س: أكدتم في تصريحاتكم الأخيرة أن الجامعات في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب ضرورة إصلاح أوضاعها الداخلية وتحديثها، ينبغي أن تكون في الخط الأمامي لإعادة بناء البلاد. هل يمكنكم أن توضحوا بصورة أدق الآلية التي سيجري من خلالها أداء هذا الدور؟
س: لا يُفترض بالجامعة أن تحل محل الجهاز التنفيذي؛ لكنها ينبغي أن تكون قادرة على تقديم حلول علمية وتكنولوجية للمشكلات الحقيقية التي تواجه البلاد. وفي مرحلة ما بعد الحرب أيضاً، تقع مسؤولية إعادة البناء على الأجهزة التنفيذية، فيما تستطيع الجامعة توفير المعرفة والتكنولوجيا اللازمتين لهذه العملية. وأعتقد أنه ينبغي أن نذهب خطوة أبعد من مجرد إعادة البناء وأن نفكر في «إعادة الابتكار»؛ أي ألّا تعود الأجزاء المتضررة إلى حالتها السابقة فحسب، بل أن يُعاد بناؤها، قدر الإمكان، بصورة أفضل وأكثر تطوراً مما كانت عليه، من خلال الاستفادة من أحدث المعارف.
وقد شاهدت نموذجاً على ذلك خلال زيارة أجريتها للاطلاع على عملية إعادة بناء المساكن الجامعية التي تضررت جراء الحرب في جامعة الشهيد بهشتي، وكذلك الموقع الجديد لمعهد أبحاث الليزر. ففي عمليات إعادة البناء هذه، كان هناك حرص على ألّا يُعاد ما تعرض للضرر إلى شكله السابق فحسب، بل أن تُهيأ ظروف أفضل من الماضي، مع مراعاة الاحتياجات الجديدة والتطورات التكنولوجية.
ويمكن اتباع النظرة نفسها في ما يتعلق بالصناعات والبنى التحتية وسائر القطاعات التي تضررت خلال الحرب المفروضة. ولتحقيق هذا الهدف، صُممت في وزارة العلوم آلية لإدارة عملية حل القضايا الكبرى للبلاد. فالوزارات، مثل وزارات الطاقة والنفط والصناعة والمناجم والتجارة والاتصالات والطرق والتنمية الحضرية، تطرح مشكلاتها واحتياجاتها، ومن ثم تقوم وزارة العلوم، استناداً إلى معرفتها بالقدرات العلمية والتخصصية الموجودة في البلاد، بربط الجامعات والمعاهد البحثية ومجمعات العلوم والتكنولوجيا القادرة في كل مجال بالجهاز المعني.
وبهذه الطريقة، تأتي الجامعة لمساعدة الأجهزة التنفيذية من خلال المجموعات التخصصية، والنوى المتمحورة حول حل المشكلات، والأبحاث التطبيقية، لكي تتم إعادة بناء البلاد بالاعتماد على القدرات العلمية والتكنولوجية المحلية، وبرؤية موجهة نحو المستقبل.
س: تحدثتم أيضاً عن الدور المحوري للجامعات في إعادة بناء البلاد. ما الذي تقصدونه تحديداً بمفهوم إعادة البناء؟
ج: عندما نتحدث عن إعادة البناء، فإننا لا نقصد فقط إعادة تشييد المباني والبنى التحتية المادية. لقد أظهرت البلاد خلال الحرب قدرة لافتة على مستوى الوحدة الوطنية والتضامن والاستقرار الاجتماعي، كما أظهر الشعب الإيراني مرة أخرى صموده وقدرته على التحمل. وفي الوقت نفسه، ألحقت الحرب أضراراً بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والصناعية والتكنولوجية والبيئية. ولذلك ينبغي النظر إلى إعادة بناء البلاد وإعادة ابتكارها في جميع هذه الأبعاد، ويمكن للجامعة، بما يتناسب مع إمكاناتها، المساعدة على ترميم الأضرار وتعزيز نقاط القوة التي تشكلت خلال هذه المرحلة.
وفي هذا السياق، تحظى إعادة البناء الاجتماعي وتعزيز رأس المال الاجتماعي بأهمية تأسيسية. فإذا كان من المقرر بناء غد إيران بالاعتماد على المعرفة والخبرة، فإن رأس المال الاجتماعي هو الأرضية التي تربط هذه التخصصات بعضها ببعض، وتربطها كذلك بالمجتمع.
ويمكن لعلماء الاجتماع والمتخصصين في العلوم الاجتماعية المشاركة في مجال رأس المال الاجتماعي وقضايا المجتمع، وللاقتصاديين وأساتذة الإدارة المشاركة في مجال الصمود وإعادة البناء الاقتصادي، وللمهندسين في مجالي الصناعة والبنى التحتية، وللمتخصصين الزراعيين في مجال الأمن الغذائي. كما أن الجمعيات العلمية، التي تضم شبكة واسعة من الأساتذة والخريجين الجامعيين في مختلف التخصصات، تمثل قدرة مهمة تتيح للمجتمع العلمي الدخول بصورة منظمة في معالجة قضايا البلاد.
وفي الأساس، أصبحت قضايا البلاد اليوم مترابطة إلى درجة لا يمكن معها التوصل إلى حلول مستدامة من دون اعتماد رؤية متعددة التخصصات. وقد بدأت هذه العملية بالفعل منذ الآن. ففي الاجتماعات التي عقدها رئيس الجمهورية مع مختلف الفروع العلمية، جرى إطلاع أساتذة تخصصات تمتد من الاقتصاد والإدارة إلى العلوم الاجتماعية والفنون والتاريخ والأدب على القضايا الكبرى التي تواجه البلاد، وقدموا في المقابل آراءهم وحلولهم.
وفي بعض الحالات، دخل أساتذة ومجموعات جامعية بالفعل في عملية حل المشكلات لصالح أجهزة كانت قد أعلنت عن احتياجاتها. وبالتالي، فإن إعادة البناء، وفق رؤيتنا، مفهوم شامل يمتد من الاقتصاد والصناعة إلى المجتمع والثقافة والبيئة والتكنولوجيا، فيما تشكل القدرات البشرية ورأس المال الاجتماعي للبلاد نقطة الربط بين جميع هذه المجالات.
س: أشرتم إلى أن الجامعات ستكون في الخط الأمامي لإعادة البناء. ضمن أي برامج وهياكل سيُترجم هذا الحضور عملياً؟
ج: لكي يصبح هذا الدور عملياً، ينبغي قبل كل شيء إطلاع الجامعات والمعاهد البحثية ومجمعات العلوم والتكنولوجيا على المشكلات الحقيقية التي تواجه البلاد. ولهذا الغرض، وضعنا ثلاثة مسارات:
المسار الأول هو أن تقوم الوزارات والأجهزة التنفيذية بإبلاغ «مكتب إدارة حل القضايا الكبرى للبلاد» في وزارة العلوم بالمشكلات التي تواجهها، بحيث يتم، بما يتناسب مع كل مشكلة، تحديد القدرات العلمية والتكنولوجية ذات الصلة وربطها بالجهاز المعني.
أمّا المسار الثاني، فيتمثل في القضايا والأولويات التي تُطرح على مستوى الحكومة، ويمكن للجامعات أن تدخل على خط العمل من أجل حلها.
والمسار الثالث يجري على مستوى المحافظات، حيث يجري تحديد مشكلات كل منطقة بالتعاون بين إدارة المحافظة والجامعة المرجعية فيها، ومن ثم تشكيل فرق تخصصية لمعالجتها.
وتضطلع وزارة العلوم في المسارات الثلاثة بدور الداعم والميسّر. فالجامعات والمعاهد البحثية تشكل فرق حل المشكلات، فيما توفر مجمعات العلوم والتكنولوجيا القدرات التكنولوجية والمسار اللازم لتحويل الحلول إلى منتجات وخدمات؛ وبالطبع، فإن حضور الجامعة في عملية إعادة بناء البلاد لا يقتصر على المشروعات الفنية والتكنولوجية. فجانب من هذه العملية يرتبط بالمجالين الاجتماعي والثقافي، وهنا تبرز أهمية قدرات الأساتذة والطلاب والجمعيات العلمية والتنظيمات الجامعية.
ونسعى إلى أن تتاح، إلى جانب النوى التخصصية لحل المشكلات، الأرضية اللازمة لمشاركة المجتمع الجامعي في معالجة القضايا الاجتماعية والثقافية للبلاد أيضاً. وبوجه خاص، ينبغي للطلاب والشباب النخب أن يشعروا بأن لهم حصة ومسؤولية في بناء غد إيران.
وجانب آخر من هذا البرنامج يتمثل في تقديم الدعم الموجه للنخب والمبتكرين الذين سيصنعون المستقبل العلمي والتكنولوجي لإيران. وفي هذا الإطار، جرى بالتعاون مع معاونيتي البحث والتكنولوجيا في وزارة العلوم، تخصيص دعم يصل إلى مليار تومان لكل مشروع للرسائل والأطروحات الجامعية الموجهة نحو إنتاج منتج. كما جرى في المجالين الاستراتيجيين للمياه والطاقة وضع منح تصل إلى 500 مليون تومان لتطوير المنتجات.
من جهة أخرى، خُصص دعم يصل إلى 400 مليار تومان لإنشاء مراكز ابتكار للذكاء الاصطناعي، بمشاركة الصناعات الكبرى داخل مجمعات العلوم والتكنولوجيا، كما وضعت تسهيلات تصل إلى ملياري تومان في مجال صناعة النماذج الأولية والتسويق التجاري. وإضافة إلى ذلك، جرى تخصيص تسهيلات ائتمانية لدعم الأنشطة البحثية والتكنولوجية والتسويق التجاري لأفكار أعضاء الفريق الوطني لأولمبياد الذكاء الاصطناعي.
وتقوم رؤيتنا على ألّا يكون الشباب النخب مجرد متلقين للدعم، بل يجب توفير الإمكانات اللازمة لهم لكي يحولوا أفكارهم ومعارفهم إلى منتجات وتكنولوجيا وحلول لمشكلات البلاد، ويكون لهم دور في بناء مستقبل إيران.
س: الدراسات التي أشرتم إلى أنها بدأت بهدف مراجعة وتحديث سياسات العلوم والتكنولوجيا والثقافة، ما المجالات التي تشملها؟ ومتى ستدخل مرحلة التنفيذ؟
ج: تشمل هذه المراجعة مختلف مجالات التعليم والبحث والتكنولوجيا والثقافة، وقد بدأ جزء منها بالفعل في وقت سابق. وفي ما يتعلق بالعلوم الأساسية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، أُعدت وثيقتان منفصلتان بهدف تعزيز مكانة هذه المجالات ومهماتها بما يتناسب مع التحولات والاحتياجات الجديدة للبلاد.
أمّا في القطاع البحثي، فإن تأمين المعدات المختبرية وتحديثها، وزيادة الدعم المقدم للباحثين، وتقديم المنح لأعضاء الهيئة العلمية، ووضع لائحة شاملة للمنح البحثية، كلها مدرجة على جدول الأعمال. إلى جانب ذلك، خصصنا في اللائحة الجديدة لترقية أعضاء الهيئات العلمية مكانة واضحة لدور الأساتذة وتأثيرهم في حل مشكلات المجتمع، بحيث لا يقتصر تقييم النشاط العلمي على عدد المقالات المنشورة فقط، بل يأخذ في الاعتبار أيضاً الأثر الاجتماعي للعلم وقدرته على حل المشكلات.
وفي مجال التعليم، بدأت الجامعات منذ مدة مراجعة المناهج الدراسية، ونسعى إلى ألّا يكون التعليم العالي بعيداً عن التطورات العلمية والتكنولوجية وعن الاحتياجات الجديدة لسوق العمل. فعلى سبيل المثال، أُنشئ 24 رمزاً لتخصصات جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، كما يجري التعامل بجدية أكبر مع مسألة التدريب على المهارات وزيادة قابلية توظيف الخريجين.
وفي المجال الثقافي أيضاً، تجري مراجعة السياسات في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع وضرورة تعزيز العلاقة بين الجامعة والمجتمع، وأصبحت موضوعات مثل المسؤولية الاجتماعية للجامعة، ومشاركة الأساتذة والطلاب في معالجة قضايا المجتمع، تحظى بمكانة أكثر بروزاً. وقد دخل جزء من هذه السياسات بالفعل مرحلة التنفيذ، في حين ستدخل بقية الأجزاء حيز التنفيذ تدريجياً بعد استكمال الدراسات وإقرار الوثائق واللوائح ذات الصلة.
وفي المجال التكنولوجي، تمثل سياساتنا في الوقت نفسه استجابة فورية لظروف ما بعد الحرب، وتوجهاً متوسط وطويل الأمد. وعلى المدى القصير، تتمثل أولويتنا في الحفاظ على القدرات القائمة ودعم الأعمال التي تضررت. واليوم تعمل في البلاد 60 حديقة للعلوم والتكنولوجيا، و283 مركز نمو، و23 مجمعاً للعلوم والتكنولوجيا، تضم أكثر من 16 ألف وحدة تكنولوجية ويعمل فيها أكثر من 161 ألف شخص، والحفاظ على هذا الرصيد يحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لنا.
ولهذا السبب نعمل على تأمين رأس المال التشغيلي، وتعزيز سلسلة التوريد، والحيلولة دون اضطرار الشركات التكنولوجية إلى تسريح موظفيها أو تقليص أعدادهم. أمّا في الأفق الأطول، فينبغي أن ننتقل من أشكال الدعم المتفرقة إلى سياسة تكنولوجية قائمة على المهمات، وأن تتحمل حدائق العلوم والتكنولوجيا مهمات أكثر تحديداً بما يتناسب مع احتياجات عملية إعادة بناء البلاد. ويشكل الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والآلات والمعدات المتطورة، والتكنولوجيات الاستراتيجية، أولويات هذه المرحلة.
وإلى جانب ذلك، ستتم متابعة تعزيز البنى التحتية شبه الصناعية لنحو ألفي وحدة تكنولوجية، وإنشاء 5 مختبرات تصنيع مشتركة «فاب لاب»، وتحقيق توزيع جغرافي أكثر ملاءمة للبنى التحتية التكنولوجية، وإيلاء اهتمام أكثر جدية لمتطلبات الدفاع غير العامل وحماية المراكز التكنولوجية. وبالتالي، دخل جانب من عمليات المراجعة هذه مرحلة التنفيذ بالفعل، بينما سيجري تنفيذ الجانب الآخر تدريجياً وبما يتناسب مع إقرار البرامج وتأمين متطلباتها.
س: كيف سيجري توزيع أدوار الجامعات الكبرى والجامعات في المحافظات والمعاهد البحثية ومجمعات العلوم والتكنولوجيا ضمن هذه الخريطة الجديدة؟
ج: يجري تقسيم العمل في هذه الخريطة استناداً إلى المزايا والقدرات والإمكانات التخصصية لكل جامعة ومؤسسة علمية. فالجامعات الكبرى والشاملة تملك بطبيعة الحال قدرة أكبر على الدخول في معالجة القضايا الوطنية والتكنولوجيات المتقدمة والمشروعات الكبرى والمتعددة التخصصات.
أمّا جامعات المحافظات، فينبغي أن ترتبط، أكثر من الماضي، بمشكلات مناطقها ومزاياها، وأن تؤدي دوراً في التنمية الإقليمية. وستدخل المعاهد البحثية، بما يتناسب مع مجالات تخصصها، في الدراسات الاستراتيجية ومعالجة القضايا التخصصية.
أمّا حصة حدائق العلوم والتكنولوجيا، فتتمثل بصورة محددة في نقل التكنولوجيا واستكمال سلسلة تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات. بعبارة أخرى، تنتج الجامعات والمعاهد البحثية المعرفة والحلول، فيما ينبغي للحدائق أن توفر الأرضية اللازمة لنقل هذه المعرفة والتكنولوجيا إلى الصناعة والسوق والأجهزة التنفيذية، وتسويقها تجارياً.
ويجري تنفيذ هذا النهج في إطار سياسة توجيه الجامعات نحو المهمات، وقد أُسندت حتى الآن 85 مهمة في مجالات مختلفة إلى الجامعات. وفي المرحلة التالية أيضاً، ستُسند المهمات الكبرى وطويلة الأمد إلى الجامعات الرئيسية في البلاد، بما يتناسب مع إمكانات كل جامعة ومزاياها. وعلى مستوى المحافظات أيضاً، ينبغي للجامعات، بالتعاون مع إدارات المحافظات، تحديد مشكلات المنطقة وأولوياتها، وتخصيص جزء من قدراتها التعليمية والبحثية والتكنولوجية لمعالجتها.
والهدف هو أن تعرف كل جامعة، إلى جانب مهمتها العامة في التعليم والبحث، أي قضية وطنية أو إقليمية تتحمل مسؤولية أكبر في حلها وتمتلك فيها ميزة أكبر، وأن تنظم قدراتها على هذا الأساس.
س: أشرتم في تصريحاتكم إلى أن هذه الحرب يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية لتعويض أوجه التأخر. كيف ينبغي لهذه الفرصة أن تفضي إلى نتائج ملموسة تحديداً في مجال التعليم العالي؟
ج: عندما نتحدث عن الفرصة، فإننا لا نقصد بأي حال من الأحوال تجاهل الخسائر التي سببتها الحرب. لقد ألحقت الحرب المفروضة أضراراً بالجامعات والبنى التحتية العلمية والبحثية ورأس المال البشري للبلاد؛ لكنها في الوقت نفسه وضعت أمامنا بصورة أكثر وضوحاً بعض الضرورات التي ربما كنا نوليها اهتماماً بوتيرة أبطأ في الظروف الطبيعية.
ومن الدروس التي يجب أن نستخلصها من هذه التجربة: هشاشة بعض البنى التحتية، وضرورة تقليل التبعية في المجالات الاستراتيجية، وأهمية الحفاظ على النخب ودعمها، والحاجة إلى إقامة ارتباط أكثر جدية بين الجامعة وقضايا البلاد. وإذا أفضى هذا الإدراك إلى إصلاح السياسات واتخاذ قرارات محددة، فمن الممكن تحويل جانب من التهديد إلى فرصة لتعويض أوجه التأخر. وينبغي أن تكون النتائج الملموسة لهذه النظرة قابلة للمشاهدة داخل الجامعة.
وفي هذا السياق، جرت محادثات مع رئيس الجمهورية بشأن تخصيص اعتمادات مالية لتحديث التعليم العالي. وينبغي تخصيص جانب من هذه الموارد لتجهيز المختبرات والبنى التحتية البحثية وتحديثها، فيما يُخصص جانب آخر لتوسيع فرص التفرغ والزيارات البحثية للأساتذة والباحثين وتعزيز العلاقات العلمية. فنحن في بعض المجالات بحاجة إلى قفزة لتعويض الفجوة التي نشأت، وهذا الأمر غير ممكن من دون الاستثمار في البنى التحتية والمعدات ورأس المال البشري.
وينبغي لجامعة ما بعد الحرب أن تكون أكثر قدرة على الصمود وأكثر حداثة، وأن تكتسب قدرة أكبر في مجال التكنولوجيات الاستراتيجية، وأن يكون تعليمها وبحثها العلمي أكثر ارتباطاً باحتياجات البلاد المستقبلية. وإلى جانب ذلك، يحظى الحفاظ على النخب واستقطابها، وتوفير الإمكانية لها لكي يكون لها تأثير فعلي، بأهمية خاصة. فهدفنا ليس مجرد إعادة الجامعة إلى الظروف التي كانت قائمة قبل الحرب. وكما نتحدث في عملية إعادة بناء البلاد عن «إعادة الابتكار»، ينبغي لنا أيضاً في مجال التعليم العالي أن نستفيد من هذه التجربة لبناء جامعة أقوى، وأكثر تمحوراً حول حل المشكلات، وأكثر استعداداً لمواجهة تحولات المستقبل.
س: ما دور الأساتذة والنخب الجامعية في هذا المسار؟ وكيف سيجري استخدام قدراتهم بصورة منظمة؟
ج: يجب أن يستند استخدام قدرات الأساتذة والنخب إلى معرفة دقيقة بإمكاناتهم وسجلاتهم. وفي الوقت الراهن، تتوافر لدينا معلومات مناسبة بشأن الأنشطة العلمية والبحثية وعقود أعضاء الهيئات العلمية المرتبطة بالصناعة، ومن المعروف أي الأساتذة لديهم تجارب ناجحة في حل مشكلات الصناعة والمجتمع، ومن تمكنوا من إنجاز مشروعاتهم في الوقت المحدد وبالجودة المناسبة. وفي الواقع، تشكلت قاعدة بيانات لقدرات الأساتذة والجامعات. وعند إحالة المشكلات التي تطرحها الأجهزة والمؤسسات الصناعية، يجري، استناداً إلى هذه المعلومات، تحديد الأساتذة والجامعات الذين يمتلكون أكبر قدر من الكفاءة والخبرة ذات الصلة، وتشكيل فرق لحل المشكلات. وبهذه الطريقة، تخرج مشاركة المجتمع العلمي من حالتها الظرفية القائمة على المعارف والعلاقات الشخصية، وتتحول إلى آلية منظمة.
س: أشرتم أيضاً إلى الخسارة المتمثلة في فقدان عدد من النخب العلمية والجامعية. ما البرنامج الذي أعدته وزارة العلوم لتعويض هذا الفراغ العلمي والبشري؟
ج: إن فقدان الكفاءات العلمية الفاعلة أمر بالغ الصعوبة والتأثير، ولا يمكن تعويضه بسهولة. فالثروة الأساسية لأي مجتمع هي موارده البشرية المبدعة والمتخصصة والملتزمة، وفقدان أي أستاذ أو نخبة علمية لا يعني فقدان شخص واحد فحسب، بل يعني فقدان جزء من خبرة البلاد ومعرفتها ورصيدها العلمي.
وإلى جانب دعم الأسر والمجتمع الجامعي المتضرر، تقع على عاتقنا مسؤولية مهمة تتمثل في ضمان عدم توقف المسار العلمي لهؤلاء الأساتذة، وتهيئة الأرضية لنمو جيل جديد من الأساتذة والباحثين والنخب الشابة وإتاحة المجال أمامهم لأداء أدوارهم.
ولهذا الغرض، سنعمل على توجيه إمكانات مثل برامج ما بعد الدكتوراه، ومهمات أعضاء الهيئات العلمية وفرصهم البحثية داخل الصناعة، والفرص البحثية الدولية، ومختلف أنواع المنح الدراسية، بصورة أكثر تركيزاً، وسنسعى إلى ربط جانب مهم منها بمعالجة المشكلات الحقيقية للبلاد.
وفي ما يتعلق بالفرص البحثية داخل البلاد أيضاً، فإن الهدف الأساسي هو تعزيز العلاقة بين الجامعة والصناعة، ونتوقع من الصناعات أن تضع مشكلاتها الحقيقية تحت تصرف الجامعات، وأن تستفيد من قدرات الأساتذة والباحثين الشباب في حلها. كما يجري العمل على مشروع لتدريب مديري الصناعة المستقبليين وإعدادهم، بمشاركة مجموعة من الأساتذة، بحيث يجري إعداد الأساتذة المؤهلين وأصحاب القدرات للاضطلاع بدور أكثر تأثيراً في القطاعات الصناعية والتكنولوجية للبلاد.
