وخلال الأربعين يوماً الماضية، كشفت موجة الهجمات التي شنّها العدو الصهيو-أمريكي ضدّ البنى التحتية في بلادنا عن صفحة جديدة من جرائمهم، وعن فصل آخر من مواجهة جبهة الاستكبار لمسار التقدّم والتطوّر التكنولوجي في إيران. وفي سياق هذه الاعتداءات، تعرّض «معهد أبحاث الفضاء» -بوصفه أحد رموز التطور العلمي في البلاد- للاستهداف بعدة صواريخ أدّت إلى تدمير مبناه. إلا أن خلف غبار الانفجارات وانهيار هيكلٍ خرساني، تبرز حقيقة استراتيجية واضحة: إنّ الصناعة الفضائية الإيرانية لا تتوقف ولا تتباطأ بمجرد إصابة مبنى بصاروخ؛ وهو ما سنناقش أسبابه ودلالاته.
*نهج الشهيد عباسي؛ صناعة موزّعة في العقول
ولفهم سبب محدودية تأثير هذه الضربة في مجمل الصناعة الفضائية للبلاد، لابدّ من الإشارة إلى أصلٍ جوهري في البنية العلمية لإيران. ففي خضمّ الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً في يونيو الماضي، والتي أدّت لاستشهاد العالم النووي البارز فريدون عباسي، قال في أحد آخر لقاءاته الإعلامية، رداً على سؤال: «ماذا سيحدث لو قصف الكيان الصهيوني المنشآت النووية الإيرانية؟». فأجاب بصراحة: «لن يحدث شيء؛ لأن الصناعة النووية الإيرانية موزّعة في عقول العلماء الإيرانيين، ولا يمكن القضاء عليها بالاغتيال الجسدي أو بتدمير المباني والمنشآت».
اليوم، ينطبق هذا النهج بدقة على الصناعة الفضائية الإيرانية أيضاً. فمن حسن الحظ أن الهجوم الذي استهدف «معهد أبحاث الفضاء» لم يسفر ـ بفضل التدابير المتخذة ـ عن أي خسائر بشرية بين العلماء والخبراء والمهندسين العاملين في قطاع الفضاء. أما العدو فلم يتمكّن سوى من تدمير «مبنى إداري وتجريبي»، في حين يظلّ رأس المال البشري والمعرفة المحلية التي ابتكرت هذه المنظومات في أعلى درجات الجاهزية والاستعداد.
*فلسفة معهد أبحاث الفضاء وسرّ غضب العدو
ولفهم سبب توجيه العدو سهام هجماته نحو «معهد أبحاث الفضاء»، لابدّ من العودة إلى المسار الذي قطعه هذا الصرح العلمي. فقد بقيت الصناعة الفضائية في إيران سنوات طويلة في مرحلة «البحث والتطوير» (R&D)، غير أنّ معالم هذه الصناعة تغيّرت خلال الأعوام الأخيرة.
وبحسب المعطيات والتقييمات الفنية، تمكّن معهد أبحاث الفضاء من استكمال دورة «اكتساب التكنولوجيا الفضائية»، والانتقال من مرحلة البحث النظري البحت إلى مرحلة «التطبيق العملي وتقديم الخدمات المعتمدة على الفضاء». فالعدو لا يُبدي حساسية كبيرة تجاه الأبحاث الجامعية والمقالات العلمية؛ لكن عندما تتحول هذه المعرفة إلى «عين مبصرة» في الفضاء، وتتحرك البلاد نحو إنشاء منظومات من الأقمار الصناعية وبسط قدرات رصد معلوماتي على الكرة الأرضية، عندها يدق جرس الإنذار لديهم.
وفي الواقع، تكشف قراءة سلوك العدو بمنهج الهندسة العكسية أن استهداف هذا المركز جاء تحديداً لأن المسار الذي كان يسلكه علماؤنا هو المسار الصحيح. فانتقال الأقمار الصناعية من كونها منتجات مخبرية إلى منظومات تطبيقية وعملياتية بثقة واقتدار.
*شبكة بحجم إيران؛ لماذا لا تتوقف الصناعة الفضائية؟
وعلى الرغم من أن تدمير بعض البنى التجريبية وفقدان جزء من التجهيزات داخل مبنى المعهد يُعد خسارة مادية، فإن بنية صناعة الأقمار الصناعية في إيران تقوم أساساً على نموذج موزّع ومترابط شبكياً.
فاليوم، لا تُصنَّع الأنظمة الفرعية للقمر الصناعي داخل غرفة واحدة أو مبنى واحد. إذ تُطوَّر الألواح الشمسية والبطاريات الفضائية وعجلات رد الفعل (Reaction Wheels) واللوحات الإلكترونية وأنواع متعددة من المجسّات، كلٌّ منها عبر شبكة من الشركات المعرفية والباحثين المنتشرين في مختلف مناطق البلاد.
وفي هذا السياق، فإن تدمير معهد أبحاث الفضاء قد يتسبب فقط في تأخير قصير ومحدود في مرحلة اختبار بعض الأنظمة الفرعية للأقمار الصناعية وتجميعها النهائي، وهو تأخير يمكن تعويضه سريعاً عبر المختبرات البديلة والتكامل بين مختلف الجهات المعنية.
وإلى جانب ذلك، فإن عملية تطوير منصات الإطلاق الفضائية الوطنية مستمرة بقوة، ولن تُلحق هذه العملية العسكرية العمياء والرمزية أدنى ضرر ببرنامج الإطلاقات الفضائية المقبلة.
*الخطوة التالية
لقد انهار مبنى معهد الأبحاث الفضائية المؤلف من ثمانية طوابق؛ لكن هذا الركام ليس سوى تراب وإسمنت. وعلى العدو أن يدرك أن التكنولوجيا الفضائية الإيرانية قد انفصلت منذ زمن عن الأرض ودخلت مدار التطوير والتقدم.
أمّا المباني فستُعاد بناؤها، وبشكل أقوى وأكثر متانة، بينما المعرفة الراسخة في عقول وإرادة الشباب الإيراني لا يمكن استهدافها أو تدميرها بأي صاروخ. إن الصناعة الفضائية الإيرانية ستواصل مسيرها بقوة وصلابة أكبر.