عبير شمص
رغم ما واجهته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على امتداد أكثر من أربعة عقود، من حروبٍ وعقوباتٍ وضغوطٍ سياسية واقتصادية وأمنية، فإنها تمكنت من ترسيخ نموذجٍ يقوم على تماسك مؤسسات الدولة، وتعزيز قدراتها الذاتية، والحفاظ على حضورها الإقليمي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى المرحلة التي أعقبت استشهاد قائد الثورة الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي بوصفها اختبارًا مفصليًا لقدرة الدولة على مواصلة نهجها، واستمرار مؤسساتها، وإدارة واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخها الحديث.
في هذه المقابلة مع صحيفة الوفاق، يُسلط الكاتب والباحث اللبناني في الشأن السياسي الدكتور حسن إبراهيم الضوء على طبيعة النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية،متوقفًا عند طبيعة النظام السياسي في الجمهورية الإسلاميةالإيرانية، وآليات انتقال القيادة، ودلالات الحضور الشعبي في مراسم التشييع، وانعكاسات هذه التطورات على المشهد الإيراني والإقليمي، ومستقبل الصراع في المنطقة، وموقع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. دولة المؤسسات واستمرارية النظام
وفي البداية، يقول الدكتور إبراهيم إنّ الجمهورية الإسلامية، منذ اللحظة الأولى لولادة وتأسيس نظامها على يدي سماحة الإمام الخميني (رض) عام 1979، أرست أُسس دولة المؤسسات، بعدما كان الشاه يحكم بسلطانٍ ملكي يخضع لذاته وشخصه وعائلته، ويُضعف الدولة ويستغل ثرواتها ويهدرها. ومن هنا، جاء الإمام الخميني (قدس)، فقطع هذه المرحلة، وانتقل إلى دولة المؤسسات، أي دولة المؤسسة، منذ اللحظة الأولى لولادة الجمهورية الإسلامية في إيران.
ويضيف الدكتور إبراهيم أن الإمام الخميني (قدس) أكمل وضع الأنظمة، وشهدت تلك المرحلة تقلبات ما بين وزارة وأخرى، وإعادة تشكيل حكومة وأخرى، إلى أن استقر الرأي على النظام الرئاسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية القائم على ولاية الفقيه.
وانطلاقًا من ذلك، يؤكد أنّ تلك اللحظة كانت الانطلاقة الحقيقية للجمهورية الإسلامية الإيرانية نحو العالم، وهي لحظة مفصلية وجوهرية لم يكن يتوقعها الغرب ولا الشرق، بعدما أعلن الإمام الخميني (قدس) شعار: «لا شرقية ولا غربية، بل جمهورية إسلامية». وبذلك، أرست الجمهورية الإسلامية الإيرانية أُسس دولة المؤسسات منذ نشأتها.
أمّا اليوم، فيشير الدكتور إبراهيم إلى أنّ سماحة الإمام الشهيد قاد هذه المؤسسة، أي الدولة، منذ عام 1989 حتى عام 2026، أي على مدى ما يزيد على خمسٍ وثلاثين سنة. وهذه الاستمرارية أكدت أنّ الدولة الإسلامية الإيرانية نظام مؤسساتي يخضع لولاية الفقيه وتحت إشرافها.
إضافةً إلى ذلك، يوضح الدكتور إبراهيم أنّ هناك استقلالية في إدارة الحكم لرئيس الجمهورية، وكذلك في إدارة أجهزة الدولة، إلى جانب رقابة حثيثة من الشعب الإيراني، وانطلاقًا من هذه المعطيات، يعتقد الدكتور أنّ الدولة الإيرانية لا شبيه لها في العالم؛ فالمؤسسات في الدول الأخرى لا تخضع لهذه التراتبية. فهناك نظام ولاية الفقيه، وولي الفقيه بدوره يخضع لمجلس الخبراء، كما تخضع رئاسة الجمهورية والحكومة للولي الفقيه، وينتخب الشعب مجلس النواب بضمانة حراسة الحرس الثوري والجيش الإيراني. وعليه، هذا البناء يُشكل مؤسسة متكاملة، يبقى فيها للشعب الإيراني، أولًا وأخيرًا، رأيه المباشر في اختيار ممثليه ضمن الأُطر الدستورية المعتمدة.
