«لقد رأيتُ ما يشابه هذا الحديث وهذا المنطق في حواراتٍ أخرى خارج مدينة مشهد. ذلك أن الأشخاص يُعرّفون أنفسهم أحياناً كبكسلٍ في إطار حشدٍ ضخم، يُفترض أن يُعرّف تحت عنوان «محبّي الشهيد السعيد»؛ ولا ضير إن لم يُوفّقوا في رؤية السيارة التي تحمل جثمانه.
فأن تكون بكسلاً في إطار الـ4K لمحبّي السيد علي الخامنئي، هو أيضاً توفيق وموهبة كبرى. فعلى أقلّ تقدير، لقد خيّبوا آمال العدو بمقدار بكسلٍ واحد، والكثيرون يرضون بهذا الحدّ الأدنى.
وهذا الرجل الوقور من أهالي مشهد، ضمن تلك المجموعة المكوّنة من ثلاثة أو أربعة أشخاص على هامش ساحة 15 خرداد في مشهد، يقول الكلام نفسه في ظهيرة يوم 9 يوليو الحارة والمشمسة. هؤلاء مؤمنون بمقولة: لا يقلّ مَن في ركبكم عنّا».
بقدر ما كان التشييع في النجف الأشرف، وتنوّع وتعدّد الأعلام والرموز فيه ملفتاً للنظر، فإن التشييع في مشهد -كما هو الحال في تشييع طهران وقم- كان يعتمد في أغلب أعلامه على راية «يا لثارات الحسين(ع)» الحمراء؛ تلك الراية التي تُمثّل رمز الانتقام.
والصورة الجوية لتشييع مدينة مشهد المقدسة هي الأخرى يطغى فيها اللون الأحمر طغيانًا تامًا على سائر الألوان. وفي السياق، فإن موضوع الانتقام من شخص ترامب والاقتصاص منه هو أمرٌ بارزٌ للغاية في مشهد، وبدرجةٍ أكبر بكثير ممّا كان عليه في قم وطهران.
ولو قُدّر لنا إحصاء اللافتات التي تشير إلى هذا المفهوم، سواء كانت مطبوعة أو مكتوبة بخط اليد أو ملصقات، لربما سُجّل لمدينة مشهد رقمٌ قياسيٌ لافت.
لم يتّضح لي ما إذا كان هذا الأمر يعود إلى التجربة التراكمية لمراسم التشييع السابقة التي تظهر هنا، أم أن موضوع الاقتصاص من ترامب هو بالفعل أكثر بروزاً هنا.
اللافت للنظر أن استشهاد قائد الأمّة، على الرغم من أنه ظاهرياً قد تمّ على يد الكيان الصهيوني، إلا أن الإيرانيين يعتبرون «ترامب» وأمريكا هما المتهم الأول، والآمر والفاعل الأساسي؛ لدرجة أن دعوات كسر الرقبة والظهر للمتهم الأول حاضرةٌ بقوة في الشعارات واللافتات واللوحات، بينما ليست بهذا الزخم والحدّة تجاه المتهم الثاني «نتنياهو».
هذا لا يعني أن الإيرانيين قد تجاهلوا نتنياهو، بل يعني أنهم يعتبرون أمريكا هي الأصل، و(إسرائيل) هي فرعٌ في هذه القضية، وإن كانت الفاعلية الظاهرية للحدث قد نُفّذت على يد الصهاينة.
فالإيرانيون لم يضلّوا الطريق عن العدو والشيطان الأصلي، ولم ينسوه. وفي ظل هذا الوضع، يجب الإنصاف لتلك السيدة المشهدية التي كانت تحمل لافتةً مكتوبةً بخط اليد، تُشير بلهجةٍ عامية إلى أن إعطاء اليورانيوم لهذا الكائن هو أمرٌ مستحيل.
ليس لأن اليورانيوم بحدّ ذاته كان هو الجوهر بالنسبة لها؛ لا! بل لأن عدم الاستسلام أمام أمريكا والعدو الأصلي هو ما كان يمثّل الجوهر والقيمة بالنسبة لها.
من هذا المنطلق، لم تكن مراسم التشييع بالنسبة لأهالي مشهد، كما هو الحال في تشييع طهران وقم، مجرد مراسم دفن ولن تكون كذلك؛ بل هي طقسٌ لتجديد البيعة بالبقاء على النهج الذي أُهرقت فيه دماء القائد الشهيد.
ولهذا السبب، ففي هذا الطقس الذي يبدو في ظاهره تشييعاً لفردٍ رحل عن الدنيا، تفيض الحماسةُ والتفاعلُ رغم ما فيه من حزنٍ وأسى.
وهي حماسيةٌ إلى حدٍّ يظنّ فيه مَن لا يعلم أنها من جنس تلك التجمعات الحماسية الليلية التي ينظمها الناس بعد الحرب.
وقد ذكر أحد كبار المصورين في البلاد نفس هذا الكلام قبل بضعة أيام، حيث أشار إلى أنه من وجهة نظر الجماليات البصرية للتصوير، فإن العناصر والرموز والأنشطة التي رآها في المصلى وفي تشييع طهران، هي ذاتها التي كان يراها في التجمعات خلال التجمعات الليلية في جميع أرجاء البلاد.
يُرى أثر ملحمة العراقيين في اليوم السابق في استقبالهم المهيب للقائد الشهيد، جليّاً في تشييع مشهد. وقد أشار مقدمو المراسم والمنشدون مراراً إلى هذا التعبير عن اللطف والمحبة، كما كان أثر هذه الملحمة حاضراً بين أحاديث الناس وحواراتهم.
وفي تشييع مشهد، فُتح بابٌ لشعارٍ جديدٍ ذي دلالة: «من أين أتى هذا الورد المُقطّع؟ لقد أتى من رحلة كربلاء!».
الناس يهتفون؛ بعضهم يضربون على رؤوسهم، والبعض الآخر على صدورهم، وبعضهم الآخر شاخصون ببصرهم إلى مكانٍ ما، وواضحٌ أن أجسادهم هنا وعقولهم في مكانٍ آخر.
لتشييع مشهد ميزةٌ أخرى؛ فالوجوه التي لفحتها الشمس هنا أكثر، والأيدي التي صار جلدها أكثر خشونةً من شدة الكدح والعمل تظهر هنا بشكلٍ أكبر، والوجوه النحيلة التي تشي بوضوح بأن أصحابها قد جاءوا من القرى البعيدة والقريبة ليوصلوا أنفسهم إلى شارع الإمام الرضا(ع) في مدينة مشهد.
هؤلاء النبلاء والصابرون والمكافحون من أهالي شرق البلاد، يحيطون الآن بالقائد الشهيد، يرحبون به، ويلعنون قاتليه، وقد ملأوا مسافةً طويلةً تمتدّ من الحرم المطهّر إلى ساحة «15 خرداد»، بل وما بعدها.
في نهاية المطاف، أجبرت شدة الازدحام المسؤولين عن تنظيم المراسم على تغيير مسار السيارة التي تحمل الجثمان من منتصف الطريق، لكي يُنقل الجثمان بطريقةٍ أخرى إلى رحاب الصحن الرضوي الشريف.
ولو قُدّر للسيارة العبور من ذلك الحشد المتراكم، الذي التحم كتفاً بكتف، وجاء للتشييع بوجوهٍ عازمةٍ وغضبٍ مقدّس، لامتدت المراسم بالتأكيد إلى اليوم التالي؛ وهو أمرٌ يخالف توصية القائد الشهيد بخصوص الاستحباب الشديد للدفن في ليلة الجمعة.
والآن، يسعى القائمون على الأمر لكي يتمّ لقاء شهيد الشعب الإيراني بالذات الإلهية المقدسة في مثل هذه الليلة. وهو حدثٌ يتزامن أيضاً مع ليلة استشهاد الإمام السجاد(ع)؛ ذلك المعصوم الذي يعود نسب القائد الشهيد إليه؛ {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً…}.