د غادة حب الله
أكادايمية في الجيوسياسة
في خضم الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة، غالباً ما يُقدَّم مفهوم الجهاد في الإعلام الغربي وبعض الأدبيات السياسية باعتباره مرادفاً للعنف أو القتال. وقد ساهمت عقود من الصراعات الإقليمية والدولية في ترسيخ هذه الصورة، حتى بات الجهاد يُختزل في البعد العسكري وحده. غير أن العودة إلى فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) تكشف عن مقاربة مختلفة جذرياً، تنطلق من التراث الإسلامي ومدرسة أهل البيت(ع)، لتجعل من الجهاد مشروعاً حضارياً متكاملاً يتجاوز حدود الميدان العسكري إلى ميادين الثقافة والاقتصاد والأخلاق والسياسة والعلم.
منذ توليه قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1989، لم يتعامل الإمام الشهيد مع الجهاد بوصفه حالة حرب دائمة، بل بوصفه حالة نهوض دائم. ففي عشرات الخطب واللقاءات والرسائل الموجهة إلى الشباب والجامعات والمؤسسات الثقافية والعسكرية، يتكرر مصطلح الجهاد بصيغ متعددة: الجهاد الثقافي، الجهاد العلمي، الجهاد الاقتصادي، الجهاد السياسي، الجهاد الدفاعي، وصولاً إلى جهاد النفس أو ما يُعرف في التراث الإسلامي بـالجهاد الأكبر.
هذا التنوع لا يعكس تعدد المصطلحات فحسب، بل يكشف عن رؤية متكاملة تعتبر أن الأمة تواجه تحديات متعددة الأبعاد، وأن مواجهتها تتطلب أشكالاً متعددة من الجهاد.
الجهاد.. من مفهوم الحرب إلى مفهوم النهضة
الجهاد الأكبر.. معركة الإنسان مع نفسه
في رؤية الإمام الشهيد، يبدأ الجهاد من الإنسان نفسه. فقبل الحديث عن مواجهة العدو الخارجي، ثمة مواجهة داخلية مع الأهواء والرغبات والأنانية والفساد الأخلاقي. وهذا ما يحيل إلى الحديث النبوي الشهير: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، أي جهاد النفس. وفي التراث الإسلامي عموماً، وفي مدرسة أهل البيت(ع) خصوصاً، يحتل هذا النوع من الجهاد مكانة مركزية باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه سائر أشكال الجهاد الأخرى.
فقد روي عن الإمام علي(ع) قوله: «أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه»، كما ورد عنه أيضاً: «أشجع الناس من غلب هواه»، وهي نصوص تؤكد أن المعركة الأولى للإنسان ليست مع الآخرين، بل مع ذاته وشهواته ونزعاته. كما روي عن الإمام موسى الكاظم(ع): «ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كل يوم»، بما يعكس مركزية المراجعة الذاتية والمحاسبة الأخلاقية في بناء الشخصية المؤمنة. وتنسجم هذه الرؤية مع التوجيه القرآني القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، حيث يصبح الإصلاح الداخلي شرطاً للإصلاح الاجتماعي والسياسي.
وفي العصر الحديث، أعاد الإمام الخميني(قدس) إحياء هذا المفهوم من خلال التأكيد أن بناء الدولة الإسلامية لا يمكن أن يتحقق من دون «تهذيب النفس» و«الجهاد مع الأنا». ففي كتابه «الجهاد الأكبر أو جهاد النفس» اعتبر أن الخطر الحقيقي الذي يهدد العلماء والمسؤولين والثوار لا يتمثل فقط في الأعداء الخارجيين، بل في الانحراف الأخلاقي وحب الدنيا والسلطة والبحث عن المصالح الشخصية. ولذلك كان يرى أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الإنسان لنفسه، وأن أي مشروع سياسي أو حضاري يفقد معناه إذا لم يستند إلى قاعدة أخلاقية متينة.
