحثية، لتجديد الاهتمام بإرثه ومكانة اللغة الفارسية.

 

 «تاريخ البيهقي» سند ثمين للغة الفارسية ومفخرة ثقافية

 

وفي كلمته التي ألقاها في افتتاح المؤتمر، أكد رئيس أكاديمية اللغة والأدب الفارسي، غلامعلي حداد عادل، على أن البيهقي يمثل إحدى مفاخر المنطقة، وأن كتابه يشكل سنداً ثميناً للغة الفارسية.

 

وأشار حداد عادل إلى أن البيهقي عاش في القرن الخامس الهجري وكان معاصراً للفردوسي، إذ تزامنت شيخوخة الشاعر مع شباب المؤرخ. واعتبر أن قوة التعبير ودقة الملاحظة وعمق التفكير من أبرز خصائص «تاريخ البيهقي»، مؤكداً إسهام سبزوار وبيهق في إنجاب العلماء والأدباء وتعزيز الثقافة والحضارة الإيرانية.

 

كما زار حداد عادل، برفقة عدد من الباحثين والمسؤولين في محافظة خراسان الرضوية، أول متحف للنثر الفارسي في البلاد، الكائن في جامعة الحكيم السبزواري.

 

اللغة الفارسية ركيزة الهُويّة الثقافية والوحدة الوطنية

 

ومن جانبه، أكد رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف، على أن اللغة الفارسية تمثل تراثاً مشتركاً للأجيال الإيرانية، وتحمل ذاكرتها التاريخية وثقافتها وتجاربها المعيشية، مشدداً على دورها المحوري في تعزيز اللحمة الوطنية وصون وحدة أراضي البلاد.

 

وجاءت تصريحاته في رسالة بعث بها إلى المؤتمر، وتلاها النائب محمدرضا ثاني. وأوضح قاليباف أن حماية الحدود لا تقتصر على الاقتدار والإرادة الوطنية، بل ترتبط أيضاً بصون الروابط الثقافية والهوياتية بين مختلف القوميات.

 

وأضاف قاليباف: إن اللغة الفارسية، فضلاً عن كونها أداة للتواصل والكتابة، تُعد إحدى أهم ركائز الهُويّة التاريخية والثقافية للشعب الإيراني، وإحدى أمتن الروابط التي دمجت شتى قوميات هذا البلد عبر القرون.

 

كما أشار إلى تأكيد قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) على أهمية اللغة الفارسية، وضرورة صون طاقاتها الفريدة، معتبراً حمايتها مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال المقبلة، وركيزة لازدهار الثقافة وترسيخ الوحدة الوطنية.

 

 «تاريخ البيهقي» منارة للصدق والإبداع في النثر الفارسي

 

كذلك تم قراءة رسالة وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، حيث أكد على أن كتاب «تاريخ البيهقي» من الأعمال النادرة التي صمدت أمام تعاقب القرون، محتفظاً بجمال أسلوبه ومكانته في الذاكرة الفارسية.

 

وأوضح صالحي أن البيهقي تجاوز تسجيل الوقائع إلى قراءة أحوال الإنسان، فجمع بين توثيق تاريخ إيران وإبداع أدبي يكشف طبائع البشر وتقلبات السلطة والحكمة والوفاء والطمع.

 

وأشار وزير الثقافة إلى أن نثره حقق توازناً بين متانة التعبير وعمق المعنى، وأن مكانته لا تنبع من بلاغته وحدها، بل من التزامه الحقيقة والمسؤولية للكاتب.

 

ولفت صالحي إلى منهجه القائم على التحقق من الأخبار وتمحيص الروايات وتجنب الأغراض الشخصية، مؤكداً أهمية هذه القيم في زمن سرعة تداول المعلومات.

 

وأشاد وزير الثقافة بالباحثين والأساتذة الذين صانوا إرثه، معرباً عن أمله في أن تلهم إعادة قراءة كبار الأدباء البحث عن الحقيقة وتطوير اللغة والثقافة الفارسيتين للأجيال المقبلة.

 

محاور مؤتمر البيهقي

 

من جانبه، أوضح السكرتير التنفيذي للمؤتمر، مهيار علوي، أن الدورة السادسة عشرة تركز على دراسة النصوص التاريخية والأدبية المكتوبة بالنثر الفارسي قبل الغزو المغولي، والبحوث المتخصصة في تاريخ البيهقي.

 

وأضاف أن عقد البيهقي الثقافي، من 25 إلى 31 أكتوبر، يتزامن مع القسم الافتراضي للمؤتمر، والكشف عن كتاب «إعادة التعرف إلى النصوص التاريخية والأدبية قبل الغزو المغولي وبعده»، الذي يضم ملخصات البحوث المقدمة إلى مؤتمرات تكريم أبي الفضل البيهقي.

 

من الاحتفاء إلى العمل الثقافي

 

وتضمنت الفعاليات أنشطة مدرسية وشعبية، وتكريم بونصر مشكان، أستاذ البيهقي، وورشاً بحثية وجلسات تخصصية، إلى جانب برنامج افتراضي خلال أيام الاحتفاء. كما شملت عرض مستجدات مشروع النصب التذكاري للبيهقي، والتعريف بكتاب عن النصوص التاريخية والأدبية السابقة للغزو المغولي واللاحقة له، مستنداً إلى خلاصات بحوث المؤتمرات.

 

وشهدت المدينة أيضاً افتتاح مكتب للتواصل مع أكاديمية اللغة والأدب الفارسي، وتتطلب المهمة بحثاً وتعاوناً مؤسسياً مستمراً.

 

وبذلك، يتجاوز المؤتمر استذكار مؤرخ وأديب إلى تأكيد مسؤولية المؤسسات والباحثين عن صون اللغة بوصفها ذاكرة مشتركة راسخة. فتراث البيهقي يبرهن أن الكتابة التاريخية تبلغ قيمتها حين تجمع جمال الأسلوب إلى دقة الرواية والإنصاف، وتحول معرفة الماضي إلى وعي نقدي يعزز الثقافة ويصل الأجيال بعضها ببعض.

 

المصدر: الوفاق