عضو نقابة الصحفيين العراقيين للوفاق:

الإمام الشهيد نموذج القيادة الدينية في العصر الحديث

خاص الوفاق/لقد كان قائد الأمّة مثالاً للقيادة الرسالية التي جمعت بين الصبر الاستراتيجي والحزم في مواجهة التحديات الكبرى

 

 

سهامه مجلسي

 

 يُعدّ القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) من أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية التي تركت بصمة عميقة في مسار التاريخ المعاصر، حيث ارتبط اسمه بمشروعٍ شاملٍ يقوم الثبات على المبادئ، وإحياء القيم الدينية، وتعزيز مفهوم القيادة الرسالية في مواجهة التحديات الكبرى التي شهدتها المنطقة. وقد شكّلت سيرته الممتدة بين العلم والجهاد والإدارة نموذجاً استثنائياً لقائدٍ جمع بين البُعد الروحي والرؤية الاستراتيجية، وأسهم في صياغة تحولات سياسية وفكرية مازالت آثارها حاضرة حتى اليوم. وفي هذا الصدد، أجرت صحيفة الوفاق حواراً مع الاعلامي علاء العجيل الفتلاوي من النجف الأشرف، فيما يلي نصّه:

 

 أثر استشهاد السيد القائد على المجتمع أو القضية التي كان مرتبطا بها

 

بداية، سألنا الأستاذ الفتلاوي حول رأيه عن أثر استشهاد قائد الأمّة على المجتمع، فقال: ونحن في أجواء شهر محرّم الحرام والتي تتزامن مع الاستحضارات لدفن الجثمان الطاهر لقائد الأمّة، أجد من الضروي الإشارة إلى الشبه الكبير في ظروف الإستشهاد للقدوة وظروف الشهادة للتلميذ الأنجب. فالقائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) كان متيقناً من الشهادة بل وسائراً في اتجاهها ومصراً عليها لأنه يراها ضرورة ملحّة لإيقاظ ضمير الأمّة، مجسداً قول الإمام الحسين(ع): « كأني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء». ان هذه الصورة هي منبعاً ودرساً استلهم منه الإمام الشهيد موقفه الذي نقله عنه الشهيد علي لاريجاني عندما نقل للسيد الشهيد رغبة القيادة في نقله إلى ملجأ آمن، فكان ردّ الإمام الشهيد رافضاً: «إذا تم تأمين حياة تسعين مليوناً -أبناء الأمّة الإيرانية- فسأنتقل إلى مكان آمن». يمكن اعتبار استشهاد قائد الأمّة عملية استشهادية مستوحاة نصاً وظروفاً وموضوعاً من استشهاد الإمام الحسين(ع) ابتداءًا من «مثلي لا يبايع مثله» مروراً بـ«والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل» إلى ظروف الجوع والعطش والصيام وصولاً إلى «هكذا سألاقي جدي مضمخاً بدمي» مع أهل بيته وولده، فكانت صورة حفيدته الشهيدة زهراء هي انعكاس لصورة الطفل الرضيع، حيث كان بمقدور الإمام الشهيد كما كان بمقدور جدّه(ع) أن يأمِن عائلته ويضمن سلامتهم؛ لكنه -كما جدّه- آثر شهادته وشهادة أهل بيته وعياله على حياة تكون فيها كلمة الطاغية هي العليا.

 

نعم، إنها شهادة كشهادة يوم عاشوراء شكلاً ومضموناً حيث أكد القائد الشهيد بهذه الشهادة أن معسكر الإمام الحسين(ع) افتتح في كربلاء المقدسة ولم يُغلَق بعد وباب الإنخراط فيه لازال مفتوحاً، وهذه الرسالة استوعبتها الأمّة الإيرانية الشريفة وأمّة المقاومة وعملت بمضمونها طيلة أيام المواجهة.

 

 نظرة الجيل الجديد إلى الإمام الشهيد

وحول نظرة الجيل الجديد إلى شخصية الإمام الشهيد، قال الفتلاوي: لقد كان لتفشي الفلسفة المادية وسيطرة الفكر المادي ودوره في إدارة العالم فضلاً عن العمل المكثف والضخ الإعلامي دوراً مع ما رافقه من سياسة خبيثة نتج عنها خلق زعامات متخادمة مع قوى الاستكبار العالمي ثم الإطاحة بها أو تسقيطها في نظر الجمهور، كان لهذه العوامل أثر كبير في غياب القيادة والرمز وهذا عمل مخطط له بعناية وصرفت من أجل تحقيقه مليارات الدولارات. وهنا نجد أن الحرص الكبير والسعي الحثيث لقائد الأمّة كان أحد أهم غاياته هو إعادة الثقة بالرمز والقائد والمرجع وقد حصل ذلك فعلاً. فكما أن الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء فالقيادة الإسلامية منبعها محمد وآل محمد(صلوات الله عليهم أجمعين)؛ ولكنها خامنئية البقاء. ويظهر ذلك جلياً من خلال ردود فعل وتعاطي الشباب بعد استشهاد قائد الأمّة، حيث أشرت إلى عودة الثقة بالقيادة والرمز الديني والتمسك بالمبادئ وهو ما جسدته الوقفات المشرفة للشباب الإيراني المقاوم في ساحات الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو في دول محور المقاومة.

 

لقد سجل المراقب المحايد انبثاق الأمل وعودة الروح للمبادئ والشعارات المقدسة كتحرير القدس وزوال الكيان المحتل وتركيع أمريكا والكيان الغاصب.

 

لقد وجد القائد الشهيد في شهادته إحياءً لما اندثر من رمزية القيادة الاسلامية للأمّة فاسترخص دمه الزكي الطاهر مقابل هذا الهدف وجملة أهداف أخرى تحققت بهذه الشهادة العظيمة التي جسدت شهادة الإمام علي(ع) في محرابه في شهر رمضان وكانت صورة لشهادة الإمام الحسين(ع) رافضاً للإستسلام، وستظل هذه المفاهيم والصور خالدة في ضمير الجيل الذي عايشها لحظة بلحظة وكذلك الأجيال القادمة.

 

 الإمام الشهيد وخطابه إلى الشباب حول مفهوم الشهادة

وحول خطاب قائد الأمّة بشأن مفهوم الشهادة، قال الفتلاوي: أكاد أجزم أن أوضح ما مر عليّ (قراءة وسمعاً) من أدبيات الفكر المقاوم عن مفهوم الشهادة في الفكر المعاصر محاضرته رضوان الله تعالى عليه والتي رسم فيها مفهوم الشهادة بطريقة يستسيغها الفكر الآدمي الساعي إلى المكاسب عندما قال: «التاجر الذكي هو الذي يبيع بضاعة بالية بأغلى الأثمان»، في إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، فيصف قدّس الله سرّه الجسد البالي والمستعمل، بل والمنهك من الاستعمال فيلجأ الراغب بالكسب إلى استبداله من تاجر كريم سخي يأخذه منه ويستبدله ببضاعة ثمينة أبدية لا تقدّر بثمن الجنّة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا. وهنا أشار الشهيد القائد إلى أن الله الكريم من شدّة حبّه لعباده يستبدل أجسادهم بعد أن تفنى من طول الاستخدام وأموالهم الزائلة بالجنة ويبشرهم ﴿فَاستَبشِروا بِبَيعِكُمُ الَّذي بايَعتُم بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظيمُ.

