خلال حرب رمضان، فُرضت قيود على الإنترنت استناداً إلى مبررات أمنية، واستمرت بطبيعة الحال مدة طويلة نسبياً. وكان الناس يتوقعون، رغم انحسار التوترات، أن يعود الإنترنت الدولي إلى وضعه السابق في وقت أبكر بكثير. منذ متى توصلتم إلى قناعة بأن استمرار هذه القيود بات يخلق تكاليف اقتصادية واجتماعية أكثر مما يحقق من مكاسب أمنية؟ وما كانت حجتكم الأساسية، وما أشكال المقاومة التي واجهتموها؟
من الطبيعي أن تكون وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إلى جانب المهام الموكلة إليها في مجال التيسير والتنمية، في الخط الأمامي للتفاعل مع الناس والسوق وأعمال الاقتصاد الرقمي وسائر الصناعات المعتمدة على الإنترنت.
ولذلك، فإن تداعيات وتكاليف أي اضطراب في الاتصالات، حتى قبل وقوعه، تكون واضحة بالنسبة إلى وزارة الاتصالات وزملائنا.
وانطلاقاً من ذلك، كانت وزارة الاتصالات، منذ الأيام الأولى، تعتقد أن القيود على الاتصالات يجب أن تكون، قدر الإمكان، مُدارة ومحددة الأهداف وقصيرة الأمد، وألّا يتحول قرار مؤقت إلى وضع استنزافي طويل الأمد.
وفي ظروف الحرب، من الطبيعي أن تؤخذ الاعتبارات الأمنية ومتطلبات البلاد في الحسبان، ووزارة الاتصالات تعتبر نفسها مسؤولة أيضاً تجاه هذه الاعتبارات؛ لكن مهمتنا، في الوقت نفسه، هي التقييم المستمر للآثار الفنية والاقتصادية والاجتماعية لكل قرار، ورفع التقارير بشأنها إلى المسؤولين والمؤسسات العليا.
وكلما طال أمد هذا الوضع، ظهرت أدلة أكثر على آثاره الثانوية في الاقتصاد الرقمي والتعليم والبحث العلمي والخدمات العامة والأعمال التجارية وحتى حوكمة الفضاء السيبراني.
ولذلك، فإن نقاشنا منذ البداية لم يكن صراعاً بين «الأمن» و«الإنترنت»، بل كانت المسألة تتمثل في كيفية توفير الأمن بأقل كلفة ممكنة على حياة الناس والبنى التحتية للبلاد.
وفي اعتقادي، فإن هذه الرؤية نفسها ساعدت في نهاية المطاف على التوصل إلى توافق وطني لإعادة الاتصالات إلى ظروفها الطبيعية.
إلى أي مدى أسهم تشكيل الهيئة الخاصة للفضاء السيبراني، بأمر من رئيس الجمهورية وبرئاسة الدكتور عارف، في تسهيل رفع القيود عن الإنترنت بعد الحرب الأخيرة وتسريع هذه العملية؟
ينبغي اعتبار تشكيل الهيئة الخاصة خطوة مهمة لإيجاد التنسيق والتكامل بين الأجهزة المسؤولة في قضية متعددة الأبعاد.
فقد أصدر رئيس الجمهورية، بالنظر إلى ظروف البلاد وضرورة إيجاد الانسجام في حوكمة الفضاء السيبراني، أمراً بتشكيل هذه الهيئة، وأسند مسؤوليتها إلى الدكتور عارف؛ وهو شخصية تتمتع بخبرة إدارية في مجال الاتصالات، فضلاً عن معرفتها بالأبعاد الفنية والاقتصادية لهذا القطاع.
وكانت وزارة الاتصالات قد قدّمت، منذ مدة طويلة، تقارير مستمرة ومتعددة إلى المؤسسات العليا. كما عُقدت، منذ 12 مايو/ أيار 2026 وحتى التوصل إلى الخلاصة النهائية، اجتماعات مكثفة ومتواصلة، ودُرست القضية من مختلف جوانبها.
وفي نهاية المطاف، أُقرّ في الهيئة قرار إعادة الإنترنت إلى الظروف التي كان عليها قبل فرض القيود، وبعد صدور توجيهات رئيس الجمهورية، أُنيط بوزارة الاتصالات تنفيذ الجانب الفني منه.
وقد أظهرت هذه العملية أنه عندما تُبحث القضايا المعقدة ضمن إطار منسق وبحضور الأجهزة المعنية، تزداد أيضاً إمكانية التوصل إلى خلاصة عملية وشاملة.
المؤكد أن هناك اختلافات في الآراء ووجهات نظر اقتصادية وأمنية وفنية متعددة بشأن توقيت رفع القيود عن الإنترنت. كيف تمّ التوصل في نهاية المطاف إلى توافق داخل الهيئة؟ وما المؤشرات الفنية والأمنية التي أُخذت في الحسبان لتخفيف القيود على الإنترنت؟
من الطبيعي أن توجد وجهات نظر مختلفة بشأن قضية بهذه الدرجة من الأهمية، بل إن نقطة قوة أي آلية وطنية لاتخاذ القرار تكمن في الاستماع إلى هذه الآراء.
وفي الهيئة الخاصة، جرت محاولة لعدم النظر إلى القضية من زاوية واحدة فقط، بحيث تؤخذ في الحسبان الاعتبارات الأمنية واستقرار الشبكة، إلى جانب الآثار الاقتصادية والاجتماعية، ووضع الخدمات الحيوية، والاحتياجات العلمية والتعليمية، ومتطلبات حوكمة الفضاء السيبراني.
ومن الدروس المهمة للمرحلة الأخيرة أن جميع أصحاب المصلحة والأجهزة المسؤولة بات واضحاً لديهم أن «الإنترنت» ليس مجرد خدمة اتصالات.
ولذلك، عندما يكون اضطراب الاتصالات قادراً على التأثير في الخدمات المصرفية والتجارة والتعليم والصحة والنقل والأعمال التجارية والأمن السيبراني، فلا بد أن يكون اتخاذ القرار بشأنه متعدد الأبعاد أيضاً.
وفي نهاية المطاف، تبلور التوافق على أساس أن إعادة الاتصالات إلى الظروف الطبيعية، في ضوء مجمل الاعتبارات والتقييمات التي أُجريت، تصب في اتجاه المصالح الوطنية.
هل كانت هناك تقديرات محددة في الهيئة الخاصة للفضاء السيبراني لحجم الخسائر الناجمة عن القيود على الإنترنت، بما يشمل الخسائر الاقتصادية والأضرار التي لحقت بالأعمال والاقتصاد الرقمي والتداعيات الاجتماعية؟ وهل لعبت هذه التقديرات دوراً في القرار النهائي؟
لقياس الخسائر، يجب التمييز بين الضرر المباشر، وتراجع الإيرادات، والأرباح الفائتة، والآثار الثانوية. كما أن هذه الأمور لا يمكن بالضرورة قياسها جميعاً بطريقة واحدة، وللأسف يجب القول إن إجراء تقدير دقيق وكامل للخسائر غير ممكن أساساً، بسبب اتساع نطاق الخدمات القائمة على الإنترنت وتشابكها مع حياة الناس والأعمال التجارية.
واستناداً إلى التقارير التي قُدمت في الاجتماعات التخصصية، كانت الخسائر المباشرة وتراجع الإيرادات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاقتصاد الرقمي، حتى منتصف نحو 5 مايو/ أيار 2026، قد تجاوزت 67 تريليون تومان خلال الحرب، ومن الطبيعي أن استمرار القيود كان يمكن أن يوسع نطاق هذه التداعيات.
وهذا الرقم لا يمثل سوى جزء من الواقع، وكما أشرت، فإنه لا يعكس بصورة كاملة تكاليف مثل ضياع فرص الاستثمار، وتضرر الثقة، وتراجع نشاط الأعمال التجارية، والآثار البشرية والعلمية.
ولذلك نعم، كان تقييم التكاليف أحد العناصر المهمة في النظرة التخصصية إلى القضية. لكنني أؤكد أن القرار النهائي لم يكن نتاج رقم واحد أو تقرير اقتصادي واحد، وإنما جاء نتيجة النظر إلى مجموعة من الاعتبارات الأمنية والفنية والاقتصادية والاجتماعية والمتعلقة بالحوكمة مجتمعة.
هل تستطيعون اليوم أن تقولوا للناس إنه في حال واجهت البلاد مجدداً ظروفاً مماثلة، فقد جرى وضع بروتوكول محدد لإدارة الإنترنت، أم أن القرارات ستظل تُتخذ كل حالة على حدة؟ وهل يمكن طمأنة الناس إلى أن تقييد الإنترنت مستقبلاً سيكون الخيار الأخير، لا ردّ الفعل الأول؟
ما أستطيع قوله بصراحة هو أن التجربة الأخيرة أثبتت أن اتخاذ القرار بشأن الإنترنت يجب أن يتم بأقصى درجات الدقة، وبعد دراسة جميع التداعيات، وفي إطار الآليات القانونية للبلاد.
ولا يمكن اتخاذ أي قرار بشأن الاتصالات من دون مراعاة آثاره في الناس والاقتصاد والخدمات الحيوية وأمن البلاد.
ونحن في وزارة الاتصالات نعتقد أن النهج الصحيح هو: «لا عزلة رقمية ولا تبعية مطلقة، بل تنمية متوازنة وذكية».
وهذا يعني أنه ينبغي لنا، من جهة، تعزيز الصمود الداخلي، ومن جهة أخرى، الاستفادة من الإمكانات الاتصالية والتكنولوجية في العالم من أجل تنمية البلاد.
ويجب أن يكون الهدف، عبر تعزيز البنى التحتية وآليات إدارة الأزمات، تقليص نطاق الاضطرابات وكلفتها إلى أدنى حد ممكن.
وهذه الرؤية أكثر انسجاماً مع المتطلبات الأمنية للبلاد، وكذلك مع حقوق الناس والاحتياجات التنموية لإيران.
بالنظر إلى تشكيل الهيئة الخاصة للفضاء السيبراني، ما الآلية التي جرى التفكير فيها لتوفير إعلام شفاف خلال الأزمات المحتملة مستقبلاً، بحيث يكون المستخدمون على دراية بالوضع والقرارات المتخذة؟ وبعبارة أخرى، كيف ستحقق هذه الهيئة التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحق المواطنين في الوصول إلى الإنترنت؟
كان أحد الدروس المهمة لهذه المرحلة أهمية التواصل الشفاف والمنتظم مع الناس، بما يؤدي إلى إيجاد الفهم والتعاون والثقة المتبادلة.
وفي ظروف الأزمات، من الطبيعي ألّا يكون من الممكن نشر جميع المعلومات، ويجب مراعاة الاعتبارات الأمنية، لكن ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام.
ومن المهام المهمة لأمانة الهيئة الخاصة ومجموعات العمل التابعة لها المساعدة في تعزيز التنسيق في سياسات الفضاء السيبراني.
وفي اعتقادي، ينبغي أن يشمل جزء من هذا التنسيق طريقة الإعلام أيضاً، حتى يعرف الناس والأعمال التجارية خلال الأزمات ما وضع الشبكة، وما القرار الذي اتُخذ، وما آفاق الخدمات.
وتتعزز الثقة العامة عندما يشعر الناس بأنهم على اطلاع بالقرارات التي تؤثر بصورة مباشرة في حياتهم.
يعتقد الرأي العام أن وزير الاتصالات هو صاحب القرار النهائي بشأن الإنترنت، بينما هيكلية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً. نرجو أن توضحوا بصراحة: خلال الحرب، ما دور وحدود مسؤولية وزارة الاتصالات والمجلس الأعلى للفضاء السيبراني والهيئة الخاصة للفضاء السيبراني؟
في الواقع، فإن هذا التصور الخاطئ بأن اتخاذ القرار بشأن الإنترنت يقع في يد وزارة الاتصالات قد جرى تصحيحه إلى حد كبير الآن.
