نجح باحثون في جامعة أميركبير الصناعية في تصميم وتطوير منظومة ذكية ومتكاملة للتحكم في إنتاج النفط والغاز وتحسين كفاءتهما، في إنجاز تقني محلي لا تتوافر له سوى نماذج محدودة على مستوى العالم. وأظهرت المحاكاة التشغيلية أن المنظومة قادرة على رفع معدلات استخلاص النفط بنسبة تصل إلى ٥٩ في المئة.
وأوضح مهدي فدائي، خريج الدكتوراه في جامعة أميركبير الصناعية والمشرف التنفيذي على المشروع البحثي، الذي أُنجز بإشراف محمدجواد عامري ويوسف رفيعي، عضوي الهيئة التدريسية في الجامعة، أن أهمية هذا الابتكار تنبع من طبيعة منظومات إنتاج النفط والغاز، حيث تُنقل الهيدروكربونات المستخرجة من الآبار عبر خطوط الأنابيب إلى التجهيزات السطحية والمصافي، في ما يُعرف بـ«منظومة الإنتاج المتكاملة».
وأضاف: أن التصاميم الوطنية والدولية المتداولة تركز عادةً على التحكم في المتغيرات التشغيلية السطحية، مثل ضغط رأس البئر ومعدلات تدفق الموائع المنتجة، إلا أن كفاءة هذه المنظومات تتراجع مع تغير ظروف الحقل بمرور الوقت. وتبرز هذه المشكلة بصورةٍ أكبر في المكامن التي تحتوي على قبعة غازية، إذ يؤدي انفصال الغاز عن النفط تدريجياً إلى تشكّل كتل سائلة داخل خطوط النقل، وهو ما يتسبب في إلحاق أضرار بالمعدات، وتعطيل أداء الفواصل السطحية متعددة الأطوار، فضلاً عن توقف الإنتاج وارتفاع تكاليف الصيانة.
وأشار فدائي إلى أن الفواصل متعددة الأطوار تشهد عادةً انخفاضاً في الكفاءة بعد نحو 10 سنوات من التشغيل، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة اللقيم الموجّه إلى الصناعات البتروكيميائية. وأوضح أن الدراسة نجحت، للمرة الأولى، في تطوير منظومة ذكية تمنع تشكّل الكتل السائلة منذ بداية التشغيل وحتى نهاية العمر الإنتاجي للحقل، كما تتيح، عبر التحكم الآلي في الفواصل، تحقيق فصل أمثل للأطوار السائلة والغازية.
منظومة فصل ذكيّة تعمل بصورة آلية
وكشف فدائي عن توطين واحدة من أكثر منظومات الفصل الذكي تعقيداً على مستوى العالم، موضحاً أن هذه المنظومة المخبرية تعمل بصورة آلية بالكامل ومن دون تدخل بشري، بما يتيح إزالة الكتل السائلة والحفاظ على الفاصل ضمن ظروف تشغيل مثالية. وأضاف: أن هناك حالياً أربعة نماذج مماثلة فقط لهذه التقنية في كل من جامعة تكساس الأميركية، والجامعة التقنية النرويجية، وجامعة دلفت الهولندية، وجامعة هيريوت-وات الاسكتلندية، مشيراً إلى أن المنظومة المطوّرة في مختبر الجيوميكانيك بجامعة أميركبير الصناعية تتفوق على النماذج الأجنبية من حيث التعقيد والمرونة والدقة والشمولية.
وفي ما يتعلق بنتائج محاكاة هذه التقنية في أحد الحقول النفطية الحقيقية، قال فدائي: إن التقييمات أظهرت أن استخدام هذه المنظومة على مدى ٢٠ عاماً يمكن أن يرفع كمية النفط المستخلص في خزانات التخزين السطحية بنسبة تصل إلى ٥٩ في المئة مقارنةً بالأساليب التقليدية. وأضاف: أن هذه التقنية لا تسهم فقط في تحسين الإنتاج وزيادته بصورة ملحوظة، بل تعمل أيضاً على خفض تكاليف الصيانة والتشغيل، كما أنها قابلة للتطبيق في مختلف الحقول منخفضة الضغط وعالية الضغط في البلاد.
معادلات جديدة لتصميم الفواصل متعددة الأطوار
ولفت فدائي إلى أن المعرفة الفنية الخاصة بتصميم الفواصل متعددة الأطوار تُعد من المعارف المحمية والسرية على مستوى العالم، مضيفاً: أن الفريق البحثي توصّل، عبر اختبار النماذج المتاحة، إلى وجود أخطاء في الصيغ شبه التجريبية الشائعة. وعلى هذا الأساس، عمل الباحثون على استخراج علاقات ومعادلات جديدة لتصميم هذه الفواصل، نُشر عدد منها في عدة مقالات ضمن دوريات دولية مرموقة. كما نجح الفريق في تنفيذ دائرة للجريان متعدد الأطوار باستخدام حساسات ومتحكمات محلية الصنع.
وفي شرحه لآلية التقييم النهائي للمشروع، قال فدائي: إن الفريق اعتمد أسلوب «الأجهزة ضمن الحلقة» (HIL)، وهو أسلوب متقدم يُختبر فيه النموذج الذكي، بعد نجاحه مخبرياً، على نطاق حقلي ضمن بيئة محاكاة واقعية. وأوضح أن الاختبارات أسفرت عن نتائج وصفها بأنها «ممتازة للغاية».
15دراسة علمية في مجالات متعددة
وفي ختام حديثه، أشار فدائي إلى الحصيلة العلمية لهذا المشروع، مؤكداً أن جميع مراحله تضمنت على عناصر ابتكارية، وقد أُنجزت حتى الآن ١٥ دراسة علمية نُشرت في دوريات ISI ودوريات بحثية متخصصة. ومن أبرز محاور هذا العمل توظيف الخوارزميات التنبؤية، مثل مرشح كالمان، في إدارة الحقول الحقيقية، وهي نتائج نُشرت في دورية Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature. وأضاف أن مقاومة الضوضاء والاضطرابات التشغيلية، وسهولة الاستخدام، والطابع المحلي للتقنية، تمثل من بين السمات الأبرز لهذا الإنجاز.