إدارة الأزمات.. تجربة رسخت صلابة النظام الإيراني
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ دولة الإمام الخميني(قدس) وإمام الأمّة أثبتت قدرتها على إدارة الدولة ومواجهة مختلف الأزمات. ويشير إلى أنّ أكبر التحديات التي واجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عام 1979 بدأت مع مجازر نظام الشاه البائد ضد شعبه ، وثم مع الحرب التي شنها صدام حسين المجرم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي عُرفت بالحرب المفروضة، وصولًا إلى الحصار الأمريكي الذي فُرض عليها بمساندة عدد من الدول الأوروبية وغيرها.
ويضيف أنّ إيران أثبتت، منذ تلك المرحلة، أنها دولة قادرة على إدارة الأزمات؛ إذ تعرضت، حتى في عهد الإمام الخميني (قدس)، لأكثر من مواجهة مع قوى الاستكبار العالمي، لكنها تمكنت من الحفاظ على تماسكها واستمرارية مؤسساتها.
أمّا اليوم، فيرى الدكتور إبراهيم أنّ استشهاد إمام الأمّة يُمثل نقطة تحول في معادلات المنطقة ومستقبل الصراع، موضحًا أنه ترك خلفه ملايين المؤيدين، وقيادة منظمة، ومؤسسات شعبية وحكومية، فضلًا عن نظامٍ قائم على القوة والعزة، ومرتكزٍ إلى الاعتماد على القدرات الداخلية، سواء على مستوى النخب الإيرانية والشعب الإيراني.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ الحصار الذي فُرض على الجمهورية الإسلامية الإيرانية أسهم، رغم قسوته، في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز قدراتها الوطنية. ويرى أنّ الإمام الخميني (قدس) أسس لدولة قادرة على مواجهة القوى الكبرى، وأنّ استشهاد إمام الأمّة شكّل محطة مفصلية عززت تماسك الدولة وأفشلت رهانات الولايات المتحدة والعدو الصهيوني على إحداث فراغ سياسي أو زعزعة الاستقرار. ويضيف أنّ هذه المرحلة تُمثل بداية مرحلة جديدة من التطور وترسيخ استقلال القرار الإيراني، مؤكدًا أنّ إيران باتت اليوم محورًا قائمًا بذاته، يستند إلى قوة مؤسساتها، والتفاف شعبها، والخبرة التي اكتسبتها في مواجهة التحديات والعدوان.
التشييع المليوني.. استفتاء شعبي ورسائل تتجاوز الحدود
وفي معرض حديثه عن دلالات الحضور الشعبي، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ المشاركة الجماهيرية الواسعة في مراسم التشييع تحمل دلالات سياسية وشعبية كبيرة، مشيرًا إلى أنّ هذا الحضور يمكن تقسيمه إلى نوعين رئيسيين.
ويوضح أنّ النوع الأول يتمثل في الحضور المباشر، أي الذين تمكنوا من المشاركة ميدانيًا في مراسم التشييع، سواء داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو في العراق، لافتًا إلى أنّ المشاركة لم تقتصر على الشعب الإيراني، بل شهدت حضورًا لشخصيات وجماهير قدمت من مختلف دول العالم.
أمّا النوع الثاني فهو الحضور الشعبي الذي لم يتمكن من المشاركة الميدانية، إلا أنه كان حاضرًا وجدانيًا وسياسيًا، ومؤيدًا لهذا الحدث وللجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويرى أنّ هذا التأييد الواسع لا يقل أهمية عن المشاركة المباشرة، لأنه يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول القيادة والنظام.
وفي هذا السياق، يشير إلى أنّ حجم المشاركة الشعبية، سواء من حضر ميدانيًا أو من حالت الظروف دون مشاركته، تجاوز كل التوقعات، حتى إنّ وسائل إعلام أمريكية وصفت مراسم التشييع بأنها حدث استثنائي. ويضيف أنّ الأعداد التي كانت موجودة في الميدان لا تعكس العدد الحقيقي للراغبين في المشاركة، إذ إنّ ملايين آخرين لم يتمكنوا من الحضور، وهو ما أغفلته العديد من وسائل الإعلام.
وانطلاقًا من ذلك، يرى أنّ هذا الحضور الشعبي، بشقيه، شكّل ضربة قاصمة للولايات المتحدة الأمريكية، مشيرًا إلى أنّ بعض وسائل الإعلام الغربية أقرت بأنها لم تشهد في التاريخ الحديث تشييعًا بهذا الحجم.
ويضيف الدكتور إبراهيم أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية اعتادت، منذ انتصار الثورة الإسلامية، على ترجمة التأييد الشعبي عبر محطات مفصلية، معتبرًا أنّ التشييعات الكبرى شكلت بمثابة استفتاءات شعبية على نهج الدولة وقيادتها. ويستذكر في هذا الإطار التشييع المهيب للإمام الخميني (قدس)، الذي اعتبره محطةً مفصلية عكست حجم التأييد الشعبي الإيراني وغير الإيراني للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كما يشير إلى أنّ تشييع الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني أكد المعاني نفسها، من حيث حجم الالتفاف الشعبي والرمزية السياسية، معتبرًا أنّ هذه المحطات رسخت صورة العلاقة بين القيادة والجمهور.
أمّا اليوم، فيؤكد الدكتور إبراهيم أنّ تشييع الإمام الشهيد يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول القيادة، ويمنح هذا الحدث بُعدًا استثنائيًا على المستويين الإيراني والإقليمي، كما يعتبر أنّ مراسم التشييع شكلت رسالةً سياسيةً واضحة، مفادها أنّ الشعب الإيراني، ومعه شريحة واسعة من أبناء الأمة الإسلامية، يجددون تمسكهم بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويعبرون عن محبتهم وولائهم لها.
وعليه، يرى أنّ التوازنات الإقليمية والدولية باتت تنطلق من حقيقة مفادها أنّ النظام الإسلامي في إيران يستند إلى قاعدة شعبية واسعة داخل البلاد وخارجها، وهو ما يمنحه عناصر قوة إضافية في مواجهة الضغوط الخارجية، ويجعل أي مقاربة للعلاقة مع إيران أو مع حلفائها تأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار.
ويؤكد أنّ هذا الالتفاف الشعبي أسهم في إبعاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن دائرة الخطر، معتبرًا أنّ الشعب الإيراني جسّد، في فترة العدوان الأمريكي والصهيوني، التزامه بالدفاع عن نظامه وخياراته السياسية.
وفي ختام هذا المحور، يرى الدكتور إبراهيم أنّ مراسم التشييع لم تكن رسالة وفاء لسماحة إمام الأمّة فقط، بل حملت أيضًا رسالة دعم وبيعة لسماحة الولي الفقيه الجديد، قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي، مؤكدًا أنّ الجماهير التي شاركت، إضافة إلى الملايين الذين لم يتمكنوا من الحضور، أعلنت تمسكها باستمرار نهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويخلص إلى أنّ هذا المشهد، يُمثل رسالة واضحة لكل من يسعى إلى زعزعة أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بأنّ قوة الدولة لا تستند إلى قدراتها العسكرية فقط، بل أيضًا إلى قاعدتها الشعبية الواسعة.
الانتقال المنظم للقيادة.. سقوط رهانات الفوضى وتعزيز تماسك الدولة
وفي حديثه عن مرحلة ما بعد استشهاد سماحة إمام الأمّة، يرى الدكتور إبراهيم أنّ الانتقال المنظم للقيادة شكّل أحد أبرز عوامل قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأنّ الولايات المتحدة والعدو الصهيوني كانتا تراهنان على تفكيك نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر إثارة الفتن والانقسامات داخل المجتمع الإيراني، إلا أنّ التطورات التي أعقبت الاستشهاد جاءت معاكسة تمامًا لهذه الرهانات.
وانطلاقًا من ذلك، يعتقد أنّ هذا المشهد دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها، بعدما فشلت في الحرب الاقتصادية، كما فشلت في الحرب الأمنية، ولم تتمكن من استغلال العملاء أو الضغوط السياسية لإحداث شرخ داخل بُنية النظام الإيراني.
ويرى الدكتور إبراهيم أنّ ثلاثة عناصر أساسية أسهمت في تعزيز مكانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي: الانتقال المنظم للقيادة، والالتفاف الشعبي، وتماسك مؤسسات الدولة. ويعتبر أنّ هذه العناصر مجتمعةً تمنح إيران وحلفاءها قوة إضافية، وتُعزز ثقة الدول التي تقيم علاقات وتحالفات معها.
ومن هذا المنطلق، يرى الدكتور إبراهيم أنّ النموذج المؤسساتي الإيراني يمكن أن يُشكل تجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها، موضحًا أنّ جوهر هذا النموذج يقوم على وجود مؤسسات دستورية متكاملة، تشمل مجلس الخبراء، والقيادة العليا، ورئاسة الجمهورية، والرقابة الشعبية، بما يضمن عدم خروج أي مؤسسة عن الإطار الدستوري والمصلحة الوطنية العليا.
ويؤكد الدكتور إبراهيم أنّ ما يميز التجربة الإيرانية أيضًا هو العلاقة الخاصة التي تجمع القيادة بالشعب، مشيرًا إلى أنّ هذه العلاقة لا تتوافر لدى كثير من قادة العالم، الذين انتهت مسيرتهم بسقوط أنظمتهم أو بخروج شعوبهم ضدهم.
كما يشير إلى أنّ بساطة حياة الإمام الخميني(قدس)، ثم سماحة إمام الأمّة، شكّلت أحد العوامل التي عززت مكانتهما الشعبية، معتبرًا أنّ القيادة الحقيقية تبدأ عندما يعيش القائد هموم شعبه، ولا سيّما الفئات الفقيرة، ويشاركها ظروفها المعيشية. أمّا اليوم، فيرى أنّ انتقال المسؤولية إلى سماحة قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الخامنئي يُمثل استمرارًا لهذا النهج.
وعلى الصعيد الدولي، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ التجارب السياسية غالبًا ما تُظهر أنّ غياب القادة يؤدي إلى اضطرابات داخلية، إلا أنه يرى أنّ ما حدث في إيران جاء مخالفًا لهذه القاعدة، إذ تحولت دماء الإمام الشهيد إلى عامل عزز استمرار الثورة ومواجهة الضغوط الأمريكية.
ويضيف أنّ هذا التحول تجسد في المرحلة التي أعقبت الاستشهاد، ولا سيّما في ظل المواجهة العسكرية والعدوان الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، معتبرًا أنّ إيران استطاعت أن تُعزز مكانتها لأنها تستند إلى ثلاثة مرتكزات أساسية: القيادة، والشعب، ومؤسسات الدولة.
وفي ختام هذا المحور، يخلص الدكتور إبراهيم إلى أنّ مسيرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستمرة، من الإمام الخميني(قدس)، إلى الإمام الشهيد، وصولًا إلى قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الخامنئي، مؤكدًا أنّ الرهانات على انهيار النظام بعد استشهاد إمام الأمّة لم تتحقق، بل إنّ هذا الحدث، منح الجمهورية الإسلامية الإيرانية مزيدًا من التماسك الداخلي، وعزز حضورها السياسي والشعبي، ورسخ صورة القيادة التي قدمت التضحيات دفاعًا عن الدولة والشعب.
إيران ومحور المقاومة.. التماسك في مواجهة الضغوط والتحولات
وفي سياق حديثه عن انعكاسات استشهاد سماحة إمام الأمّة على المشهد الإقليمي، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ دول المنطقة، ولا سيّما الدول المحيطة بإيران، ستتعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها دولةً متماسكةً وكتلةً صلبة، مشيرًا إلى أنّ فكر الإمام الشهيد ما زال حاضرًا، وأنّ نهجه مستمر عبر قيادة قائد الثورة الإسلامية آية الله السيد مجتبى الخامنئي.
ويضيف أنّ غياب الإمام الشهيد، على الرغم من حجم الخسارة التي مُنيت بها الأمة الإسلامية، سيترك آثارًا إيجابية على مستوى قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، معتبرًا أنّ دماءه لن تذهب هدرًا، بل ستتحول إلى عنصر قوة سياسية يُعزز مكانة إيران، سواء في استثمار التأييد الشعبي والرأي العام الدولي، أم في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والعدو الصهيوني.
وفي هذا الإطار، يشير إلى أنّ وسائل إعلام صهيونية أقرت بأنّ تداعيات إمام الأمّة انعكست سلبًا على صورة رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو، وأدت إلى تراجع حجم التأييد الذي كان يحظى به لدى بعض حلفاء الكيان.
ويرى أنّ دماء السيد الشهيد أصبحت عنصرًا إضافيًا في تعزيز تماسك الشعب الإيراني، موضحًا أنّ الشعب، عندما رأى قائده يقدم حياته دفاعًا عن الدولة ومؤسساتها وشعبها، ازداد تمسكًا به وبنهجه، وترجم ذلك بمزيد من الالتفاف الشعبي حول الجمهورية الإسلامية.
ويتابع أنّ الولايات المتحدة كانت تراهن على مواجهة النظام الإيراني بمعزل عن قاعدته الشعبية، ولذلك عملت، وما تزال تعمل، على إثارة الانقسامات الداخلية، إلا أنها فوجئت بأنّ الشعب نفسه أصبح في مواجهة هذا المشروع، ولم يعُد الأمر مقتصرًا على القيادة أو مؤسسات الدولة فقط.
وانطلاقًا من ذلك، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ قوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم اليوم على ثلاثة مرتكزات أساسية، هي: شخص القائد، ونظام ولاية الفقيه، ومؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أنّ هذه المرتكزات تستند إلى قاعدة شعبية واسعة، وهو ما أفشل الرهانات على انقسام الداخل الإيراني.
ومن هنا، يرى الدكتور إبراهيم أنّ أي نظام سياسي لا يستطيع الاستمرار ما لم يستند إلى تأييد شعبي حقيقي، معتبرًا أنّ هذا العامل يُشكل أحد أبرز عناصر القوة في التجربة الإيرانية.
وعلى صعيدٍ آخر، يؤكد الدكتور إبراهيم أنّ الرهان على تفكك محور المقاومة لم يحقق أهدافه، رغم حجم الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرض لها في السنوات الأخيرة، موضحًا أنّ العدوان الواسع الذي استهدف أطراف المحور لم يؤدِّ إلى إنهاء مشروع المقاومة أو تفكيك بُنيته.
ويضيف أنّ ساحات اليمن وفلسطين ولبنان قدمت نماذج واضحة على قدرة قوى المقاومة على الصمود، رغم فارق الإمكانات العسكرية، ورغم الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبدتها، معتبرًا أنّ استمرار هذه القوى في أداء دورها يعكس تماسك المحور.
وفي هذا السياق، يرى أنّ استشهاد الإمام الشهيد لم يؤدِّ إلى إضعاف العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفصائل المقاومة، بل بقيت قنوات التواصل والتنسيق قائمة، سواء بين إيران وفصائل المقاومة، أو بين الفصائل نفسها، الأمر الذي يؤكد استمرارية المشروع الذي يجمعها.
كما يؤكد أنّ مشروع المقاومة لم يكن يومًا قائمًا على شخص واحد، مهما بلغت مكانته، وإنما تأسس على عقيدة مشتركة، ورؤية سياسية، ومؤسسات راسخة، وعلاقات استراتيجية بُنيت على مدى سنوات طويلة، وهو ما جعل هذا المشروع قادرًا على الاستمرار بعد استشهاد قادته.
ومن هذا المنطلق، يرى أنّ استشهاد إمام الأمة، على الرغم من قساوته، أسهم في تعزيز الالتفاف الشعبي حول محور المقاومة، وزاد من الإصرار على مواصلة النهج الذي أرساه قادته.
كما يشير إلى أنّ تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت أن كل أزمة واجهتها تحولت، بعد تجاوزها، إلى عنصر قوة جديد؛ فالحصار الاقتصادي قاد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي، والعدوان العسكري أسهم في تراكم الخبرات الدفاعية، ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي عززت التماسك الوطني، كما أنّ استشهاد القادة تحول إلى عامل إضافي في ترسيخ الالتفاف الشعبي حول الدولة ومؤسساتها.
وعليه، يعتبر أنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنظر إلى المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة تثبيت للثوابت، لا مرحلة تراجع، مستندةً إلى ما تحقق من وحدة داخلية، والتفاف شعبي، وانتقال منظم للقيادة، وهي رسائل تؤكد قدرة الدولة على حماية مؤسساتها والحفاظ على استقرارها.
وفي ختام حديثه، يخلص الدكتور إبراهيم إلى أنّ جميع الرهانات التي بُنيت على فرضية انهيار النظام أو انقسام المجتمع أو حدوث فراغ في القيادة لم تتحقق، بل إنّ المرحلة الجديدة تُمثل، بداية مرحلة أكثر قوة وتماسكًا، تستند إلى مؤسسات راسخة، وقاعدة شعبية واسعة، وخبرة تراكمت عبر عقود من مواجهة التحديات. ويؤكد أنّ استشهاد إمام الأمّة لا يُمثل نهاية لمسيرة الجمهورية الإسلاميةالإيرانية، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على الإرث الذي تركه، والمؤسسات التي أسهم في ترسيخها، والالتفاف الشعبي الذي ما زال يُعدّ هذا النهج الضمانة الأساسية لاستمرار الدولة وصون استقلالها.