أما الإمام الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، فقد واصل هذا المسار الفكري من خلال ربطه المستمر بين المسؤولية السياسية والتقوى الشخصية، وبين القيادة وخدمة الناس. ففي العديد من خطاباته شدد على أن المسؤول الحقيقي هو الذي ينتصر على أهوائه قبل أن يطلب من الآخرين الطاعة أو التضحية، وأن الفساد الأخلاقي يشكل تهديداً للأمم لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية أو الاقتصادية. ومن هنا يصبح الجهاد الأكبر شرطاً سابقاً لكل أشكال الجهاد الأخرى، لأن الإنسان الذي لم ينتصر على نفسه لا يستطيع أن يبني مجتمعاً عادلاً أو أن يقود مشروعاً حضارياً مستقلاً.
ولا يقتصر مفهوم الجهاد الأكبر في الفكر الإمام الشهيد على الجانب النظري، بل ينعكس أيضاً في الممارسة الشخصية والمؤسساتية. فالإمام الشهید(رض) يقدم نفسه بوصفه نموذجاً للمسؤول الذي ينبغي أن يخضع قبل غيره لمحاسبة النفس وضبط الرغبات الشخصية. وقد أشار في أكثر من مناسبة إلى أن تهذيب النفس شرط أساسي لتحمل المسؤولية العامة، مؤكداً أن الخطر الذي يهدد المجتمعات لا يكمن فقط في الأعداء الخارجيين، بل أيضاً في الفساد وحب السلطة والتعلق بالمكاسب المادية. كما أن العديد من الشهادات والتقارير التي تناولت نمط حياته تشير إلى اعتماده أسلوباً بسيطاً في العيش وابتعاده عن مظاهر الترف المرتبطة عادةً بمراكز السلطة، وهو ما يقدمه أنصاره بوصفه انعكاساً عملياً لفكرة الزهد التي تشكل إحدى الركائز الأخلاقية في مدرسة أهل البيت(ع).
كما انعكس هذا الفهم للجهاد الأكبر في بنية عدد من المؤسسات الثورية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإسلامي، حيث جرى التركيز منذ تأسيسه على التربية العقائدية والأخلاقية إلى جانب التدريب العسكري. فالقوة، وفق هذا التصور، لا تُقاس فقط بحجم السلاح أو التطور التقني، بل أيضاً بقدرة الفرد على الانضباط الذاتي والتضحية والإيثار وتحمل المسؤولية. ولهذا السبب ارتبطت هوية الحرس الثوري تاريخياً بفكرة «المجاهد المؤمن» الذي يجمع بين الالتزام العقائدي والاستعداد للتضحية، بخلاف النموذج العسكري التقليدي الذي يركز بصورة أساسية على البعد المهني والتقني. ومن هنا يُنظر إلى الجهاد الأكبر بوصفه الأساس الذي يمنح الجهاد الدفاعي معناه وقيمته، إذ إن الانتصار على النفس يُعد شرطاً ضرورياً للثبات في مواجهة التحديات الخارجية وحماية المجتمع والدولة.
وعليه، فإن الجهاد الأكبر في الفكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) لا يمثل مجرد ممارسة روحية فردية، بل يشكل الأساس الأخلاقي للمشروع الإسلامي بأكمله، حيث تبدأ معركة التحرر الحقيقي من داخل الإنسان قبل أن تمتد إلى مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والحضارية في العالم الخارجي. فبناء الإنسان الصالح، في هذه الرؤية، يسبق بناء الدولة القوية، لأن قوة الدولة لا تستمد مشروعيتها واستمراريتها من أدوات القوة المادية وحدها، بل من القيم الأخلاقية التي تحكم سلوك الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
الجهاد الثقافي.. مواجهة الغزو الناعم
ومن هذا الأساس الأخلاقي ينتقل الإمام الشهيد إلى ما يسميه «الجهاد الثقافي». ففي نظره، لا تُخاض الحروب فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضاً بالأفكار والصور والمفاهيم والقيم. ولذلك حذر مراراً مما سماه «الغزو الثقافي» و«الحرب الناعمة»، معتبراً أن السيطرة على العقول أخطر أحياناً من السيطرة على الأراضي. ومن هنا تأتي أهمية الجامعات والمدارس والإعلام والمؤسسات الثقافية باعتبارها ساحات مواجهة لا تقل أهمية عن أي جبهة عسكرية.
