في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الدعاية، وتتصارع فيه الروايات على وقع انفجار القنابل، تبرز عدسة الكاميرا كسلاح ناعم لا يقل فتكاً عن الصاروخ. فن التصوير لم يعد مجرد توثيق للأحداث، بل تحول إلى معركة وجودية لمواجهة تحريف الحقيقة، وخلق روايات أصيلة للمقاومة، وبث الأمل في النفوس.
في الحرب المفروضة الثالثة، وقف المصورون الإيرانيون في الصفوف الأولى، ليسوا جنوداً يحملون بنادق، بل دعاة حق يلتقطون بأنفاسهم قبل أن يلتقطوا الصور، ليخلدوا لحظات لا تُنسى من تضحية وصمود.
هذا التقرير يستعرض دور التصوير الفوتوغرافي كفن وأداة توثيق في حرب رمضان، من خلال تجارب مصورين خاضوا غمار المعركة، وأطر مسابقات تهدف إلى تسجيل هذه الملحمة للأجيال.
مسابقات وطنية لتسجيل ثقافة التضحية
في إطار الحفاظ على الذاكرة الجماعية، نظمت مؤسسة الشهداء، بالتعاون مع مؤسسات أخرى، حملة وطنية للتصوير الفوتوغرافي تحت عنوان «حرب رمضان»، مستلهمة من كلام قائد الأمّة: «لن يُسجل أي فكر في التاريخ إلا إذا امتزج بالفن». تهدف الحملة إلى تسجيل ثقافة التضحية والشهادة.
تتعدد المحاور لتشمل: تشييع الشهداء، تضحيات القوات المسلحة، مقاومة النساء ومظلومية الأطفال، تخفيف الآلام، إحياء ذكرى الإمام الشهيد، البيعة مع قائد الثورة الإسلامية، وتوثيق جرائم العدو. كما خُصص جزء لـتماسك الأسرة المسلمة في ظروف الأزمات.
في مسابقة موازية، أعلن أمير عباس صادقي عن تنظيم رواية حرب رمضان في ٧ محاور: الإغاثة، القوات المسلحة، الجهاد، الإعلام، العواطف، الطفل والأسرة، والأمل.
الصورة التي أصبحت نموذجاً لإيران
في يوم القدس العالمي، سجّل المصور يوسف مذنب ملحمة متكاملة بكاميراه. بدأت برفع شخص لعلم شهيدة مسيرة يوم القدس العالمي الملطخ بالدماء، حيث أخذها شخص وذهب إلى أعلى سيارة، ثم انضمت إليه سيدة، ثم مسؤول عسكري.
يقول مذنب: لدي السلسلة الكاملة للحظات التي تشكلت تدريجياً لتنتج تلك الصورة الشهيرة. يصف مذنب المشهد بأنه نموذج لإيران، حيث تلاحم العلم والشعب والجيش في مشهد مهيب، قدم في العديد من التفسيرات وأصبح أيقونة المقاومة.
صور حقيقية في قلب الحدث
في قلب المأساة، المصور الوثائقي حميد وكيلي، قام بتصوير مشاهد خالدة، وقال: في اليوم الخامس من الحرب، هز انفجار عنيف المكان، تطاير الزجاج، واهتزت الأرض تحت الأقدام.
صعدت إلى السطح وشهدت أن العدوان الصهيو -أمريكي استهدف ساحة فردوسي بطهران، وتم القصف مرّة أخرى، حيث تطايرت لمسافة أمتار، لكن كاميرتي ظلت تصور. عندما فتحت عيني، كانت الحجارة تتساقط من السماء.
هذه الصور الحقيقية، التي وثقت جرائم العدوان الصهيو -أمريكي، قوبلت باتهامات غربية بأنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، وهي محاولة يائسة لطمس الحقيقة.
يقول وكيلي: الحديث عن ميناب صعب جداً. قوات الإغاثة أخبرتني أن المعلمين، بعد الانفجار الأول، جمعوا الأطفال تحت الردهة واحتضنوهم، لدرجة أن لم يبق من جثث المعلمين شيء. تلك الصور ليست مجرد لقطات، بل وصايا مكتوبة بالدم.
أنوثة تواجه الألم
في الجانب الآخر من المعادلة، تروي المصورة زهراء فراست تجربة مختلفة: سمحت لي الكاميرا بمواجهة أحزان الناس بدل الجلوس في المنزل.
كانت معركتها الأكبر مع عواطفها كامرأة، تقول: أحياناً كنت أفضل وضع الكاميرا جانباً، احتضان امرأة تبكي وتقديم العزاء لها. كنت أعود خالية اليدين من الصور، لكن ممتلئة بالقصص. كنت أفضل «أن أكون إنساناً» على «أن أكون مصوّرة».
ترى فراست أن الحرب ألغت الحدود بين الصورة الخبرية والوثائقية. “حتى صاروخ يصيب مبنى يصبح أرشيفاً خالداً”. لكنها تؤكد أن عمق المعاناة البشرية لا يمكن اختزاله في إطار صورة، وأن ما تراه العين أقسى بكثير مما تلتقطه العدسة.
الحارس الأمين للحقيقة
بهذه الكاميرات، يسجل المصورون الإيرانيون ملحمة لا تُنسى. بين من وثق المأساة ومن صور لحظات الفخر، يستمر الفن في أداء رسالته الأبدية: كشف الحقيقة.
حميد وكيلي رد على أكاذيب وسائل الإعلام الغربية، وزهراء فراست علّمتنا أن القوة ليست في التصوير فقط، بل في اختيار اللحظة المناسبة للحضانة. ويوسف مذنب أظهر أن الصورة الواحدة قد تختصر أمة بأكملها.
في زمن يتسابق فيه الذكاء الاصطناعي على تزييف الواقع، تبقى عدسات هؤلاء المصورين هي الحارس الأمين للحقيقة في وجه آلة الدعاية العالمية. رحم الله الشهداء، وحفظ الله المقاومة.