لا تبدو الاحتجاجات التي تتجدد في عدد من الدول الأوروبية مجرد موجة غضب شبابي عابرة، بل تكشف عن تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية تراكمت على مدى عقود، وأضعفت العلاقة بين المواطن والدولة، وعمّقت شعور الأجيال الجديدة بتراجع فرص الاستقرار وبناء المستقبل.
في فرنسا، عاد الشارع إلى التحرك، ولا سيما في باريس ومدن أخرى، مع تظاهرات وإضرابات شهدتها البلاد في 5 نوفمبر/تشرين الثاني، ودعوات إلى احتجاجات جديدة في السابع منه. وترافقت التعبئة مع إجراءات أمنية مشددة، فيما تمسك المحتجون بمطالب تتعلق بالأجور والقدرة الشرائية والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية.
ولم تقتصر التحركات على فرنسا؛ فقد شهدت أمستردام احتجاجات ضد مشروع مركز بيانات تابع لشركة مايكروسوفت، بسبب استهلاكه كميات كبيرة من الطاقة والمياه وما قد يترتب عليه من آثار بيئية. كما تتواصل التحركات النقابية في إيطاليا، بالتزامن مع الدعوة إلى إضراب عام في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، فيما تستعد إسبانيا لتحركات نقابية في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، على خلفية أزمة السكن وتكاليف المعيشة.
وتؤكد هذه التطورات أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في الأجور والأسعار، بل امتدت إلى قضايا البيئة والتكنولوجيا وتوزيع الموارد ومستقبل الخدمات العامة. وعلى اختلاف دوافعها، تلتقي هذه التحركات عند شعور متزايد بأن المؤسسات السياسية عاجزة عن الاستجابة لمشكلات المواطنين.
تآكل العقد الاجتماعي.. من ضمان الاستقرار إلى إدارة الأزمات
تعود جذور الأزمة إلى العقد الاجتماعي الذي تشكل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وقام على معادلة تربط النمو الاقتصادي بالحماية الاجتماعية، من خلال توفير التعليم والصحة والتقاعد والحقوق العمالية. وكان العمل وسيلة للاستقلال والارتقاء الاجتماعي، فيما مثّل التعليم طريقاً لتحسين فرص الأجيال الجديدة.
لكن هذه المعادلة بدأت تتراجع منذ سبعينيات القرن الماضي، وتسارعت التحولات خلال الثمانينيات مع توسع سياسات تحرير الأسواق والخصخصة وإعادة هيكلة الإنتاج، وما رافقها من ضغوط على النقابات والحماية العمالية. وزادت العولمة من الضغوط على المناطق الصناعية، مع انتقال وظائف ومصانع إلى أسواق أقل تكلفة.
وجاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وما تبعها من سياسات تقشف، لتعمّق التفاوت وتضعف الإنفاق الاجتماعي في عدد من الدول. ثم أضافت جائحة كورونا وأزمة الطاقة والتضخم ضغوطاً جديدة على الأسر، خصوصاً محدودة الدخل والشباب والعاملين في القطاعات الهشة. وهكذا لم تختفِ دولة الرفاه الأوروبية، لكنها باتت تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على التزاماتها الاجتماعية، وسط ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة على توفير خدمات عامة بالجودة المطلوبة.
أزمة السكن والاستقلال.. حين يصبح تكوين الحياة المستقرة أكثر صعوبة
أصبحت أزمة السكن من أبرز مظاهر تراجع الاستقرار الاجتماعي، إذ لم يعد امتلاك منزل أو استئجار مسكن مناسب خطوة طبيعية بعد الدراسة والعمل، بل تحدياً يواجه الشباب في مدن مثل باريس وميلانو ومدريد ولشبونة.
وقد ساهم ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، إلى جانب نقص المساكن الميسورة والمضاربات العقارية، في استنزاف دخول الأسر، ودفع كثيرين إلى تأجيل الاستقلال وتكوين العائلات. كما يجد الشباب أنفسهم أمام خيار السكن بعيداً عن مراكز العمل أو تخصيص جزء كبير من دخلهم للإيجار. ولا تقتصر آثار الأزمة على الجانب المادي، بل تعمّق التفاوت بين الأجيال، إذ بات امتلاك منزل يعتمد على الدعم العائلي والمدخرات، بقدر اعتماده على العمل والدخل.
التعليم والعمل.. تراجع الوعد بالحراك الاجتماعي
لطالما ارتبط النموذج الأوروبي بفكرة أن التعليم الجيد والعمل يتيحان للفرد تحسين وضعه الاجتماعي. لكن هذه العلاقة أصبحت أكثر تعقيداً مع ارتفاع تكاليف الدراسة والمعيشة، وصعوبة الانتقال من الشهادة الجامعية إلى وظيفة مستقرة ومجزية.
