حين يتحول التطرف إلى سياسة.. ليندسي غراهام نموذجاً لتيار التشدد في الولايات المتحدة

 التطرف السياسي في الولايات المتحدة يُعزز سياسات القوة والتدخل العسكري، ويُجسد ليندسي غراهام أبرز رموزه الداعمين للاحتلال الصهيوني

يُعدّ التطرف السياسي من الظواهر التي أثرت بصورةٍ كبيرة في رسم السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، ولا سيّما في العقود الأخيرة. ورغم أنّ الولايات المتحدة تُقدَّم باعتبارها نموذجاً للديمقراطية والتعددية، فإنّ بعض التيارات السياسية تبنّت مواقف متشددة تجاه القضايا الدولية، واعتمدت القوة العسكرية وسيلةً أساسية لتحقيق المصالح الأميركية وحماية الحلفاء. ويبرز هذا التوجه بشكلٍ خاص في السياسات المتعلقة بغرب آسيا، حيث يدافع عدد من السياسيين عن دعم غير محدود لكيان الاحتلال، حتى في ظل الانتقادات الحقوقية والدولية. ويُعدّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام أحد أبرز ممثلي هذا التيار.

 

التطرف السياسي في الولايات المتحدة

 

لا يقتصر مفهوم التطرف على الجماعات العنيفة أو المتشددة دينياً، بل يشمل أيضاً المواقف السياسية التي ترفض الحلول الوسط، وتتبنى استخدام القوة بوصفها الخيار الأول لحل الأزمات. وقد ظهر هذا التوجه لدى عدد من الساسة الأميركيين الذين دعوا إلى التدخل العسكري في دولٍ مختلفة، مثل العراق وأفغانستان، وطالبوا بتشديد العقوبات والضغوط على دول كإيران وروسيا، معتبرين أنّ التفوق العسكري الأميركي هو الضامن الأساسي للأمن العالمي.

 

ويستند هذا التيار إلى قناعة بأنّ الولايات المتحدة يجب أن تحافظ على هيمنتها الدولية مهما كانت الكلفة، وأنّ دعم الحلفاء، وعلى رأسهم كيان الاحتلال، يُمثل أولوية استراتيجية لا يجوز التراجع عنها.

 

ليندسي غراهام.. نموذج للتشدد السياسي

 

يُعدّ ليندسي غراهام من أبرز رموز التيار المتشدد في السياسة الأميركية. فمنذ دخوله مجلس الشيوخ، ارتبط اسمه بالدفاع عن التدخلات العسكرية، وتفضيل القوة على الدبلوماسية، والدعوة إلى توسيع الدور العسكري الأميركي في مناطق النزاع. كما عُرف بمواقفه المتشددة تجاه إيران وروسيا والصين، ودعواته المتكررة إلى تشديد العقوبات، وزيادة الضغوط السياسية والعسكرية، ورفض أي سياسات يعتبرها تنازلاً أمام خصوم الولايات المتحدة. وكان أيضاً من أكثر السياسيين قرباً من دونالد ترامب في ملفات السياسة الخارجية، ومن أشد المدافعين عن كيان الاحتلال والداعين إلى استمرار دعمه سياسياً وعسكرياً.

 

وخلال الحرب على غزة، أثارت تصريحاته جدلاً واسعاً بعدما دعا إلى توسيع العمليات العسكرية الصهيونية، ورفض فرض قيود على استخدام القوة، معتبراً أنّ لكيان الاحتلال حرية اتخاذ ما تراه من إجراءات لتحقيق أهدافه العسكرية. كما أثارت مواقفه انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وعدد من السياسيين، الذين رأوا فيها تعبيراً عن نهج يغلّب الحسم العسكري على الحلول السياسية، ويتجاهل الآثار الإنسانية للنزاعات ويُقلّل من أهمية الالتزام بالقانون الدولي.

 

دعم الاحتلال والانقسام داخل أميركا

 

ورغم النفوذ الكبير للتيار الداعم لكيان الاحتلال داخل الحزب الجمهوري، فإنّ المجتمع الأميركي ليس موحداً تجاه استمرار دعم الاحتلال. فهناك أعضاء في الكونغرس، ومنظمات حقوقية، وأوساط أكاديمية، وشرائح واسعة من الرأي العام، يطالبون بوقف الدعم غير المشروط للاحتلال، ومحاسبته على انتهاكات القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين، واعتماد سياسة أميركية أكثر توازناً وعدالة.

 

ويعكس هذا الانقسام خلافاً عميقاً حول دور الولايات المتحدة في العالم؛ فبينما يواصل فريق تبرير الدعم غير المشروط لكيان الاحتلال، يرى آخرون أنّ هذه السياسة تجعل واشنطن شريكاً في إدامة الاحتلال، وتُضعف الجهود الدولية الرامية إلى محاسبة الاحتلال وإنهاء الانتهاكات بحق الفلسطينيين.

 

ختاماً، تكشف تجربة ليندسي غراهام كيف يمكن لتيارٍ سياسي متشدد أن يؤثر بعمق في صناعة القرار داخل الولايات المتحدة، وأن يدفع نحو سياسات تقوم على القوة العسكرية والدعم شبه المطلق لكيان الاحتلال، حتى في ظل الانتقادات الدولية الواسعة. وفي المقابل، يتزايد الضغط داخل الولايات المتحدة وخارجها لمراجعة هذه السياسات، وربط الدعم باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. ويؤكد هذا الصراع أنّ مستقبل السياسة الأميركية سيظل مرهوناً بالمواجهة بين نهج يواصل الرهان على القوة والهيمنة، ونهج يدعو إلى العدالة والمساءلة والحلول السياسية.

 

 

ستون

المصدر: الوفاق/ خاص