لقد أدركت القوى الكبرى منذ عقود أن الهيمنة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر الاحتلال المباشر، بل عبر إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب. ولذلك ركز الإمام الشهيد على ضرورة إنتاج المعرفة والثقافة والهوية المستقلة بوصفها جزءاً من معركة التحرر. فالثقافة، في هذا الفهم، ليست ترفاً فكرياً بل ميداناً من ميادين المقاومة.
استعادة المفهوم.. الجهاد في مواجهة التشويه والتكفير
غير أن الإصرار المتكرر للقائد الشهيد آية الله العظمى الِإمام السيد علي الخامنئي(رض)، على توسيع مفهوم الجهاد وإخراجه من الإطار العسكري الضيق لا يمكن فصله عن معركة أخرى خاضها على مستوى المفاهيم والوعي. فمنذ نهاية الحرب الباردة، ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، تعرض مفهوم الجهاد في الخطاب الغربي لحملات منظمة هدفت إلى ربطه بصورة حصرية بالعنف والتطرف والإرهاب، بحيث جرى تقديمه باعتباره مفهوماً يتعارض مع القيم الإنسانية الحديثة ومع منجزات الحضارة المعاصرة. وقد بلغت هذه العملية ذروتها مع صعود التنظيمات التكفيرية وفي مقدمتها تنظيم داعش الذي مارس القتل والتكفير والذبح باسم الجهاد، الأمر الذي ساهم في تشويه أحد أكثر المفاهيم مركزية في التراث الإسلامي.
وفي مقابل هذا المسار، يمكن قراءة جزء مهم من المشروع الفكري للإمام الشهيد بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار إلى المفهوم الأصلي للجهاد كما تبلور في القرآن الكريم ومدرسة أهل البيت(ع). فالجهاد، وفق هذه الرؤية، لا يختزل في حمل السلاح، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان ومقاومة الجهل والتبعية والتخلف والاستعمار الثقافي والاقتصادي. ومن هنا يمكن فهم التركيز المستمر في خطاباته على الجهاد الثقافي والعلمي والاقتصادي والأخلاقي، باعتبارها ساحات لا تقل أهمية عن ساحات المواجهة العسكرية. وكأن المعركة لم تكن فقط دفاعاً عن الأرض، بل أيضاً دفاعاً عن المفهوم نفسه في مواجهة محاولات تفريغه من أبعاده الإنسانية والحضارية وحصره في الصور الدموية التي كرستها التنظيمات المتطرفة وبعض السرديات الغربية على حد سواء.
الجهاد الاقتصادي.. عندما يصبح الإنتاج مقاومة
الأمر نفسه ينسحب على الاقتصاد. فمع العقوبات الغربية الطويلة التي استهدفت إيران، برز مفهوم «الجهاد الاقتصادي» كأحد أكثر المفاهيم حضوراً في خطاب الإمام الشهيد. غير أن المقصود هنا ليس مجرد تحقيق النمو الاقتصادي، بل بناء القدرة على الصمود والاستقلال. فالاقتصاد في هذه الرؤية يتحول إلى ساحة مواجهة استراتيجية، والإنتاج الوطني يصبح عملاً جهادياً، والاكتفاء الذاتي شكلاً من أشكال المقاومة.
ومن هنا نشأت نظرية «الاقتصاد المقاوم» التي تقوم على تخفيف الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرات الوطنية. فالجهاد الاقتصادي ليس مواجهة عسكرية، لكنه بالنسبة إلى الإمام الشهيد لا يقل أهمية عن المواجهة العسكرية، لأن نتائج الحصار الاقتصادي قد تكون أحياناً أشد أثراً من نتائج الحرب المباشرة.
الجهاد العلمي.. المعرفة بوصفها قوة تحرر
كما تحدث الإمام الشهيد عن «الجهاد العلمي»، انطلاقاً من قناعة مفادها أن التبعية العلمية تؤدي في نهاية المطاف إلى التبعية السياسية والاقتصادية. ولذلك جرى تشجيع الجامعات ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا المتقدمة باعتبارها جزءاً من مشروع التحرر الوطني. فالعالِم الذي ينتج المعرفة، والباحث الذي يطور التكنولوجيا، لا يقلان أهمية عن المقاتل الذي يدافع عن الحدود.
وقد انعكس هذا التوجه في إنشاء وتطوير عشرات المراكز البحثية المتخصصة، من أبرزها Royan Institute الذي يُعد من أهم المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي في مجالات الخلايا الجذعية والطب التجديدي والتكنولوجيا الحيوية. وقد تمكن باحثوه من تحقيق إنجازات رائدة في أبحاث الخلايا الجذعية والعلاج التجديدي، وحاز عدد من علمائه جوائز علمية دولية مرموقة، من بينهم الباحث حسين بهاروند الذي نال جائزة مصطفى العالمية للعلوم والتكنولوجيا عام 2019 تقديراً لإسهاماته في مجال الخلايا الجذعية.
كما برزت Iran Nanotechnology Innovation Council بوصفها نموذجاً للجهاد العلمي المرتبط بالتنمية الاقتصادية والتكنولوجية، حيث أسهمت في تحويل إيران إلى إحدى الدول الخمس الأولى عالمياً في إنتاج المعرفة العلمية في مجال النانو، مع تسويق آلاف المنتجات النانوية عبر مئات الشركات المعرفية، وارتفاع صادرات هذا القطاع بصورة متواصلة.
وفي السياق نفسه، تؤدي Iranian Research Organization for Science and Technology دوراً محورياً في تطوير السياسات العلمية الوطنية والبحث التطبيقي، وتُعد أكبر مؤسسة بحثية حكومية في البلاد، كما تشرف على جائزة الخوارزمي الدولية التي تُعتبر من أبرز الجوائز العلمية في إيران والعالم الإسلامي، وتستقطب سنوياً باحثين ومخترعين من مختلف دول العالم.
وتكشف هذه النماذج أن «الجهاد العلمي» في فكر القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) لا يقتصر على تشجيع التعليم أو زيادة عدد الجامعات، بل يقوم على بناء قدرة وطنية مستقلة لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتحويلها إلى قوة اقتصادية وصناعية واستراتيجية. ومن هذا المنطلق يصبح المختبر، ومركز الأبحاث، والجامعة، ساحاتٍ للجهاد بالمعنى الحضاري للكلمة، لأنها تسهم في تحرير الأمة من التبعية العلمية والتكنولوجية وتدعم استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
الجهاد الدفاعي.. السلاح في خدمة الكرامة والسيادة
لكن كل هذه الأبعاد لا تعني إلغاء البعد العسكري للجهاد. فالإمام الشهيد يؤكد باستمرار على حق الشعوب في الدفاع عن نفسها وعن أراضيها وسيادتها. غير أن الجهاد الدفاعي في خطابه يأتي دائماً ضمن منظومة أوسع، وليس باعتباره الغاية النهائية. فالسلاح ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لحماية المجتمع والدولة والكرامة الوطنية عندما تفشل الوسائل الأخرى.
وفي هذا السياق، لا يتعارض الجهاد الدفاعي مع المبادئ التي كرّستها المنظومة القانونية الدولية الحديثة، بل ينسجم معها في العديد من الجوانب. فقد أكدت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في الحياة والحرية والأمن الشخصي، كما أن ديباجة الإعلان نفسها تنطلق من ضرورة صون الكرامة الإنسانية وحمايتها. كذلك أقرّ ميثاق الأمم المتحدة في المادة (51) الحق الطبيعي للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا تعرضت لعدوان مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. ومن هذه الزاوية، يظهر الجهاد الدفاعي في مدرسة أهل البيت(ع) باعتباره ممارسة دفاعية تهدف إلى ردّ العدوان وحماية الإنسان والأرض والكرامة، وهو ما ينسجم أيضاً مع المبدأ القرآني القائم على المعاملة بالمثل في مواجهة الاعتداء: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (المائدة: 45)، بما يؤكد أن الرد المشروع يجب أن يبقى مرتبطاً بمبدأ التناسب وعدم تجاوز حدود الاعتداء الأصلي.
من النظرية إلى الممارسة.. التجربة الإيرانية نموذجاً
ولعل التجربة الإيرانية خلال العقود الأخيرة تقدم نموذجاً عملياً لهذه الرؤية الشاملة للجهاد. فالصمود في مواجهة العقوبات الاقتصادية، والتقدم العلمي والتكنولوجي رغم الضغوط الدولية، والحفاظ على الاستقرار السياسي في بيئة إقليمية مضطربة، كلها أمثلة يراها أنصار هذه المدرسة تجليات لأشكال مختلفة من الجهاد الذي تحدث عنه القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام الخامنئي(رض). فالمواجهة لم تقتصر على البعد العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد والثقافة والعلم والإدارة وبناء القدرات الوطنية. ومن هنا يكتسب مفهوم الجهاد بعداً استراتيجياً يتجاوز حدود المعركة المباشرة ليصبح إطاراً عاماً لإدارة الصراع مع التحديات الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو ما يفسر استمرار حضوره المركزي في الخطاب السياسي الإيراني المعاصر وفي أدبيات قوى المقاومة في المنطقة.
من المقاومة العسكرية إلى المقاومة الحضارية
كما أن هذا الفهم الواسع للجهاد يساعد على تفسير التحول الذي شهدته حركات المقاومة خلال العقود الأخيرة. فالمقاومة لم تعد تُختزل في العمل العسكري وحده، بل أصبحت نموذجاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً يسعى إلى بناء مجتمعات قادرة على الصمود والاستقلال. ومن إيران إلى لبنان والعراق واليمن، يمكن ملاحظة حضور هذا التصور الذي يربط بين المقاومة والتنمية، وبين المواجهة وبناء الإنسان، وبين الدفاع العسكري وإنتاج القوة العلمية والاقتصادية والثقافية.
المقاومة بوصفها مشروع بناء شامل
ولهذا السبب تحديداً، يصعب فهم فلسفة المقاومة في المنطقة إذا جرى اختزالها في بعدها العسكري فقط. فالمقاومة، وفق الرؤية التي طرحها الإمام الشهيد، ليست مجرد مواجهة مسلحة، بل مشروع بناء متكامل للإنسان والمجتمع والدولة. وهي تبدأ من المدرسة والجامعة والمصنع والأسرة بقدر ما تمر عبر ساحات القتال.
الجهاد كفلسفة للنهوض والاستقلال
ومن هنا يمكن فهم الحضور المتكرر لمصطلح «الجهاد» في خطاباته خلال العقود الثلاثة الماضية. فهو ليس شعاراً حربياً، بل مفهوم تعبوي شامل يهدف إلى تحويل الأمة من موقع الاستهلاك إلى موقع الإنتاج، ومن موقع التبعية إلى موقع الاستقلال، ومن موقع الدفاع السلبي إلى موقع المبادرة الحضارية.
إن القيمة الفكرية الحقيقية لهذا الطرح تكمن في إعادة توسيع مفهوم الجهاد بعد عقود من محاولات حصره في المجال العسكري. فبينما يرى كثيرون في الجهاد صورة المقاتل في الخندق، يقدمه الإمام الشهيد أيضاً في صورة الطالب في الجامعة، والعامل في المصنع، والمفكر في مركز الأبحاث، والمربي في المدرسة، والإنسان الذي يجاهد نفسه من أجل الارتقاء الأخلاقي.
إعادة تعريف الجهاد في القرن الحادي والعشرين
هكذا يتحول الجهاد من مفهوم مرتبط بالحرب إلى مفهوم مرتبط بالحياة نفسها. ومن فعل عسكري استثنائي إلى مشروع حضاري دائم. وربما هنا تكمن إحدى أهم الإضافات الفكرية التي قدمها القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) إلى النقاش المعاصر حول الجهاد: إعادة تعريفه باعتباره عملية بناء شاملة للأمة، لا مجرد أداة للدفاع عنها.