كما تغير سوق العمل بفعل العولمة والتكنولوجيا وانتشار الوظائف المؤقتة والمنصات الرقمية، ما أتاح فرصاً جديدة، لكنه زاد هشاشة العمل وضعف الضمانات المهنية لدى بعض الفئات.
وتبرز المفارقة في أن الاقتصادات الأوروبية تحتاج إلى عمالة مؤهلة لمواكبة التحول الرقمي، بينما يواجه كثير من الشباب صعوبة في الحصول على وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم وتضمن لهم الاستقرار. لذلك لم تعد المشكلة في البطالة وحدها، بل في نوعية العمل وقدرته على توفير حياة كريمة.
الفجوة بين الأجيال.. من اختلاف المصالح إلى اختلاف التوقعات
تتعمق الفجوة بين الأجيال مع شيخوخة السكان والضغوط المتزايدة على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، مقابل حاجة الشباب إلى استثمارات أكبر في التعليم والسكن والعمل. ويطرح ذلك تساؤلات حول عدالة توزيع الموارد والفرص بين الأجيال.
فبينما تمكنت شرائح من الأجيال السابقة من فرص أكبر لامتلاك المنازل والحصول على وظائف مستقرة، يواجه الشباب اليوم تكاليف مرتفعة ومسارات مهنية أقل ضماناً. وهكذا تتحول الفجوة الاقتصادية إلى أزمة ثقة وشعور بأن الأجيال الجديدة لا تحصل على الفرص التي حظيت بها الأجيال السابقة.
التهميش والتمييز.. الوجه الاجتماعي الآخر للغضب
لا تقتصر أسباب الاحتجاج على التفاوت الاقتصادي، بل تشمل أيضاً الشعور بالتهميش وضعف تكافؤ الفرص، خصوصاً في بعض الضواحي الفرنسية. إذ يواجه شبان مشكلات تتعلق بضعف الخدمات والبنية التحتية وصعوبة الوصول إلى التعليم والعمل، إلى جانب الإحساس بالتمييز والعزلة عن مراكز القرار.
وبذلك لا تصبح المطالب مقتصرة على تحسين الأجور والخدمات، بل تمتد إلى الاعتراف الاجتماعي والمساواة في الحقوق والفرص، وهي قضايا تزيد من عمق الاحتقان عندما لا تجد استجابة سياسية ملموسة.
الاحتجاجات الجديدة.. من المطالب المعيشية إلى الصراع حول مستقبل المجتمع
وتكشف الاحتجاجات ضد مراكز البيانات في هولندا عن امتداد الاعتراضات إلى آثار التحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي على البيئة والموارد المحلية، خصوصاً استهلاك الطاقة والمياه وتوزيع كلفة الاستثمارات الكبرى، فالمحتجون يطرحون أسئلة حول استهلاك الطاقة والمياه، ومن يستفيد من الاستثمارات الكبرى، ومن يتحمل كلفتها الاجتماعية والبيئية.
وعلى اختلاف أشكال الاحتجاج، من الإضرابات العمالية إلى الاعتراض على المشروعات التكنولوجية، تتقاطع المطالب عند الدعوة إلى عدالة أكبر في توزيع الموارد والمشاركة في تحديد الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
تراجع الثقة.. أزمة تمثيل ومشاركة سياسية
ويتجلى البعد السياسي للأزمة في تحول الضغوط المعيشية إلى أزمة ثقة تهز العلاقة بين الشارع ومؤسسات الحكم. فعندما تتكرر الأزمات من دون حلول، وتتسع الفجوة بين وعود الحكومات وواقع المواطنين، يتراجع الاعتقاد بقدرة المؤسسات على تمثيل مصالح الناس والاستجابة لمطالبهم.
وفي فرنسا، لم تعد المطالب محصورة في الأجور والقدرة الشرائية، بل امتدت إلى تمويل التعليم ومستقبل الخدمات العامة والعدالة الاجتماعية. كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل التنظيم وحشد التأييد ونقل الاحتجاجات عبر الحدود.
ويثير ذلك تساؤلات حول قدرة الأحزاب التقليدية والنقابات على استيعاب مطالب الشباب وتحويلها إلى سياسات ملموسة. ومع غياب قنوات سياسية قادرة على الاستجابة لهذه المطالب، تتحول الشوارع والمنصات الرقمية إلى مساحات بديلة للتعبير والضغط.
ختاماً، وتضع هذه التحولات الحكومات الأوروبية أمام اختبار يتجاوز احتواء الاحتجاجات، إلى معالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية، وتجديد السياسات العامة بما يعيد الثقة ويمنح الأجيال الجديدة فرصاً أكثر عدالة للاستقرار والعمل.