تقدم الولايات المتحدة نفسها باعتبارها القوة الأعظم في العالم، بما تمتلكه من نفوذ اقتصادي وعسكري وسياسي واسع يتيح لها خوض الحروب، وتمويل الجيوش والتحالفات، والتدخل في أزمات وشؤون دول تقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها. لكن خلف هذه الصورة عن القوة والنفوذ تبرز صورة أخرى أكثر قتامة داخل المجتمع الأمريكي: مواطنون يكافحون لتأمين الغذاء والسكن والعلاج، أسر مهددة بالتشرد، وعمال لا تكفي أجورهم لتوفير حياة مستقرة.
تكشف الشهادات التي أوردها الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف أنه الفقر في الولايات المتحدةلم يعد ، بالنسبة إلى كثيرين، أزمة عابرة، بل تحول إلى دائرة من الحرمان تتوارثها الأجيال. وبينما تمضي واشنطن في حروبها وعدوانها وتدخلاتها ضد دول وشعوب، وتوظف قوتها العسكرية لترسيخ نفوذها ومصالحها، يواجه قسم كبير من الأمريكيين الفقر وغلاء المعيشة والتشرد. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: إذ تبدو سياسة الهيمنة الخارجية أكثر أولوية من حماية المواطن في الداخل، حيث يبحث ملايين الأمريكيين عن الغذاء والسكن والعلاج.
الوجه الذي تحاول أمريكا إخفاءه
خلف الاقتصاد الأمريكي الضخم والأسواق المالية وشركات التكنولوجيا العملاقة، يعيش ملايين الأشخاص ظروفاً لا تنسجم مع الصورة التقليدية عن الثراء الأمريكي. ويعرض كريستوف نموذجاً لذلك من خلال قصة ترينيتي غودمان، التي اضطرت إلى بيع بلازما دمها مرتين أسبوعياً لتأمين احتياجاتها الأساسية، واعتمدت على المساعدات الغذائية وبنوك الطعام، بينما عاشت سنوات تحت تهديد التشرد.
ولا تكمن أهمية هذه القصة في بعدها الإنساني فقط، بل في كونها تكشف مفارقة اقتصادية عميقة: كيف يمكن أن يعيش إنسان في دولة تمتلك واحدة من أضخم الاقتصادات في العالم، مضطراً إلى بيع جزء من جسده لتأمين حاجاته الأساسية؟ هنا لا يعود الفقر مجرد نقص في الدخل، بل يتحول إلى أزمة كرامة وأمان واستقرار.
وتتكرر الصورة مع لاتويا فوستر، وهي أم لستة أطفال تعمل في مطعم للوجبات السريعة بأجرٍ منخفض، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن دفع إيجار منزلها بعد توقف المساعدات الغذائية. وتكشف هذه الحالة أن امتلاك وظيفة لم يعد بالضرورة ضمانا للخروج من الفقر، حين تعجز الأجور عن مواكبة ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية.
أمن المواطن الأمريكي.. أولوية مؤجلة
من هنا يصبح الربط بين السياسة الخارجية الأمريكية والواقع الاجتماعي الداخلي ضرورياً، لا باعتبار الإنفاق العسكري السبب الوحيد للفقر، وإنما باعتباره جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بالأولويات السياسية. فالولايات المتحدة تنفق موارد هائلة للحفاظ على تفوقها العسكري ونفوذها العالمي، بينما يبقى دعم الفئات الأكثر فقراً موضع جدل سياسي مستمر.
فالفقر الأمريكي نتاج عوامل متراكمة تشمل ضعف الأجور، وارتفاع أسعار السكن، وتكاليف التعليم والرعاية الصحية، واتساع فجوة الثروة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. لكن استمرار تخصيص موارد ضخمة للحروب والتسلح والتدخلات الخارجية، في الوقت الذي تكافح فيه الأسر الفقيرة للحصول على الغذاء والسكن والعلاج، يطرح سؤالاً يتجاوز الحسابات المالية إلى طبيعة الدولة نفسها: ما الذي تعتبره واشنطن ضرورياً لأمنها، وما الذي تضعه في مرتبة ثانوية عندما يتعلق الأمر بأمن مواطنيها؟
فالأمن القومي لا يمكن اختزاله في الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية. فالمواطن الذي يخشى الجوع أو فقدان منزله، والطفل الذي يُحرم من تعليم جيد بسبب فقر أسرته، يواجهان أيضاً شكلاً من أشكال انعدام الأمن. ومن هذه الزاوية، يصبح الفقر قضية أمن اجتماعي واقتصادي، لا مجرد ملف مساعدات.
اقتصاد الحروب في مواجهة اقتصاد الحياة
تظهر المفارقة بصورة أوضح عند مقارنة احتياجات آلة الحرب باحتياجات المواطن اليومية. فالحروب تحتاج إلى الأسلحة والطائرات والسفن والقواعد وشبكات الإمداد والشركات الدفاعية والعقود الحكومية، بينما يحتاج المواطن إلى منزل يستطيع تحمّل تكلفته، وطعام، وعلاج، وتعليم جيد، ووظيفة تضمن له حياة مستقرة.
ولا يعني ذلك أن موارد الإنفاق الدفاعي يمكن تحويلها ببساطة إلى برامج اجتماعية، أو أن الإنفاق العسكري وحده يفسر الفقر الأمريكي. لكن المشكلة تكمن في أن القوة العسكرية تحظى بمكانة راسخة باعتبارها أداة لحماية النفوذ والمصالح الأمريكية، بينما تصبح برامج الدعم الاجتماعي عرضة للمساومة والتقليص كلما احتدمت النقاشات حول الموازنة.
وهنا يظهر التناقض: الدولة التي تستخدم قوتها السياسية والاقتصادية لتأمين مصالحها في الخارج لا توظف دائماً القوة ذاتها لمعالجة أسباب الهشاشة في الداخل. فبدلاً من أن يكون الأمن الاقتصادي جزءاً من مفهوم الأمن القومي، يترك المواطن الفقير في كثير من الأحيان لمواجهة السوق وارتفاع الأسعار وكأنه المسؤول وحده عن ظروفه.
الفقر في أمريكا.. حين يتحول الحرمان إلى إرث
ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة في الجمهوريين وحدهم لا يقدم تفسيراً كاملاً، كما أن تحميل الديمقراطيين وحدهم المسؤولية لا يفسر استمرار المشكلة. فأزمات السكن والتشرد والتفاوت في الدخل والفرص موجودة في الولايات التي يحكمها الطرفان، ما يشير إلى أزمة أعمق من التنافس الحزبي.
فقد راكمت الولايات المتحدة على مدى عقود تفاوتاً كبيراً في توزيع الثروة والفرص. تستطيع الأسر الغنية تأمين السكن في مناطق تضم مدارس أفضل، والحصول على رعاية صحية وتعليمية أكثر جودة، وتوفير شبكة من العلاقات والموارد التي تمنح أبناءها فرصاً أكبر في المستقبل. فالطفل الذي يولد في أسرة فقيرة قد يبدأ حياته أصلاً من نقطة متأخرة، قبل أن تتاح له فرصة إثبات قدراته.
وهكذا لا يعود الفقر نتيجة قرار فردي بسيط، بل يصبح نقطة بداية غير متكافئة. فالطفل الفقير قد يرث السكن الهش والتعليم الأضعف والرعاية الصحية المحدودة والضغوط النفسية، ثم يدخل سوق العمل بفرصٍ أقل. وفي المقابل، تنتقل امتيازات الأغنياء إلى أبنائهم كما تنتقل الثروة نفسها.
وتختصر قصة إيمانويل لاستر هذه الحلقة بصورة مؤلمة. فقد رآه كريستوف قبل سنوات مراهقاً واعداً، ثم انتهى به الأمر في السجن، فيما يعيش أطفاله ظروفاً قريبة من تلك التي عاشها والدهم. وهنا يتحول الفقر من مشكلة اقتصادية إلى إرث اجتماعي، ومن أزمة مؤقتة إلى مسار يعيد إنتاج نفسه.
والأخطر أن هذا الواقع يجعل الحديث عن “تكافؤ الفرص” يصطدم بحقيقة أن مكان ولادة الطفل ودخل أسرته يمكن أن يحددان إلى حد كبير مسار حياته. لذلك لا تكمن المشكلة فقط في عدد الفقراء، وإنما في نظام يسمح بأن تتحول الثروة إلى امتياز موروث، والفقر إلى مصير موروث.
قوة في الخارج..وهشاشة في الداخل
بينما تنفق واشنطن على الحروب والتسلح وتوسيع نفوذها خارج الحدود، يواجه مواطنون أمريكيون الجوع والتشرد وغلاء السكن والعلاج. فالدولة التي تمارس العدوان والتدخلات العسكرية ضد شعوب العالم، تعجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة لجزء من شعبها، لتكشف سياساتها تناقضاً صارخاً بين الهيمنة الخارجية والفقر الداخلي.