ورغم محاولات بعض الأطراف تبرير هذا الهجوم بادّعاءات من قبيل وجود شخصيات عسكرية داخل المركز أو تغيّر طبيعة استخدام المبنى، فإن الهوية العلمية والبحثية لهذا المركز تُعدّ واضحة لجميع أجيال جامعة شريف.
ويكشف استعراض مسار نشوء البنى التحتية للذكاء الاصطناعي في البلاد، وإعادة قراءة مراحل تقدّم «المنصّة الوطنية للذكاء الاصطناعي» منذ عام 2024، عن أبعاد جديدة تُبرز الأهمية العلمية والاستراتيجية للمركز الذي تعرّض للتدمير.
الخطوات الأولى.. وإزاحة الستار عن رؤية وطنية
اتُّخذت الخطوات الأولى لإنشاء «مزرعة معالجات الرسوميات» (GPU FARM) والمنصّة الوطنية للذكاء الاصطناعي في خريف 2024، حيث انطلقت هذه المبادرة الكبرى بتمويل ودعم من معاونية الشؤون العلمية في رئاسة الجمهورية ومركز أبحاث العلوم والتقنيات المعرفية، وبمشاركة مجموعة من الأساتذة والطلاب والخريجين بقيادة جامعة شريف الصناعية.
وجاء أول إعلان رسمي عن هذا المشروع في خريف 2024 خلال معرض إنجازات القطاع الخاص المسمّى «روّاد التقدّم»، الذي أقيم بحضور القائد الشهيد سماحة آيةالله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) في حسينية الإمام الخميني(رض). وفي هذا الحدث، قام الدكتور حسين أسدي، عضو هيئة التدريس في مجموعة الذكاء الاصطناعي بكلية هندسة الكمبيوتر ومدير المشروع، إلى جانب الدكتور حسين أفشين، مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية، بالكشف عن بدء عمل الفريق المؤلَّف من 80 شخصاً، وهو رقم ارتفع لاحقاً ليتجاوز 100 فرد.
ولادة النسخة الأولية (MVP)
تسارعت وتيرة التطوير حتى تمّ في شتاء 2024 الكشف عن الحدّ الأدنى من المنتج القابل للتطبيق (MVP) للمشروع. وقد تمّ تطوير هذه النسخة بالتعاون مع 16 عضواً من هيئة التدريس وأكثر من 70 باحثاً، واشتملت على ميزات بارزة، منها: البنية التحتية التفاعلية والمفتوحة، القابلية للتوسّع (Scalability)، إمكانية مراقبة نماذج الذكاء الاصطناعي في الوقت الفعلي (Real-time monitoring)، التوافق مع البنية التحتية السحابية، وتنفيذ منصّة عمليات الذكاء الاصطناعي (AIOps).
ووفقاً لمديري المشروع، فإن الإطلاق الكامل لهذه المنصّة يمكن أن يمهّد الطريق لإنشاء ما لا يقل عن ألف إلى ألفي شركة ناشئة جديدة، وخلق سوق تُقدّر قيمته بأكثر من 40 ألف مليار تومان. كما تُعدّ محليّة المنصّة إحدى مزاياها الأساسية، إذ تضمن استمرارية الخدمات حتى في حال انقطاع شبكة الإنترنت الدولية.
تطوير البُنى التحتية والجدول الزمني للمشروع
بدأت عمليات تجميع وإعداد مزرعة معالجات الرسوميات (GPU) في جامعة شريف منذ شهر أبريل عام 2025 من العام الماضي. ووفقاً للدكتور حسين أسدي، فقد استُكملت البُنى التحتية للمرحلة الأولى من هذه المنصّة في شهر يوليو من العام نفسه، وذلك بمشاركة ثلاث عشرة شركة معرفية رائدة، قبل أن تُسلَّم إلى فرق التطوير.
ومنذ شهر أغسطس، بدأ تقديم خدمات محدودة للشركات الشريكة، بهدف الحصول على الملاحظات والتغذية الراجعة، بما يسهم في تسهيل عملية التحسين التدريجي وإطلاق خدمات نموذجية بصورة دورية كل ثلاثة إلى أربعة أسابيع.
ووفقاً للخطط الموضوعة، كان من المقرّر الكشف عن النسخة التجريبية العامة (Beta) بحلول شهر نوفمبر، لتُصبح المنصّة متاحةً للاستخدام العام.
أهمية بناء المنصّات
في أحد الاجتماعات المتخصّصة في يونيو 2025، قدّم الدكتور حميدرضا ربيعي، أستاذ جامعة شريف الصناعية والمدير التنفيذي لهذا المشروع الوطني، توضيحات مهمة حول تفاصيله. وأوضح: أن إجمالي التكلفة المتوقعة لتطوير نسخ الـMVP والألفا والبيتا من هذه المنصّة، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2024 حتى إسفند فبراير 2026، يبلغ نحو 8/29 مليار تومان، مشيراً إلى أن شهر فبراير يُعدّ نقطة استقرار المشروع.
وشدّد ربيعي على أن بناء المنصّات يُعدّ ضرورة حتمية، مضيفاً: منذ عام 2000 وحتى اليوم، تزامن نمو المنصّات مع توسّع الاقتصاد الرقمي، والدول التي لا تمتلك منصّات خاصة بها تبقى مجرّد مستهلكة.
كما أرجع إسناد تنفيذ هذا المشروع إلى جامعة شريف الصناعية إلى مكانتها العلمية المرموقة، إذ تحظى كلية هندسة الكمبيوتر فيها بالمرتبة الأولى وفقاً لأنظمة التصنيف العالمية، إضافة إلى الخبرة البحثية الممتدّة لـ24 عاماً في مركز أبحاث العلوم المعرفية.
نهوضٌ جديدٌ من قلب التحدّيات
على الرغم من أنّ الهجوم أدّى، في ظاهره، إلى توقّفٍ غير مرغوبٍ فيه في مسار التطوير السريع للذكاء الاصطناعي والاندفاع المتزايد للاقتصاد الرقمي في البلاد، فإن هذا الحدث أظهر بوضوح أن شجرة المعرفة المحلية في إيران تمتلك جذوراً أعمق بكثير من البُنى التحتية المادية، وأنّ مسار التقدّم العلمي لا يمكن إيقافه.
فخلال هذه الواقعة، ورغم تضرّر مركز البيانات الرئيسي، ومركز المعالجة السريعة (HPC)، والتجهيزات المادية، بقي رأس المال الحقيقي والفريد لهذا المشروع الوطني الكبير ــ أي المعرفة والخبرة وإرادة الباحثين والطلاب والشركات المعرفية ــ سليماً وحيوياً بالكامل.
وقد سُجّل هذا الحدث في الذاكرة التاريخية للمجتمع العلمي في إيران، لا كنقطة نهاية، بل كرمز لأهمية هذه الإنجازات، وحافز لإعادة البناء بقوّة أكبر، وبداية لنهوض جديد وأكثر ازدهاراً في مسار التقدّم العلمي للبلاد.