وفي المجال الدولي أيضاً، تتوافر إمكانات جيدة، ولا سيما في الدول الآسيوية وشرق آسيا، وينبغي الاستفادة منها بصورة أكبر. ولتعريف أعضاء الهيئات العلمية بهذه الفرص، نُظمت حتى الآن، في ست جامعات على الأقل، برامج للتعريف بإمكانات التعاون العلمي وفرص التفرغ والزيارات البحثية المتاحة في مختلف الدول.
وتعويض خسارة من هذا النوع ليس أمراً قصير الأمد؛ لكن علينا، من خلال الاستثمار بصورة أكثر جدية في جيل النخب المقبل، أن نضمن استمرار مسار إنتاج العلم في البلاد وتعزيزه.
س: هل تقدمون لنا أيضاً توضيحات بشأن إنشاء «مكتب الدراسات الاجتماعية للحرب» التابع لمعاونية الأبحاث في وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا، والمستقر في مقر معهد الدراسات الثقافية؟ وما ضرورة إنشاء هذا المكتب في الظروف الراهنة؟
ج: الحرب ليست مجرد ظاهرة عسكرية، كما أن آثارها لا تنتهي مع انتهاء العمليات العسكرية. فالحرب تؤثر في الأسرة، والاقتصاد، والهجرة، والتعليم، والثقافة، وأنماط الحياة، ورأس المال الاجتماعي، والذاكرة الجماعية، وحتى العلاقات بين مختلف فئات المجتمع.
من ناحية أخرى، يتشكل جانب من حقيقة الحرب في التجربة المعاشة للناس؛ بدءاً من مواجهة انعدام الأمن والفقدان والنزوح، وصولاً إلى تشكل مظاهر التضامن الاجتماعي والمشاركات الشعبية.
وقد جاء إنشاء مكتب الدراسات الاجتماعية للحرب انطلاقاً من هذه الرؤية، لكي تتم دراسة هذه التحولات وتوثيقها وفق منهج علمي، واستناداً إلى البيانات والأبحاث الميدانية. وبالنسبة لنا، تحظى قضية رأس المال الاجتماعي والتضامن الوطني بأهمية خاصة.
لقد أظهر المجتمع الإيراني خلال الحرب قدرة ملحوظة على التضامن والصمود والتحمل، وينبغي لنا أن ندرس بصورة علمية كيف تشكلت هذه القدرة، وما العوامل التي عززتها، وفي أي مجالات لا تزال هناك جوانب هشاشة، وكيف يمكن الحفاظ على هذا الرصيد وتعزيزه خلال مرحلة ما بعد الحرب. ولا يُفترض أن تقتصر مخرجات هذه الدراسات على نشر المقالات العلمية. فنحن نتوقع أن تفضي إلى تقارير للسياسات العامة، وقياسات للرأي العام، ومؤشرات للصمود الاجتماعي، ومقترحات محددة للأجهزة المعنية باتخاذ القرار، وأن تحول تجربة هذه المرحلة إلى معرفة تساعد على مواجهة تحديات المستقبل بصورة أفضل.
وللجامعة أيضاً موقع مزدوج في هذا السياق؛ فمن جهة، هي نفسها مؤسسة اجتماعية ينبغي أن تكون قادرة، في ظروف الحرب وما بعد الحرب، على مواصلة أنشطتها التعليمية والبحثية والاجتماعية بأقل قدر ممكن من الاضطراب، ومن جهة أخرى تقع عليها مسؤولية استخدام قدراتها العلمية للمساهمة في إعادة ابتكار سائر مؤسسات المجتمع.
ويتطلب تنفيذ هاتين المهمتين معرفة دقيقة بالتحولات الاجتماعية الناجمة عن الحرب.
ولهذا السبب، نعدّ الدراسات الاجتماعية للحرب جزءاً من عملية إعادة ابتكار البلاد؛ لأنه إذا كنا نريد اتخاذ قرارات بشأن غد إيران، فعلينا أولاً أن نعرف ما التغيرات التي أحدثتها الحرب في المجتمع، وأي قدرات ينبغي الحفاظ عليها، وأي أضرار ينبغي ترميمها.