فلوزارة الاتصالات مسؤوليات محددة في مجال البنية التحتية والشبكة والجودة وتنفيذ القرارات المبلغة إليها؛ لكن وضع السياسات واتخاذ القرارات في مجال الفضاء السيبراني قضية متعددة المستويات وعابرة للمؤسسات، وتؤدي فيها مؤسسات مختلفة أدواراً وفق مهامها وصلاحياتها القانونية.
ولهذا السبب، شُكلت الهيئة الخاصة في التجربة الأخيرة بأمر من رئيس الجمهورية، بهدف إيجاد التنسيق بين الأجهزة المعنية. كما رُفع قرار الهيئة، بعد استكمال المسار المقرر، إلى رئيس الجمهورية، وبعد إبلاغه، تولت وزارة الاتصالات مسؤولية تنفيذ الجوانب الفنية والعملياتية للقرار.
ولذلك أعتقد أنه بدلاً من تقسيم الحصص والمسؤوليات بين الأجهزة، ينبغي التركيز على مبدأ واحد: اتخاذ القرار بصورة منسقة وتنفيذه بمسؤولية في إطار القانون.
فهذا النهج يمنع تعدد الأصوات والغموض في المجتمع، ويبقي في الوقت نفسه مسؤولية كل جهاز واضحة.
تحدثتم مراراً عن تطوير الذكاء الاصطناعي؛ لكن الواقع هو أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي والوصول إلى البنى التحتية السحابية والمقالات والنماذج مفتوحة المصدر والتعاون الدولي يصبح بالغ الصعوبة من دون وصول مستقر وواسع إلى الإنترنت. ألا تؤدي قيود الإنترنت إلى تأخير البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي؟
نعم. من حيث المبدأ، تُعدّ الاتصالات المستقرة أحد المتطلبات الأساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على شراء المعدات وإنشاء مراكز المعالجة.
والوصول إلى المصادر العلمية والنماذج والبيانات والبرمجيات والتعاون البحثي والشبكة العالمية للمعرفة هو أيضاً جزء من هذه السلسلة.
من جهة أخرى، فإن الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية العلمية والجامعية خلال الحرب مسألة بالغة الخطورة.
فالمجتمع العلمي يمثل رصيداً تكوّن على مدى عقود، ولا يمكن الحفاظ عليه بمجرد إعادة البناء المادي للمباني.
واستمرار نشاط الباحثين ووصولهم إلى المصادر وإتاحة التعاون العلمي لهم هي أيضاً أجزاء من الصمود العلمي للبلاد.
ولهذا السبب، يجب أن يرتكز تطوير الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه على ركيزتين: بنية تحتية قوية للمعالجة والبيانات في الداخل، واتصال علمي وتكنولوجي مستقر بالعالم. وهذا ينسجم تماماً مع سياسة «لا عزلة رقمية ولا تبعية مطلقة».
إذا أراد مستثمر أجنبي، أو حتى مستثمر محلي، دخول الاقتصاد الرقمي الإيراني، فما الضمان الذي يمكن تقديمه لإقناعه باستقرار الإنترنت؟
يحتاج المستثمر، قبل أي شيء آخر، إلى القدرة على التنبؤ. فالاستثمار في الاقتصاد الرقمي، ولا سيما في القطاعات المتعلقة بالبنية التحتية، مثل تطوير الألياف الضوئية التي تتميز بطول فترة استرداد رأس المال، يتشكل عندما يتمكن الناشط الاقتصادي من تصميم نموذج أعماله للسنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، ويطمئن إلى أن البنية التحتية للاتصالات لن تكون أحد المتغيرات التي يتعذر التنبؤ بها.
وبطبيعة الحال، فإن تقديم ضمان مطلق للمستقبل، بالنظر إلى حدود الصلاحيات وتقسيم المسؤوليات المشار إليه، لا يقع ضمن صلاحيات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ لكننا نستطيع، وينبغي لنا، أن نجعل البنية التحتية الداخلية للبلاد أكثر صموداً، وأن نضمن استمرار الخدمات الحيوية حتى في ظروف الأزمات، وأن تُتخذ القرارات المتعلقة بالاتصالات استناداً إلى تقييم متعدد الجوانب وبأقل تأثير ممكن في الاقتصاد.
لو عدتم اليوم إلى بداية عمل الحكومة الرابعة عشرة، فما القرار الذي كنتم ستتخذونه بصورة مختلفة في مجال الفضاء السيبراني؟
ربما كان الاختلاف الأهم هو السعي إلى ترسيخ هذه النظرة متعددة الأبعاد إلى الإنترنت في وقت أبكر. فقد أثبتت تجربة العامين الماضيين أن قرارات الاتصالات لا يمكن النظر إليها حصراً ضمن إطار فني، ولا حتى من زاوية أمنية فقط.
واليوم، يحظى نهج الحكومة ووزارة الاتصالات، أكثر من السابق، بالتأييد، وهو يقوم على أن الاهتمام المتزامن بصمود البنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، وحقوق الناس، والأمن السيبراني، والعلم والتكنولوجيا، والثقة العامة أمر لا يمكن تجنبه.
فهذه العناصر ليست متعارضة، بل يجب، في إطار حوكمة فعالة، أن يعزز بعضها بعضاً. وإذا كان لإيران أن تحظى بالمكانة اللائقة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فينبغي لنا منذ اليوم تصميم بنى تحتية وقواعد تحقق التوازن بين الأمن والتنمية والوصول المستقر.
ما أكبر وعد لم تتمكن الحكومة حتى الآن من تحقيقه في مجال التكنولوجيا؟ وما السبب برأيكم؟
أفضّل، بدلاً من استخدام كلمة «وعد»، أن أتحدّث عن الأهداف المحددة في برنامج الحكومة وخطة التقدم السابعة. ومن أهم هذه الأهداف زيادة حصة الاقتصاد الرقمي من الناتج المحلي الإجمالي، وإنشاء البنى التحتية اللازمة لتطوير التقنيات الحديثة، ومن بينها الذكاء الاصطناعي.
وإلى جانب ذلك، هناك مشروعان ضخمان يصنعان المستقبل، هما المشروع الوطني الكبير لتطوير الألياف الضوئية والجيل الخامس من الاتصالات المتنقلة، اللذان يجري العمل على دفعهما إلى الأمام بكل طاقات وإمكانات وزارة الاتصالات والقطاع الخاص، باعتبارهما جناحي تنمية الاقتصاد الرقمي.
هذه أهداف كبيرة؛ لكن تحقيقها ليس في يد وزارة الاتصالات وحدها. فعلى سبيل المثال، يحتاج تطوير الألياف الضوئية والأجيال المتقدمة من الاتصالات المتنقلة إلى تعاون الوزارات والمؤسسات الأخرى، مثل البلديات في جميع أنحاء البلاد.
كما أن الاقتصاد الرقمي منظومة متكاملة، ويحتاج إلى ضمانات للاستثمار، ونظام مصرفي، وتعليم، وتشريعات، وإزالة العقبات أمام الأعمال، وتطوير المنصات، والشبكة الوطنية للمعلومات، والأمن والبنى التحتية، ويتوقف تحقيقه على تعاون القطاع الخاص والعديد من الأجهزة.
ولذلك، فإن أهم عمل يتعين علينا القيام به هو تقليص العقبات أمام هذه المنظومة، واحدة تلو الأخرى، والابتعاد عن السياسات المرحلية والمؤقتة.
فالتنمية الرقمية لا تتحقق من خلال مشروع واحد أو وزارة واحدة، بل هي، بالنظر إلى تسارع وتيرة التطور والظهور المتواصل للتكنولوجيات الحديثة، عملية وطنية ومستمرة.
هل تُتابع الهيئة الخاصة للفضاء السيبراني برنامجاً لإعادة الوصول الكامل إلى خدمات ومنصات الإنترنت ورفع الحجب عن شبكات التواصل الاجتماعي، مثل يوتيوب المحجوب حالياً، والذي تصفونه أنتم أنفسكم بأنه بمثابة جامعة؟ وهل يمكن لهذه الهيئة أن تمنع التعامل المزاجي وفرض القيود على وصول المستخدمين إلى شبكات التواصل الاجتماعي وخدمات الإنترنت؟
بصورة عامة، ينبغي اتخاذ القرار بشأن كل منصة وخدمة في إطار سياسات البلاد وآلياتها القانونية، ووزارة الاتصالات تعتبر نفسها ملتزمة بهذا الإطار؛ لكن هناك مبدأ واضح بالنسبة إلينا: يجب أن تكون جودة وصول الناس إلى الخدمات الرقمية ومستوى إتاحتها بالشكل الذي يلبي الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، ولا سيما في مجالات التعليم والبحث العلمي والأعمال والابتكار.
وقد قلت سابقاً بشأن يوتيوب إن هذه المنصة كانت بالنسبة إليّ أحد المصادر المهمة للتعلم. واليوم أيضاً، يُنشر جزء كبير من المواد التعليمية التخصصية والمحتوى العلمي عبر المنصات العالمية.
ولذلك، فإن رؤيتنا لا تقوم على اختزال القضية في كون منصة ما «مفتوحة أو مغلقة». نحن بحاجة إلى انتقال وتحول جذري في النهج والسياسات السابقة في مجال الفضاء السيبراني، لأن تداعيات القرارات السابقة باتت اليوم ماثلة أمام صانعي القرار ومتخذيه.
ومن ثم، فإن القضية الأساسية تتمثل في إيجاد منظومة رقمية سليمة وآمنة وتنافسية ومتاحة، تنمو فيها الخدمات المحلية، وفي الوقت نفسه لا يُحرم المجتمع من الفرص العلمية والتكنولوجية المتاحة في العالم.
في ختام عامين من عمل الحكومة، إذا أردتم تسمية قرار واحد باعتباره الأصعب خلال فترة توليكم الوزارة، فهل كانت إدارة الإنترنت خلال أيام الحرب والسعي لرفع القيود عنه من بين تلك القرارات؟
بداية، يجب أن أقول إنه منذ اليوم الأول لتولي هذه المسؤولية، كان نحو 60 في المئة من وقتي ووقت زملائي يُصرف في اجتماعات رفع القيود عن الوصول إلى الإنترنت، وقد أفضت هذه الاجتماعات، بالتعاون مع الأجهزة المسؤولة، إلى نتائج إيجابية أيضاً؛ لكن بعد اندلاع الحرب، أصبحت إدارة اتصالات البلاد في ظروف الحرب إحدى أصعب مراحل مسؤولية وزارة الاتصالات في تاريخ قطاع الاتصالات في البلاد.
فمن جهة، كنّا نتحمل مسؤولية حماية البنى التحتية واستمرار الخدمات الحيوية للبلاد، ومن جهة أخرى، كنّا نرى أن كل قرار يتعلق بالاتصالات يؤثر بصورة مباشرة ومتواصلة في حياة الناس والأعمال التجارية والجامعات واقتصاد البلاد؛ لكن ربما يكون الدرس الذي تعلمناه من هذه التجربة أهم من الظروف نفسها.
فأنا أعتقد أن الأمن والتنمية ليسا مسارين متعارضين. فالبلد الذي يمتلك بنية تحتية قوية للاتصالات، وشبكة وطنية قادرة على الصمود، وأمناً سيبرانياً واتصالات مستقرة، يتمتع في الواقع بقدرة أمنية أكبر.
ولذلك، أؤكد مجدداً في الختام أن تجربة الحرب الأخيرة أثبتت أن النهج الذي نسعى إليه يلبي احتياجات البلاد، وأن مستقبل إيران لا يكمن في العزلة الرقمية ولا في التبعية المطلقة، بل في التنمية المتوازنة والذكية؛ تنمية نرفع فيها قدراتنا واستقلالنا الداخليين إلى أقصى حد ممكن، وفي الوقت نفسه لا نحرم أنفسنا من المعرفة والأسواق والإمكانات العالمية.
وهذا هو النهج الذي تتبعه اليوم دول كثيرة أيضاً في حوكمة الفضاء السيبراني. فهي ليست مستعدة للتنازل بصورة كاملة عن حوكمتها وحقوقها الوطنية واقتصادها الرقمي لصالح شركات التكنولوجيا الكبرى، وفي الوقت نفسه لم تغلق حدودها السيبرانية أمام التفاعل والاستفادة من الإمكانات والأدوات الدولية.