تصريحات “قاليباف” هذه جاءت في كلمة له اليوم الأربعاء، القاها امام أعمال المؤتمر العشرين لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، المنعقد في مدينة باكو عاصمة جمهورية أذربيجان.
واستهل رئيس مجلس الشورى الاسلامي كلمته هذه، بتوجيه الشكر إلى الشعب الأذربيجاني ورئيس المجلس الوطني وأمانة اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، مثمنا حسن الاستضافة وتوفير مناخ الحوار البناء بين الممثلين المسلمين في هذا المؤتمر.
ثمّ تقدّم “قاليباف” بأحر التعازي إلى شعبي إيران وأذربيجان، وإلى جميع الأحرار في العالم، بمناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع)، مؤكدا أن شهر محرم الحرام يعلّمنا أن العزة والكرامة لا تنالان بالاستسلام، وأن الدم ينتصر على السيف، معربا عن أمله في أن يخرج حوارهم اليوم،من خلال التمسك بالنهج النوراني للإمام الحسين (عليه السلام)، بما يعود بالخير على الأمة الإسلامية جمعاء.
وأردف رئيس البرلمان الايراني مشيرا الى “ان انعقاد الدورة العشرون لاتحاد الدول البرلمانية الإسلامية تأتي في ظل ظروف استثنائية، بعد أن خاضت إيران تجربة عدوان عنيف تمثل في حرب أربعين يوما شنتها أمريكا والكيان الصهيوني، واصفا إياها بالعمل الإجرامي الذي أدى إلى استشهاد قائد الثورة الاسلامية وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، إلى جانب ارتقاء أكثر من ثلاثة آلاف شهيد معظمهم من النساء والأطفال، وإصابة أكثر من ثلاثين ألفا، واستهداف واسع للبنى التحتية في مختلف القطاعات الحيوية والخدمية.
مقاومة الشعب الايراني وصموده الاسطوري اجبر العدو على الاستسلام في ميادين القتال والتفاوض
وشدّد “قاليباف” على أن “المقاومة الباسلة للقوات المسلحة، والصمود الأسطوري للشعب في الشوارع، فرضا على أمريكا والكيان الصهيوني الغاصب تكاليف باهظة. وهذه المقاومة التي انبثقت من الإيمان، كانت العامل في إحباط العدو عن تحقيق أهدافه، وإجباره على الاستسلام في ميادين القتال والتفاوض”.
وأوضح رئيس المجلس أن “هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت محاولة منظمة لتغيير التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، وفرض الإرادة على شعب حر. وقد تصوّر مخططو هذا العدوان أنهم يستطيعون، من خلال الضغط العسكري والحصار والحرب النفسية والعمليات الإرهابية، إجبار الشعب الإيراني على التراجع، وإعادة كتابة معادلات المنطقة لصالحهم”.
وأكد قاليباف أن “ما حدث كان على نقيض تام مع حسابات مخططي الحرب. فلقد أثبت الشعب الإيراني أن عصر فرض الإرادة على الشعوب المستقلة قد ولىّ، وقد رأيتم كيف أشاد العالم بهذا الصمود وهذا الانتصار”.
وتابع: هذه الحرب، وإن فرضت تكاليف باهظة على شعبنا، إلا أنها كشفت حقيقة أساسية، وهي أن مقاومة الشعب وصموده، بصفته القوة الحقيقية، تعمل على إرباك حسابات المعتدين في أشد الظروف قسوة. فالسلام المستدام ليس نتاج استسلام أو ضغط أو ذلّ، بل هو نتاج الاقتدار والعزّة والاحترام.
انتصار ايران هو رسالة ايمانية للامة الاسلامية
ولفت رئيس مجلس الشورى الاسلامي في كلمته الى ان “انتصار الشعب الإيراني يحمل رسالة مهمة إلى مسلمي العالم، وهي أن الحفاظ على الاستقلال والعزة الوطنية مرهون بالإيمان بتعاليم الإسلام الإنسانية. فالقرآن يعلّمنا ألا نظلم ولا نُظلم، ويأمرنا بأن نكون في أقصى درجات القوة، وألا نتّكل على الكافرين، وأن نتمسّك بحبل الله ولا نتفرّق، ويخبرنا أن فئة قليلة بإذن الله قد تنتصر على أعداء كثر، ويضمن لنا النصر إن آمنا بالله إيمانا حقيقيا. وقد طبّق الشعب الإيراني المسلم هذه الأوامر الإلهية بعمله المؤمن”.
ومضى في القول مؤكدا على ان “الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم ما عانته من آلام وخسائر في الحرب العدوانية الأخيرة، تُصرّ على قاعدة أساسية، وهي: تفضيل المنطق على القوة، وتفضيل المقاومة على الاستسلام”.
الدبلوماسية الفعالية تقوم على احترام سيادة الدول ودعم الشعوب
وأضاف قاليباف: لقد أثبتت التجارب أن الدبلوماسية لا تكون مستدامة وفعّالة إلا عندما تقوم على الاحترام والمساواة والاعتراف بسيادة الدول، وتستند إلى دعم الشعوب. وتفاهم إسلام آباد لم يكن نتاج ضغط أو إكراه، بل ثمرة المقاومة واقتدار الشعب الإيراني الباسل؛ إنه تفاهم أثبت أن الحوار لا يثمر إلا حين يتخلى الطرف المقابل عن فرض إرادته على شعب متحضر، ويعترف بحقوقنا. ولهذا السبب، تحوّلت مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد إلى إعلان هزيمة أمريكا.
واستطرد موضحا ان “الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترحب بسلام يقوم على حقوق الشعوب والاحترام المتبادل والالتزامات المتوازنة والمصالح المشروعة. ومن هذا المنطلق، نؤمن بأن الدفاع المقتدر والتماسك الوطني والدبلوماسية الرشيدة هي عناصر متكاملة، وأن تكاملها الذكي يضمن الأمن والاستقرار. والأولى أن تكون شعوب وحكومات المنطقة هي من تقرّر مصيرها، لا أن يتخذ الآخرون القرارات نيابة عنها انطلاقا من مصالحهم الأنانية”.
أمن المنطقة يجب أن تضمنه دول المنطقة نفسها
وأكد “قاليباف” على ان “سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم على هذه المبادئ الأساسية: أن أمن المنطقة يجب أن تضمنه دول المنطقة نفسها؛ فلا دولة في المنطقة ستجد أمنها في انعدام أمن الآخرين. كما يجب أن يكون الاقتصاد والتنمية في المنطقة لصالح جميع شعوبها. وينبغي تسخير الطاقات الهائلة والمتنوعة للعالم الإسلامي، من موارد الطاقة وممرات النقل إلى رأس المال البشري والعلمي، في مسار التنمية المستدامة وازدهار الدول الاسلامية وشعوبها”.
ايران ترى مستقبل المنطقة في التفاعل لا في التصادم
وعن مستقبل المنطقة اعتبر رئيس مجلس الشورى الاسلامي ان “ايران ترى مستقبل المنطقة لا في التصادم، بل في التفاعل؛ لا في الإقصاء، بل في التعايش؛ لا في الأمن المستورد، بل في الأمن الذاتي المشترك”.
وتابع: في هذا الإطار، تعلن الجمهورية الإسلامية الإيرانية استعدادها لتوسيع تعاونها مع جميع الدول الإسلامية، على أساس مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار والمصالح المشتركة. وتؤكد إيران دعمها الكامل لأي مبادرة عملية تهدف إلى تشكيل آليات مشتركة اقتصادية وتجارية ومالية وعلمية وأمنية جماعية.
واكمل قاليباف: إننا في أشد الظروف تعقيدا لم نتخل عن أصدقائنا وشركائنا الاستراتيجيين. فبالنسبة لنا، كان وقف إطلاق النار في لبنان بنفس أهمية وقف إطلاق النار في إيران، وما زال إنهاء الحرب في لبنان بنفس أهمية إنهاء الحرب في إيران. ونؤمن بأن الاستقرار والاقتدار في أي بقعة من العالم الإسلامي، سيؤديان إلى تعزيز الفاعلية والعزّة والاستقرار في الأمة الإسلامية بأسرها.
انسحاب القوات الاجنبية هدف ستراتيجي، والجوار مسؤولية لا مجرد جغرافيا
وأكد رئيس المجلس: وفي السياق نفسه، نعتبر انسحاب القوات العسكرية الأجنبية من المنطقة هدفا ستراتيجيا. لقد أثبتت التجارب أن قواعد القوات من خارج المنطقة في غرب آسيا لم تؤدِّ إلى أمن مستدام، بل كانت مصدرا لعدم الاستقرار.
وخاطب قاليباف ممثلي الدول الإسلامية قائلا: إن مفهوم الجوار يحتاج إلى إدراك عميق. فالجوار ليس مجرد حقيقة جغرافية، بل هو مسؤولية أيضا. فالبلدان التي تعيش في جغرافيا مشتركة، تشترك شاءت أم أبت في المصير نفسه. ومن هنا، فإن أي سياسة تُصمَّم على أساس إقصاء الجيران أو إضعافهم أو زعزعة استقرارهم، لن تؤدي في النهاية إلى استقرار دائم لأي طرف.
وذكّر قاليباف بأن “الجمهورية الإسلامية الإيرانية تؤمن بأن مستقبل المنطقة لن يتشكّل في تنافسات مرهقة، بل في تعاونات هيكلية، واتصال اقتصادي، وتقارب بنى تحتية، وحوارات سياسية مستمرة”.
ايران تمدّ يد الأخوة والتعاون إلى جميع الدول الإسلامية
وأضاف: كما أعلنت خلال الحرب الأخيرة، بناءً على توجيهات قائد الثورة الإسلامية، فإن إيران تعلن بكل استعدادٍ لجميع الدول الإسلامية، ولا سيّما دول المنطقة، وخصوصا دول الخليج الفارسي، أنها مستعدة لإبرام اتفاقات أمنية تُدعَّم بتعاون اقتصادي مستدام، تجعل الأراضي الإسلامية آمنة لجميع المستثمرين، وتحصّنها ضد الأعداء المشتركين.
وشدّد رئيس المجلس على أن “الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمدّ يد الأخوة والتعاون إلى جميع الدول الإسلامية”.
لا يمكن الحديث عن مستقبل المنطقة وتجاوز القضية الفلسطينية
وفي جزء اخر من كلمته، تطرق “قاليباف” الى القضية الفلسطينية معتبرا انه “لا يمكن الحديث عن مستقبل المنطقة وتجاوز القضية الفلسطينية، لان فلسطين ليست مجرد قضية سياسية أو ملفا دبلوماسيا” مبينا ان ” تجربة الثمانين عاما الماضية قد اثبتت أنه لا يمكن بناء أي بنية أمنية مستقرة في غرب آسيا دون حلّ عادل للقضية الفلسطينية”.
وأضاف: إن السلام الذي يُبنى على الظلم، سيكون استقراره هشّا. والأمن الذي يتجاهل جزءا من المنطقة، سيتحوّل عاجلا أم آجلا الى انعدام أمن شامل. ومن هذا المنظور، فإن الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني المظلوم، في مواجهة الاعتداءات اليومية للصهاينة، ليس مجرد دفاع عن قضية تاريخية، بل هو دفاع عن منطق يرى في العدالة والاستقرار وجهين لعملة واحدة.
وختم رئيس المجلس كلمته قائلا: هذا هو إمامنا الشهيد، وهذا هو نهجنا الدائم المتمثل في أن الشعب الفلسطيني، مثل جميع شعوب العالم، له حق تقرير المصير، عبر إجراء استفتاء يضمّ السكان الأصليين لتلك الأرض، من مسلمين ومسيحيين ويهود. وحتى ذلك الحين، فإن مقاومة الشعب الفلسطيني هي تجسيد للدفاع المشروع عن شعب في وجه الاحتلال.
وافادت “إرنا”، ان أعمال المؤتمر العشرين لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (PUIC) قد انطلق اليوم في باكو، بمشاركة الوفد البرلماني الإيراني برئاسة محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي.
ويُعقد هذا المؤتمر تحت شعار: “تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة والشاملة في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي من خلال التعاون البرلماني”، ويشارك فيه 9 رؤساء مجالس، وممثلون عن برلمانات ووفود رفيعة المستوى من الدول الإسلامية، إلى جانب رئيس مجلس الشورى الإيراني والوفد البرلماني المرافق، وذلك بهدف بحث سبل توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز التكامل بين الدول الأعضاء، ودور المجالس في دعم برامج التنمية.