مذكّرة تفاهم إسلام آباد؛ ثمرة الإقتدار الميداني والدبلوماسية الذكيّة

تمّت المصادقة على مذكرة تفاهم إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة في ظروف لم يتحقق فيها، خلافاً للرغبات الأولية لواشنطن، سيناريو «استسلام طهران بلا قيد أو شرط» فحسب، بل جرى أيضاً تنظيم إطار المفاوضات المستقبلية على أساس الوقائع الجديدة التي تشكّلت بعد الحرب.

لا يمكن، ولا ينبغي، النظر إلى تفاهم إسلام آباد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية باعتباره مجرد نص فني أو إطار قانوني لمواصلة المفاوضات في المستقبل القريب. فالأهمية الأساسية لــ«مذكرة التفاهم» تكمن في الرسالة السياسية والأمنية والاستراتيجية التي تحملها؛ وهي رسالة أثّرت، أكثر من أي بند أو مادة، في المعادلات الإقليمية والدولية بعد الحرب، وقدّمت صورة جديدة عن توازن القوى في منطقة غرب آسيا.

 

 

وقد تمّت المصادقة على هذا التفاهم بعد أسابيع من المفاوضات غير المباشرة بوساطة باكستان، وفي ظروف أقرّه فيها طرفا نزاع عسكري مباشر، بينما كانت واشنطن قد حاولت خلال الأشهر الماضية، عبر الاستفادة المتزامنة من الضغط العسكري والعمليات النفسية وصناعة الأجواء الإعلامية، أن تدفع طهران إلى قبول شروط قريبة مما كان دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، يصفه في الأيام الأولى من الحرب بـ«الاستسلام بلا قيد أو شرط».

 

 

إلا أن مسار التطورات الميدانية، ومقاومة القوات المسلحة الإيرانية، وكذلك التلاحم والانسجام الاجتماعي داخل البلاد، أوجدت ظروفاً مختلفة. وكانت نتيجة هذا الوضع أن وفد التفاوض الإيراني تمكّن، مستنداً إلى قوة تشكّلت في الميدان، من الصمود في وجه المطالب القصوى الأميركية، ومنع تحقق الأهداف الأولية لواشنطن.

 

 

فشل سياسة الضغط الأقصى؛ أهم إنجاز لمذكرة تفاهم إسلام آباد

 

 

رغم أن نص تفاهم إسلام آباد يتضمن مجموعة من الإلتزامات والآليات والمراحل التنفيذية لمواصلة مسار المفاوضات، فإن أهم إنجاز له ينبغي البحث عنه في مستوى يتجاوز البنود الفنية. ففي الواقع، ما يكتسب أهمية أكبر بالنسبة إلى طهران هو تثبيت هذه المقولة السياسية: إن الولايات المتحدة، بعد أشهر من الضغط والاشتباك، اضطرت إلى التخلّي عن جزء من مطالبها الأولية والرضوخ لإطار يبتعد مسافة ملحوظة عن الأهداف المعلنة في بداية الحرب. وهو إطار تستند أرضيته وأساسه، في الحقيقة، إلى المقترحات الأربعة عشر التي قدّمتها إيران عند قبول وقف إطلاق النار.

 

 

إنّ تفاهم إسلام آباد، قبل أن يكون اتفاقاً قانونياً، هو وثيقة سياسية بشأن نتيجة المواجهة الأخيرة. ولهذا السبب، فإن قيمته الاستراتيجية كامنة في «صورة فشل سياسة الضغط الأقصى»؛ وهي صورة يمكن أن تتحول في المستقبل إلى عامل ردع في مواجهة تكرار مثل هذه السيناريوهات.

 

 

القوّة الضمانة الأساسية لتنفيذ الاتفاق

 

 

من النقاط اللافتة في تقييم تفاهم إسلام آباد أن الضمانة الأساسية لتنفيذه لا تنحصر فقط وفقط في البنود القانونية والآليات الواردة في النص.

 

 

فتجربة السنوات الماضية وسجل الخلاف بين إيران والولايات المتحدة أظهرا أن الاتفاقات تكتسب قابلية التنفيذ عندما تحظى بسند من القوة. وفي ساحة مليئة بهذا القدر من التعقيد والتقلبات، فإن ما يجعل تنفيذ الالتزامات ممكناً ليس نص التفاهم وحده، بل توازن القوة الذي تشكّل بعد الحرب، ودفع الطرف المقابل إلى قبول التزامات محددة.

 

 

ولهذا السبب أيضاً يؤكد مسؤولو البلاد أن جزءاً من المكاسب المتوقعة في المراحل اللاحقة من المفاوضات لم يصبح قطعياً بعد، وأن مواصلة الطريق تتطلب الحفاظ على الانسجام بين الدبلوماسية والقدرة الدفاعية والدعم الشعبي. وفي الوقت نفسه، صيغ نص التفاهم على نحو ذكي يحافظ أيضاً على الجاهزية اللازمة لأي سيناريو محتمل لفشل المفاوضات والعودة إلى الميدان العسكري.

 

 

الخطوط الحمراء؛ خروج الملف الصاروخي من جدول الأعمال

 

 

يرتبط أحد أهم أبعاد تفاهم إسلام آباد بموضوع القدرة الدفاعية الإيرانية. فوفقاً للإطار المتفق عليه، لن تستمر المفاوضات المقبلة إلا في المجالات الواردة في نص التفاهم. ومن وجهة نظر طهران، يعني هذا أن البرامج الصاروخية والطائرات المسيّرة في البلاد لن تدخل جدول أعمال المفاوضات.

 

 

وتتضح أهمية هذه المسألة أكثر عندما نعلم أن المقترحات الأولية المقدمة من جانب الولايات المتحدة كانت قد طرحت قيوداً تتعلق بعدد الصواريخ الإيرانية ومداها؛ وهو موضوع عارضته طهران، وفي النهاية جرى استبعاد هذه البنود من مسار المفاوضات.

 

 

وبناءً على ذلك، ترى إيران أن أحد الإنجازات المهمة لتفاهم إسلام آباد هو تثبيت هذا المبدأ: إن القدرة الدفاعية للبلاد، بوصفها عنصراً رادعاً، بقيت خارج إطار المفاوضات.

 

 

الحفاظ على مكانة محور المقاومة

 

 

يرتبط البُعد الآخر من أهمية تفاهم إسلام آباد بالتطورات الإقليمية. ففي نص التفاهم، لم تُدرج الأنشطة الإقليمية الإيرانية ودعم فصائل المقاومة ضمن موضوع الإلتزامات الجديدة، وخلافاً لبعض المقترحات الأميركية الأولية، لم يُدرج في الاتفاق أي بند بشأن قطع هذه العلاقات أو تقييدها.

 

 

كما أن التأكيد على وقف الحرب والعمليات العسكرية ضدّ الفاعلين الإقليميين يعني، من وجهة نظر طهران، قبول الوقائع الميدانية والسياسية الجديدة في المنطقة؛ وهي وقائع ترسّخ موقع محور المقاومة في معادلات غرب آسيا المقبلة.

 

 

 لماذا تُعدّ الهوامش السياسية للاتفاق أهمّ من نصّه؟

 

 

لعل أهم سبب لأهمية تفاهم إسلام آباد بالنسبة إلى إيران هو أن تداعياته السياسية تتجاوز البنود الفنية للنص. فعلى الصعيد الفني، لا يشكل التفاهم سوى إطار لمواصلة المفاوضات والتحرك نحو اتفاق أشمل، ولا تزال كثير من القضايا المهمة ستُبحث في المراحل اللاحقة.

 

 

وفي الوقت نفسه، يحمل هذا التفاهم على الصعيد السياسي رسائل واضحة عدة: إخفاق استراتيجية الضغط الأقصى، الحفاظ على الخطوط الحمراء الدفاعية لإيران، استمرار الدور الإقليمي لطهران، وقبول الحوار على أساس الوقائع الجديدة التي تشكّلت بعد الحرب.

 

 

وبالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن القيمة الأساسية لتفاهم إسلام آباد، إلى جانب الدقة القصوى في صياغته ومواءمته مع المصالح الوطنية، تكمن أكثر في الصورة التي يقدمها عن توازن القوة الجديد؛ وهي صورة تمثل نتيجة التآزر بين الميدان والدبلوماسية والانسجام الوطني، ويمكن أن تشكل أساس المرحلة المقبلة من التفاعلات والمفاوضات.

 

 

 

المصدر: الوفاق