زلزال في الوعي الأمريكي

من الإجماع إلى التمرّد.. جيل أميركي جديد يدير ظهره للاحتلال

لم يعد كيان الاحتلال يحظى بالإجماع الأميركي التقليدي؛ إذ يدفع جيل جديد نحو مساءلة التحالف معها تحت ضغط حرب غزة والتحولات السياسية

تشهد الولايات المتحدة الأميركية تحوّلاً ملحوظاً في طبيعة نظرتها إلى كيان الاحتلال، في تطوّر يعكس تحوّلاً عميقاً في المزاجين السياسي والاجتماعي، ولا سيما لدى الأجيال الشابة التي باتت أكثر انتقاداً للسياسات الصهيونية وأقل اقتناعاً بضرورة استمرار الدعم الأميركي غير المشروط لكيان الاحتلال. وقد أسهمت حرب الإبادة على قطاع غزة في تسريع هذا التحوّل، بعدما أعادت إلى الواجهة التناقض بين الخطاب الأميركي التقليدي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين طبيعة الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه واشنطن لكيان الاحتلال. ولا يقتصر هذا التبدّل على الاعتراض على حكومة بنيامين نتنياهو، بل يمتد إلى مراجعة المسلّمات التي حكمت العلاقة الأميركية مع كيان الاحتلال لعقود.

 

العدوان على غزة وتآكل الإجماع الأميركي

 

شكّلت الحرب على غزة نقطة تحوّل أساسية في مسار العلاقة بين الرأي العام الأميركي وكيان الاحتلال، إذ ساهمت مشاهد الدمار والضحايا المدنيين، إلى جانب الانتقادات الدولية المتزايدة للعمليات العسكرية الصهيونية، في إعادة تشكيل المواقف داخل المجتمع الأميركي. فبعد عقود من اعتبار كيان الاحتلال حليفاً استراتيجياً لا يمكن التشكيك في دعمه، بدأت قطاعات واسعة من الأميركيين تتساءل عن جدوى استمرار تقديم المساعدات العسكرية والمالية له، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الولايات المتحدة داخلياً. ولم يعد الاعتراض مقتصراً على التيارات اليسارية أو المجموعات المناهضة للحروب، بل امتد إلى شرائح شبابية من اتجاهات سياسية مختلفة، رأت في الدعم الأميركي غير المشروط تناقضاً مع المبادئ التي تعلن واشنطن الدفاع عنها.

 

الجامعات الأميركية.. فلسطين تكسر الرواية التقليدية

 

لم يكن التحول في نظرة الجيل الأميركي الجديد إلى كيان الاحتلال وليد استطلاعات الرأي وحدها، بل تبلور أيضاً داخل الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، التي تحولت إلى ساحات أساسية للاشتباك السياسي والأخلاقي حول الحرب على غزة. فقد كشفت الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها جامعات أميركية كبرى عن اتساع الهوة بين مواقف الإدارات السياسية ومزاج قطاعات من الشباب، الذين لم يعودوا يتلقون الرواية الصهيونية باعتبارها حقيقة ثابتة، بل باتوا يخضعونها للنقاش والمساءلة، مستندين إلى الصور والتقارير الميدانية والشهادات القادمة من القطاع. ومن هنا، اكتسبت القضية الفلسطينية بعداً جديداً في الوعي الشبابي الأميركي، إذ تحولت من قضية خارجية بعيدة إلى اختبار للمبادئ التي تقوم عليها الجامعات والمجتمعات الديمقراطية، ولا سيما حرية التعبير والعدالة وحقوق الإنسان.

 

ولم يعد ابتعاد الجيل الأميركي الجديد عن كيان الاحتلال مجرد احتجاج على حكومة بنيامين نتنياهو أو رفض لحرب غزة، بل بات يعكس انقلاباً في الصورة التي ترسخت عن كيان الاحتلال داخل الوعي الأميركي. فهذا جـيل تشكّل وعيه في عصر الإعلام المفتوح، ولم تعد الرواية الصهيونية بالنسبة إليه حقيقة مسلّماً بها، بل بات يرى في ممارسات الاحتلال والتمييز وانتهاك حقوق الفلسطينيين تناقضاً صارخاً مع الصورة التي طالما رُوّج لها عن  كيان الاحتلال بوصفه حليفاً ديمقراطياً. والأكثر خطورة بالنسبة إلى تل أبيب أن هذا الجيل لم يعد يشكك في سياسات حكومتها فقط، بل بدأ يضع التحالف الأميركي معها نفسه تحت المساءلة، كاشفاً عن تصدّع عميق في الأسس الأخلاقية والسياسية التي استند إليها لعقود.

 

الجيل الشاب يعيد تشكيل الموقف داخل الحزب الديمقراطي

 

يبرز التحوّل بصورة واضحة داخل الحزب الديمقراطي، حيث تتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة طبيعة العلاقة مع كيان الاحتلال، ووقف الدعم العسكري غير المشروط، وإعطاء الأولوية للقضايا الاجتماعية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة. فالأجيال الشابة من الديمقراطيين لم تعد تنظر إليه بالمنظور التقليدي الذي حكم مواقف القيادات السياسية السابقة، بل باتت تربط سياستها تجاهه بقضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ومناهضة الاحتلال. وفي هذا السياق، أصبحت المواقف المنتقدة لكيان الاحتلال عاملاً مؤثراً في المنافسات الانتخابية، بعدما بات بعض المرشحين يتعاملون بحذر مع التقارب مع جماعات الضغط المؤيدة لها، خشية أن يشكّل ذلك عبئاً انتخابياً، ولا سيما في الدوائر التي تضم أعداداً كبيرة من الشباب والناخبين التقدميين.

 

الشباب اليهود.. تراجع الارتباط التقليدي بكيان الاحتلال

 

لم تعد العلاقة مع كيان الاحتلال تمثل بالنسبة إلى قطاعات من الشباب اليهود الأميركيين معياراً ثابتاً للهوية والانتماء، إذ تتزايد الأصوات التي تفصل بين الانتماء اليهودي الديني والثقافي وبين تأييد السياسات الصهيونية. ويعكس هذا التوجه تحولاً في طبيعة النقاش داخل المؤسسات والجماعات اليهودية الأميركية، حيث باتت قضايا الفلسطينيين والاحتلال والحرب على غزة حاضرة في النقاشات المتعلقة بالمسؤولية الأخلاقية والعدالة وحقوق الإنسان. العلاقة التي كانت تُقدَّم طويلاً باعتبارها امتداداً طبيعياً للهوية اليهودية الأميركية باتت تخضع لنقاش أكثر تعقيداً، تتقدم فيه الاعتبارات الأخلاقية والسياسية على الولاءات التقليدية.

 

تراجع نفوذ جماعات الضغط وتبدّل الحسابات الانتخابية

 

من أبرز المؤشرات على هذا التغيير تراجع قدرة جماعات الضغط المؤيدة لكيان الاحتلال، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الصهيونية «آيباك»، على التأثير الحاسم في توجهات الناخبين والمشرّعين. فبعدما كان الحصول على دعم هذه الجماعات يُنظر إليه باعتباره ميزة انتخابية مهمة، بدأت بعض الشخصيات السياسية تتعامل معه بحذر، خشية أن يؤدي ارتباطها بها إلى خسارة أصوات الناخبين الرافضين للسياسات الصهيونية. ولا يعني ذلك اختفاء نفوذ هذه المؤسسات أو فقدانها قدرتها على التأثير في مراكز القرار، بل يشير إلى أن تأثيرها بات يواجه تحديات متزايدة، خصوصاً مع تنامي الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي. ويعكس ذلك تغيراً في الحسابات الانتخابية، إذ باتت مواقف المرشحين من الحروب والتدخلات الخارجية والقضايا الإنسانية عاملاً أكثر حضوراً في خيارات الناخبين.

 

الانقسامات داخل معسكر ترامب وحركة «ماغا»

 

لا يقتصر التحوّل في الموقف من كيان الاحتلال على الحزب الديمقراطي، بل يمتد أيضاً إلى القاعدة المحافظة داخل الحزب الجمهوري، ولا سيما أنصار حركة «ماغا» الذين يرفعون شعار «أميركا أولاً». فداخل هذا المعسكر، تتزايد الأصوات التي ترى أن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة المشكلات الأميركية الداخلية، بدلاً من الاستمرار في تقديم الدعم المالي والعسكري لحلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم كيان الاحتلال. وتكشف هذه المواقف عن تناقض داخل التيار المحافظ بين اتجاه تقليدي يعتبر دعم الكيان جزءاً من الالتزامات الاستراتيجية والأيديولوجية الأميركية، واتجاه يرفض الانخراط في صراعات خارجية لا تحقق مصلحة مباشرة للولايات المتحدة.

 

في المحصلة، لم يعد التحوّل في المزاج الأميركي تجاه كيان الاحتلال مجرد تبدّل عابر في المواقف من حرب الإبادة على غزة أو حكومة نتنياهو، بل بات يمسّ الأسس السياسية والأخلاقية التي قام عليها التحالف لعقود. فجيل أميركي جديد يعيد تعريف الاحتلال في الوعي العام، وينقلها من موقع الحليف الذي يحظى بإجماع شبه مطلق إلى موقع الدولة التي تخضع سياساتها للمساءلة والنقد. ومع تآكل الإجماع الأميركي العابر للحزبين، لم يعد الدعم لهذا الكيان المؤقت ضمانةً ثابتة، بل بات رهناً بتوازنات سياسية وانتخابية وأخلاقية متغيرة. ورغم عمق المصالح الاستراتيجية التي تحول دون القطيعة، فإن الخطر الأعمق الذي يواجهه يكمن في فقدان مكانته بوصفه مسلّمة في الوعي الأميركي، وتحول التحالف معه من علاقة تحكمها الثوابت إلى علاقة تفرضها الحسابات والشروط والمساءلة. فالتحدي الأبرز أمام كيان الاحتلال لا يقتصر على تراجع الدعم السياسي، بل يمتد إلى خسارة جيل لم يعد يرى في دعمه واجباً أو في التحالف معه أمراً غير قابل للمراجعة.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة