دُرّة الزمـان

أعدّت مؤسسة الثورة الإسلامية للبحوث والثقافة، بمناسبة استشهاد وتشييع القائد الشهيد للثورة الإسلامية، سماحة آية الله العظمى السيّد علي الخامنئي (قدّس الله نفسه الزكيّة)، ملفًا تذكاريًا بعنوان «الإمام المجاهد الشهيد»، يضمّ مقالات لشخصيات بارزة علمية وسياسية وثقافية وعسكرية، وسيُنشر في موقع KHAMENEI.IR. وتمثّل الآراء المطروحة في هذا الملف التذكاري وجهات نظر كُتّابها.

لم تعرف إيران، على امتداد تاريخها الممتد لآلاف السنين، قائدًا جمع من خصال الكمال والشمول ما اجتمع في قائد الثورة الشهيد، سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(رض).

 

فقد أحاط بالدين والعرفان، والفقه والأصول، والشؤون العسكرية والسياسية، والثقافة والأدب، والقضايا الاجتماعية والتربوية، حتى غدا قائدًا موسوعيًا متعدد المعارف.

 

كان فقيهًا عالمًا، يجلس أمامه قادة أكبر القوى السياسية في العالم بكل احترام، ثم يغادرون الغرفة المتواضعة في بيته وهم مبهورون بعمق علمه وبُعد نظره.

 

ففي تلك الغرفة البسيطة كان يختصر عالمًا من التعقيد الفكري وسعة المعنى، وكان يقف فيها رجل امتدت معايير قيادته إلى العالم بأسره، وبلغ أثر وجوده أمّةً كاملة.

كان الشهيد الخامنئي(رض) قائدًا موسوعيًا ومرجعًا جامعًا؛ مرجعًا في الفقه والسلوك، وفي الأصول والشريعة، وفي الحرب والسياسة، وفي الفكر والحنكة، وفي الثقافة والكتابة.

 

كان باحثًا في القرآن وعارفًا بأسراره، مؤرخًا يستشرف المستقبل، وقارئًا نهمًا يدرك قيمة المعرفة.

 

وكان فقيهًا متبحرًا في علم الرجال، يتبع العرفان العملي في القضايا الأخلاقية، وعالمًا دينيًا متمكنًا في الوقت نفسه من العلوم والمعارف الدنيوية.

في لقاءاته مع الشعراء كانت موهبته الأدبية وذائقته الرفيعة تتجليان، وفي حواراته مع العسكريين كانت خبرته العسكرية الفذّة تبدو واضحة.

 

وعند مجالسته السياسيين كان إحاطته بشؤون الحكم جلية، وفي مناقشاته مع الدبلوماسيين كان اتساع معرفته بالعالم ظاهرًا للعيان.

 

فأين عرف تاريخ إيران، بل تاريخ العالم، قائدًا بهذه المواصفات، وأي شعب حظي بمثل هذا القائد ليفخر به؟

لقد كان قائدًا يُجسّد وحدة إيران، ويحفظ أركانها ومبادئها ويعززها. وكان مرجعًا شيعيًا طرح رؤى مضيئة حول ضرورة وحدة الأمّة الإسلامية والتقارب بين الشيعة والسنّة.

 

وكان فقيهًا يوقر أهل الكتاب ويحفظ مكانتهم وكرامتهم، وقائدًا دينيًا يصون الهُوية الوطنية والعادات الاجتماعية، وخطيبًا فريدًا حمل همّ اللغة الفارسية والدفاع عنها.

 

وقد جعل من التلازم بين الروح الشيعية والهُوية الإيرانية واللغة الفارسية، مقرونًا بالاهتمام بالوحدة الوطنية والقوة العسكرية والتقدم الاقتصادي والإحاطة بالسياسة الداخلية والأمن الإقليمي والشؤون الدولية، قائدًا يتجاوز الحدود وحكيمًا يتجاوز الأطر القومية.

بعد قيادة الإمام الخميني(ره)، الذي كان من أولياء الله وعظماء تاريخ إيران والعالم، عاشت إيران تجربة قيادة آية الله الخامنئي(رض)، الذي مثّل نموذجًا حيًا لفاعلية القيادة الدينية وتجسيدًا لنظرية ولاية الفقيه.

 

فقد أثبتت سبعة وثلاثون عامًا من قيادته الحكيمة، وما شهدته البلاد خلالها من تقدم في المجالات الاقتصادية والصناعية والعسكرية والفضائية، ومن تحديث في النظم السياسية والدبلوماسية والقضائية والتشريعية، أن الحكّام الفلاسفة، والحكماء الذين يتولون زمام السلطة، والقادة العلماء والواعون، ليسوا مجرد مدينة فاضلة أو حلم بعيد المنال، بل حقيقة واقعة وغاية قابلة للتحقق، وكانت قيادة الإمام الخميني(ره) وقائد الثورة الشهيد(رض) أوضح تجسيد لهذا النموذج.

كان قائد الثورة الشهيد(رض) قائدًا ذا حضور كاريزمي، صادقًا في رؤيته، راسخًا في مبادئه. حمل همّ الدين بصدق لا تصنّع فيه، ولم ينطق إلا بما آمن به، ولم يجرِ إلا على أساس المبادئ.

 

كان مستقيم النهج، واسع المعرفة بالسياسة؛ لكنه لم يمارس المناورات السياسية. كان صريحًا مع الشعب، مستقيمًا في صون مصالح البلاد.

وكان أيضًا رمزًا للنقاء والزهد؛ عاش حياة بسيطة، وأشاع هذه البساطة في أسرته والمحيطين به. كان منزّهًا عن أهواء النفس ومظاهر العظمة الدنيوية. وكان عالمه بحجم مكتبته، يرحل عبر القراءة الدائمة إلى عوالم جديدة وعلوم أخرى.

 

كان قائدًا يفهم تفاصيل استخدام أجزاء الصواريخ، ويدرك آليات تخصيب اليورانيوم، ومع أنه لم يقم سوى بعدد محدود من الرحلات الخارجية خلال فترة رئاسته للجمهورية، فإنه لم يكن بحاجة إلى أن يجوب العالم، لأن العالم كله كان حاضرًا بين يديه، وكان يعرف طبائع الزمن وتقلباته ونقض العهود فيه.

 

وكان يعرف الوافدين الجدد إلى عالم السياسة كما يعرف من طال بهم المقام في السلطة. وكان، كلما اقتضت مصلحة الوطن والدولة دفع خطر أو رفع بلاء، مرشدًا إلى الطريق، وحين تضيق السبل، فاتحًا للأبواب.

لم يكن يقف أمامه طريق مسدود، وقد علّم الجميع ألّا يكون هناك انسداد حتى بعد رحيله. ففي غيابه، ملأ أبناؤه الذين تربّوا في ميادين الجهاد، وأبناؤه الذين تخرجوا من مدرسته العلمية، الساحة، وردّوا العدو المعتدي القاتل على أعقابه، وسجلوا نصرًا جديدًا في سجل الأيام، فلم ينقص شبر واحد من أرض هذا الوطن طوال عمر الثورة، ولم تضع حفنة من ترابه.

إنّ الشهيد الخامنئي هو ثمرة مدرسة الإنسان الحرّ، وكانت مسيرته في الحياة كما شهادته منارة نجاة وسط أمواج العالم المضطرب. كان إنذاره حقًا، وبلاغه صادقًا.

واليوم نقف أمام الفراغ الذي خلّفه ذلك الوطني الكبير؛ قائد الثورة الشهيد(رض) الذي هزم، باستشهاده، العدو المفتون بغطرسته.

 

واليوم نقف أمام إرثه العظيم؛ نظام راسخ لا تستطيع نار الشرّ أن تحرق أغصانه المباركة؛ لكن ما أشدّ ألم فراق البستاني، وما أقسى غياب القائد الذي ارتحل، والإمام الذي سافر، والأب الذي عرج إلى السماء.

وإن كان الحبّ للابن يخفف شيئًا من حزن المفجوعين بالأب، فإن الشهيد الخامنئي كان دُرّة الزمان، وكان القائد الخامنئي درّته الفريدة فيه.

 

أمّا العارفون بالولاية فلم يغادروا هذا النهج، واليوم تتجلى حكايتنا في مواصلة الدعم والوفاء، من البداية إلى النهاية، لذلك الكوكب الهادي.

المصدر: محمد صادق خرازي /KHAMENEI.IR

الاخبار ذات الصلة