 

يضع الإمام الشهيد هنا مفهوم الشهادة بين يدي الجيل الجديد بطريقة تناسب ميولهم وتطلعاتهم مؤسساً بذلك قاعدة شبابية تمثل امتداداً لمسيرة علي الأكبر والقاسم بن الحسن(ع)، حيث يحفزهم باتجاه الشهادة ويذكرهم بأنهم إذا كانوا تجاراً أذكياء فيتوجب عليهم إنجاز هذه الصفقة مع تاجر كريم لا يخلف وعده فينالون خير الدنيا «بالذكر الحسن» وخير الآخرة (الجنّة التي وعد المتقون).

 

أن تناول مفهوم الشهادة ومعانيها السامية وأهدافها النبيلة بهذه السلاسة تلفت أنظار الشباب إلى جوانب لم يكونوا قد التفتوا إليها لجملة أسباب من بينها الأسلوب المعقد في تناول مفهوم الشهادة عند الكثيرين غير الإمام الشهيد.

 

 كيفية تعامل الإمام الشهيد مع التحديات

إن نظرية الصبر الاستراتيجي التي سار عليها الإمام الشهيد وتمسك بها مع ما عرف عنه من حزم في المواقف في مواجهة الغطرسة الأمبريالية مثلت سياسة وسلوك غريب من الصعب أن يفهمه المحلل البعيد عن فكر أهل البيت(ع)، وتعد هذه الاستراتيجية من الميزات الفريدة التي ميزت شخصيته عن غيرها والتي لم تأتي من فراغ، بل من تجارب ومواجهات في مراحل مختلفة من الصراع من الاستكبار العالمي والتصدي لمؤامراته.

 

لقد كان وجود شخص القائد الشهيد باعث اطمئنان لمن حوله ورسالة رعب لأعداء الإسلام مما أفقدهم توازنهم ودفعهم إلى ضرب القوانين الدولية باغتياله ظناً منهم أن نهاية قائد الأمّة ستكون نهاية الجمهورية الاسلامية ومحور المقاومة غافلين أن أصحاب الرسالة لا يعرفون النهايات المفتوحة، بل يخططون لكل صغيرة وكبيرة، لذا فإنهم بالرغم من رحيلهم يكونوا حاضرين في مفردات حياة الأمّة وملهمين لرجالاتها، ففي حرب الإثنا عشر يوماً ومع الضربة الصهيو – أمريكية الأولى ذهب البعض إلى أنها ستكون ضربة قاضية حاسمة حيث «بلغت القلوب الحناجر»؛ لكن الإمام الشهيد بحكمته وحنكته وتشبعه بالتجارب الإسلامية منذ عهد الرسول الأكرم(ص) ومعرفته بأدق تفاصيل تشكيلات النظام التي وضعها بيده استطاع العبور من ساعات المحنة وامتصاص الصدمة وأعاد تنظيم الصفوف وأصدر توجيهاته كرجل ميدان متمرس، تلك التوجيهات التي لملمت الصفوف وعززت الخندق وصدمت العدو بسرعة المناورة وقوة الاحتواء فلاحت مع وجوده بوادر النصر بعد ضربة موجعة وتلك سابقة عسكرية قلّما شهد لها تاريخ الحروب مثيلاً.

 

إن مثل هذا السلوك في ظروف عصيبة كالتي مرّت بها الأمّة الإسلامية لم يكن وليد صدفة، بل هو نتاج تمرس على الحرب وإدارتها، حيث لم تخل جبهة قتال في ساحة المقاومة من توجيهاته فضلاً عن خزينه المعرفي بالعلوم العسكرية التي باشرها مقاتلاً في حرب الثماني سنوات ومن ذلك تعاظمت القدرات والملكات النفسية في اجتياز الصدمات.

 

وهنا أقول أن القائد الشهيد عاش ملهماً واستمدّ تعاليم ومفاهيم القيادة من مدرسة أهل بيت الرسول(عليهم الصلاة والسلام)، متشرباً بها غير متقمصٍ لها مما جعله نبراساً لكل مَن أحبّه وتعلّق به وقرر السير على درب الحسين(ع) والانخراط في معسكره.

 

فسلامٌ عليه يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّا.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة