تأمُّل في النموذج العلمي والأخلاقي للدكتور مصباح الهدى باقري كني

مـصـبـاح الـعـلـم والأخـلاق

يمكن تحليل شخصية الشهيد الدكتور باقري كني من خلال مفهوم «النخبة المسؤولة»؛ وهو مفهوم يرى أن النخبة ليست مجرد صاحبة علم أو مهارة، بل تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه المجتمع والثقافة والمستقبل.

د. محمدرضا أخضريان كاشاني

أستاذ مساعد في جامعة طهران

 

 

 

 مقدّمة:

 

كان الدكتور مصباح الهدى باقري كني (1976–2025)، باحثًا وأستاذًا جامعيًا ومن الشخصيات العلمية والثقافية البارزة في البلاد، وينتمي إلى أسرة عريقة ومعروفة في ميادين العلم والدين. فهو نجل آية الله محمد باقر باقري كني، وابن شقيق آية الله مهدوي كني، كما أنّه صهر قائد الثورة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض).

 

 

وعلى الرغم من هذه المكانة العائلية، فإن مسيرته العلمية والاجتماعية اتسمت دائمًا بالابتعاد عن الأضواء، والنأي عن الجدل، والتفرغ للبحث العلمي والعمل الأكاديمي. فقد اختار عن وعي طريق العلم والبحث، وكرّس معظم سنوات عمره للتدريس، والبحث، والتنظير في مجال الإدارة، وتطوير المؤسسات العلمية والثقافية، وإعداد جيل جديد من الباحثين الشباب، مبتعدًا عن المجالات التي كان من شأنها أن توفر له النفوذ أو الثروة أو المناصب التنفيذية الرفيعة.

 

 

ولم يكن ما يميز الدكتور باقري كني عن كثير من نخب جيله مقتصرًا على مكانته العلمية أو خلفيته العائلية، بل تجلّى في أخلاقه الرفيعة، وتواضعه الاستثنائي، وأدبه الجم، وسعة صدره، وعلاقته الإنسانية القريبة من طلابه، وحرصه الدائم على تنمية طاقات الشباب. وكان يسعى باستمرار إلى إقامة صلة فاعلة بين الجامعة والنخب العلمية ومنظومة الحوكمة في البلاد، واضعًا المعرفة في خدمة التقدم العلمي والثقافي للمجتمع.

 

 

وإذا كانت شهادته قد حرمت الوسط الأكاديمي من أحد أبرز الباحثين المتواضعين وأصحاب الكفاءة، فإنها أتاحت في الوقت نفسه فرصة لإعادة قراءة نموذج للنخبة المسؤولة؛ نموذج تتكامل فيه المعرفة والأخلاق والالتزام والتواضع وخدمة المجتمع.

 

 

إنّ هذه المقالة ليست مجرد تحية لأستاذ جامعي، بل محاولة للتعريف بشخصية يمكن أن تمثل نموذجًا ملهمًا للشباب الجامعي والباحثين، يجسد التلاقي بين العلم والفضيلة الأخلاقية والمسؤولية الاجتماعية.

 

 

لقد أثبت تاريخ العلم والثقافة أن خلود الشخصيات لا يصنعه المنصب الرسمي أو المسؤولية الإدارية، بل يصنعه أسلوب الحياة. فكثير من المسؤولين يغادرون ذاكرة المجتمع بانتهاء مناصبهم. أمّا العلماء الذين يجمعون بين الأخلاق والعلم، والتواضع والتميز، والمسؤولية الاجتماعية والبحث العلمي، فإنهم يتحولون إلى نماذج خالدة للأجيال.

 

 

وكان الدكتور مصباح الهدى باقري كني واحدًا من هؤلاء؛ عالمًا جعل محور حياته العلمية التأثير الحقيقي، وبناء الإنسان، وإنتاج الفكر، لا البحث عن الشهرة.

 

 

من هنا، فإن استذكاره لا يقتصر على تكريم باحث متميز، بل يمثل إعادة قراءة لنموذج النخبة المسؤولة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ ذلك النموذج الذي يثبت أن الإنسان يستطيع، رغم امتلاكه كل المقومات الاجتماعية التي تؤهله لتولي أعلى المناصب، أن يختار عن وعي طريق العلم والبحث وتربية الأجيال.

 

 

وتمثل النقاط التالية خلاصة لأبرز الملامح العلمية والأخلاقية لهذه الشخصية، في حدود معرفتي المحدودة بها.

 

 

 «النخبة المسؤولة».. إطار لفهم شخصيته العلمية والأخلاقية

 

 

يمكن تحليل شخصية الدكتور باقري كني من خلال مفهوم «النخبة المسؤولة»؛ وهو مفهوم يرى أن النخبة ليست مجرد صاحبة علم أو مهارة، بل تتحمل مسؤولية تاريخية تجاه المجتمع والثقافة والمستقبل. ويقوم هذا النموذج على أربعة أركان: إنتاج المعرفة، والفضيلة الأخلاقية، وتربية الإنسان، والالتزام الاجتماعي.

 

 

وقد تميز الدكتور باقري كني بجمع هذه الأركان جميعًا؛ فلم يكن يرى العلم منفصلًا عن الأخلاق، ولا البحث بعيدًا عن المسؤولية الاجتماعية، ولم ينظر إلى الجامعة بوصفها مكانًا لنقل المعلومات فحسب، بل باعتبارها مصنعًا لإعداد الإنسان المفكر.

 

 

العالِم.. أكثر من مجرّد متخصص

 

 

في أدبيات علم اجتماع المعرفة، يوجد فرق جوهري بين المتخصص والعالِم. فالمتخصص قد يمتلك خبرة دقيقة في مجال معيّن. أمّا العالم، فهو الذي يفتح آفاقًا جديدة للتفكير، ويطرح قضايا جديدة، ويدفع المجتمع إلى التأمل.

 

 

ومن خلال نشاط الدكتور باقري كني العلمي، يتضح أن اهتمامه لم يكن محصورًا في إجراء البحوث أو نشر المقالات، بل كان يعمل على تحويل البحث العلمي إلى أداة لفهم القضايا الثقافية والإدارية في البلاد.

 

 

ولم يكن ينظر إلى الإدارة باعتبارها عملية إدارية أو تقنية بحتة، بل باعتبارها مجالًا للتفكير، والتنظير، والتنظيم العقلاني للمؤسسات، والارتقاء برأس المال البشري.

 

 

ومن هذا المنطلق، كان أقرب إلى أن يكون مهندسًا للفكر منه مديرًا لمؤسسة؛ مفكرًا يسعى إلى بناء جسر دائم بين المعرفة والثقافة والحوكمة.

 

 

 اختيار العلم بدلًا من السلطة

 

 

من أبرز ملامح شخصيته اختياره الواعي للبحث العلمي بدلًا من السلطة. فبالنسبة لشخص كان قادرًا على تولي مناصب تنفيذية رفيعة والاستفادة من فرص واسعة في مجالات الإدارة والاقتصاد، لم يكن بقاؤه في الجامعة والبحث وتربية الطلاب أمرًا عاديًا، بل كان خيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا واعيًا.

 

 

لقد كان قادرًا على أن يكون مديرًا ناجحًا وذا نفوذ؛ لكنه اختار أن يكون مفكرًا. وكان يستطيع إدارة المؤسسات؛ لكنه آثر صناعة الإنسان. وكان بإمكانه السعي إلى تراكم الثروة؛ لكنه اختار الاستثمار في رأس المال الفكري والبشري.

 

 

وهذا الاختيار يبرهن على أن العلم بالنسبة إليه لم يكن وسيلة للترقي الشخصي، وإنما رسالة لخدمة المجتمع.

 

 

 التواضع.. الفضيلة الأساسية للنخبة

 

 

إذا كان لابدّ من اختيار صفة واحدة تمثل جوهر شخصيته الأخلاقية، فإنها بلا شك التواضع. فلم يكن تواضعه سلوكًا شكليًا، بل جزءًا أصيلًا من هُويّته العلمية. وكلما ازداد علمه، ازداد تواضعه، الأمر الذي جعل طلابه وزملاءه لا يرونه أستاذًا بعيد المنال، بل مرشدًا أمينًا ورفيقًا مخلصًا.

 

 

وفي بيئة جامعية قد تتحول فيها المنافسة العلمية إلى تباعد إنساني، استطاع بأخلاقه وأدبه واحترامه للآخرين أن يصنع مناخًا للحوار والتفكير المشترك والنمو الجماعي.

 

 

 الأدب.. الوجه الاجتماعي للأخلاق

 

 

لم يكن الأدب لديه مجرد حسن معاملة، بل كان أسلوب حياة. فقد ظهر في طريقته في الحديث، وفي النقد، وفي الإصغاء للرأي المخالف، وفي تعامله مع الطلاب والزملاء. وأثبت أن المكانة العلمية لا تتعارض مع التواضع والاحترام، بل إن السلطة العلمية الحقيقية تنبع منهما.

 

 

ولهذا، فإن معظم مَن عرفوه يتحدثون أولًا عن أخلاقه ووقاره ورزانته، قبل أن يتحدثوا عن علمه؛ وهي صفات أكملت شخصيته العلمية وجعلته رصيدًا اجتماعيًا مهمًا للمجتمع الأكاديمي.

 

 

علاقته بالشباب.. تربية الفكر لا صناعة الأتباع

 

 

من أهم أبعاد شخصية الدكتور مصباح الهدى باقري كني علاقته العميقة بالشباب. فكثير من الأساتذة يحصرون دورهم داخل قاعة الدرس، أمّا هو فكان يرى الجامعة بداية الطريق لا نهايته.

 

 

ولم يكن ينظر إلى طلابه باعتبارهم متلقين للمعلومات، بل بوصفهم ثروة المستقبل التي ينبغي إعدادها للتفكير والإبداع والتنظير.

 

 

ومن أبرز خصائصه ثقته بالشباب؛ فقد كان يفسح المجال للأفكار الجديدة، ويرحب بالتجارب المبتكرة، ويشجع الطلاب على خوض المجالات التي لم تحظ بالاهتمام الكافي.

 

 

وكان يدرك أن التقدم العلمي لا يتحقق بتكرار المعارف السابقة، وإنما بالشجاعة في طرح الأسئلة الجديدة.

 

 

وفي أدبيات التربية الحديثة، يطلق على هذا النوع من الأساتذة وصف «مُيسِّر النمو»؛ أي الأستاذ الذي لا يرى مهمته في نقل المعلومات، بل في تنمية القدرة على التفكير.

 

 

من هنا، فإن جزءًا مهمًا من إرثه العلمي يتمثل في طلابه والباحثين الشباب الذين وجدوا طريقهم العلمي بفضل تشجيعه وتوجيهه.

 

 

 رؤيته الفكرية.. الإدارة بوصفها إدارة للمعرفة والثقافة

 

 

رغم أن ما نُشر من أعمال الدكتور باقري كني لا يزال محدودًا، ولا يسمح بإصدار أحكام شاملة حول منظومته الفكرية، فإن طبيعة نشاطه البحثي تكشف أن رؤيته للإدارة كانت أوسع بكثير من مجرد إدارة المؤسسات.

 

 

فالإدارة في نظره لم تكن مجموعة من تقنيات التخطيط والرقابة واتخاذ القرار، بل عملية لتنظيم رأس المال البشري، وإنتاج المعرفة، والارتقاء بالثقافة المؤسسية.

 

 

ومن هذا المنظور، فإن الإدارة لا تنجح إلا إذا استطاعت أن تربط بين المعرفة والقيم والممارسة.

 

 

وقد قامت رؤيته على ثلاثة محاور رئيسية:

 

 

  • الإنسان أولًا: الإيمان بأن الإنسان هو أهم رأس مال في أي مؤسسة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من تنمية الإنسان.

 

  • المعرفة أساسًا: التأكيد على أن المؤسسات لا تستمر إلا إذا كانت قادرة على التعلم، وتحويل الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار.

 

  • الثقافة مرتكزًا: الإيمان بأن الإدارة التي تهمل الهُويّة والقيم والثقافة تتحول إلى تقنية بلا روح.

 

وتعكس هذه المبادئ صورة مدير كان اهتمامه منصبًا على المعنى وجودة الحياة العلمية والثقافية للمؤسسات، أكثر من اهتمامه بالبنى الإدارية وحدها.

 

 

حلقة وصل بين النخب وقائد الثورة

 

من السمات البارزة للدكتور باقري كني قدرته على بناء جسور التواصل بين النخب العلمية وقائد الثورة الشهيد (رض). ولم يكن هذا الدور نابعًا من منصب رسمي أو علاقة عائلية، بل من رصيد كبير من الثقة والمصداقية والأمانة العلمية بناه عبر سنوات طويلة.

 

 

وفي نظريات رأس المال الاجتماعي، يوجد أشخاص يؤدون دور الوسطاء الرابطين بين الشبكات العلمية والثقافية والاجتماعية، بما يسهل انتقال الأفكار والخبرات والثقة.

 

 

ويمكن فهم دور الدكتور باقري كني في هذا الإطار؛ إذ كان، بفضل معرفته الدقيقة بالوسط الأكاديمي، قادرًا على نقل هموم النخب وإمكاناتها إلى المستويات العليا، وفي المقابل، المساهمة في توضيح السياسات العامة للنخب العلمية.

 

 

ورغم أن هذا الدور لا يحظى عادة بالاهتمام الإعلامي، فإنه يعد من أهم عوامل تعزيز الانسجام الفكري ورأس المال الاجتماعي في المنظومة العلمية.

 

 

العلاقة بين العلم والولاية.. التزام معرفي

 

 

أمّا تعلق الدكتور باقري كني العميق بـقائد الثورة الشهيد(رض)، فينبغي فهمه ضمن إطار معرفي وفكري. فما تجسد في سلوكه واختياراته لم يكن انعكاسًا لعلاقة عائلية، بل تعبيرًا عن إيمانه برسالة العلم في خدمة تقدم البلاد وتحقيق أهداف الثورة الإسلامية.

 

 

وكان بإمكانه استثمار مكانته الاجتماعية للوصول إلى مواقع مهمة؛ لكنه اختار بإرادته الحياة العلمية، وهو ما يشكل أبلغ دليل على أن التزامه كان التزامًا نابعًا من القناعة والقيم، لا من الاعتبارات الخارجية.

 

 

 الشهادة.. نهاية حياة وبداية نموذج

 

 

ليست الشهادة نهاية حياة العظماء، بل بداية مرحلة جديدة تمنح المجتمع فرصة لإعادة اكتشافهم. فكم من أشخاص عاشوا في صمت وتواضع، ولم تتكشف حقيقة عطائهم إلا بعد رحيلهم.

 

 

ولعل الحديث اليوم عن الدكتور مصباح الهدى باقري كني يعود، قبل كل شيء، إلى كونه مثالًا للعالم العامل؛ الإنسان الذي جمع بين العلم والأخلاق، والبحث والتربية، والتواضع والتميز، والمسؤولية وخدمة المجتمع.

 

 

كلمة أخيرة.. نموذج لمستقبل النخبة في إيران

 

 

إنّ المجتمع العلمي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحوج ما يكون اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم النخبة. فإذا اقتصر قياس النخبة على عدد البحوث المنشورة أو الدرجات العلمية أو المناصب الإدارية، فإن جزءًا كبيرًا من الحقيقة سيظل غائبًا. فالذي يمنح العالم خلوده هو امتزاج المعرفة بالفضيلة، والتخصص بالمسؤولية، والفكر بالأخلاق.

 

 

من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الدكتور مصباح الهدى باقري كني بوصفه رمزًا للنخبة المسؤولة؛ شخصية أرادت العلم لخدمة المجتمع لا للشهرة، والبحث لحل المشكلات لا لتضخيم الأرقام، ورأت في الشباب ثروة المستقبل لا مجرد طلاب في قاعة الدراسة، وتعاملت مع مكانتها الاجتماعية باعتبارها فرصة لتعزيز المعرفة، وتنمية رأس المال البشري، وبناء الجسور بين النخب ومنظومة الحوكمة.

 

 

ولهذا، فإن الاحتفاء بذكراه لا يقتصر على استذكار أستاذ جامعي أو باحث متميز، بل يمثل دعوة إلى إحياء تقليد راسخ من تقاليد النخبة، تُقدَّم فيه قيم التواضع على الكبر، والرسالة على المنفعة، والتربية على الشهرة، والحقيقة على المصلحة الشخصية.

 

 

وإذا استمر هذا الإرث في المجتمع العلمي الإيراني، فإنه سيبقى مصدر إلهام لجيل يبني مستقبل البلاد بالفكر والأخلاق والابتكار وروح المسؤولية، لا بضجيج الإعلام.

 

 

المصدر: الوفاق/موقع قائدالثورة

الاخبار ذات الصلة