رواية وزير الصحة عن تجربة النظام الصحي في الحربين المفروضتين ودروس للمستقبل

عندما كانت صحة الناس في الخط الأمامي

تُعدّ السنة التي مضت محطة مهمة وفريدة من نوعها ليس فقط في تاريخ إيران، بل في تاريخ القرن الأخير للعالم؛ سنة قُضيت بتجربة حربين مفروضتين مهيبتين وخاصتين؛ حربان استحوذتا على الجزء الأكبر من طاقة وقدرة النظام الصحي في البلاد خلال العام الماضي، ولا تزال آثارهما مستمرة.

محمدرضا ظفرقندي

وزير الصحة والعلاج والتعليم الطبي

 

 

والحقيقة هي أن الحروب ليست مجرد ميدان صراع عسكري؛ فكل حرب، في طبقاتها غير العسكرية وغير الأمنية، تُعدّ اختباراً لجميع المؤسسات والمنظمات والمجموعات الاجتماعية؛ اختباراً لمدى صمود المؤسسات والمنظمات وبالطبع البشر؛ كيف وبأي مقدار هي درجة جاهزيتنا؟ كيف تكون قراراتنا في ظروف الأزمات؟ إلى أي مدى نستطيع إدارة الموارد المحدودة؟ والأهم من ذلك كله، كيف وبأي مقدار نستطيع أن نبقى مع الشعب ولأجل الشعب؟

 

 

كانت كل من حرب الـ12 يوماً وحرب الـ40 يوماً ظاهرتين حديثتين في تاريخ حروب العالم، إلى حد يمكن اعتبارهما نقطة بداية لعصر جديد في التاريخ؛ ففي هاتين الحربين لم نكن في النظام الصحي الإيراني مواجهين لحروب كلاسيكية أو حتى حديثة، بل كنّا مواجهين لظروف جديدة لم يخضها العالم من قبل. بناءً عليه، فإن طريقة المواجهة مع هذه الحرب الشيطانية الحديثة والمجهولة نوعاً ما كانت تتطلب أيضاً مناهج جديدة. وقبل ذلك، كانت للنظام الصحي الإيراني في الدفاع المقدس تجربة قيمة لثماني سنوات، ورغم أننا كنا مواجهين بأشكال جديدة من العدوان غير الإنساني والحرب الهوجاء ضد البشرية؛ فإننا ولحسن الحظ كنّا قبل بداية حرب الـ12 يوماً منتبهين لهذه النقطة المفتاحية والمهمة، ولذلك واجهنا هذه الأزمة بجاهزية علمية وذهنية نسبية.

 

 

بشكل عام، فإن للحرب معنى خاصاً بالنسبة للنظام الصحي؛ ففي الوقت الذي يسعى فيه عموم المجتمع لإيجاد ملجأ والاستقرار في مكان آمن، وفي الوقت الذي تُغلق فيه العديد من المؤسسات والمنظمات أو تعمل بشكل شبه معطل، يبدأ عمل النظام الصحي بشكل خاص؛ وبالطبع في أيام الحرب، لا تكون المستشفيات مجرد مكان لعلاج جرحى الحرب، بل هي الملاذ الآمن للناس. فالأمراض لا تتوقف، والمرضى الذين يعيشون منذ سنوات مع السكري، والسرطان، وأمراض القلب، والفشل الكلوي… يجب أن يستمروا في علاجهم؛ وقطاع الصحة والوقاية لا يتوقف فحسب، بل يُتابع أحياناً بحساسية أكبر؛ فالطفل المريض، والأمّ الحامل، والمريض المحتاج لدواء خاص، والمسن المحتاج للرعاية، يجب أن يتلقوا الخدمات باستمرار؛ وكل هذه الخدمات كانت قائمة في الحربين اللتين مررنا بهما، ولم يحدث حتى أي إرباك في آلية تلقيح الأطفال في البلاد.

 

 

في الواقع، إن إحدى أهم وظائف النظام الصحي في ظروف الحرب هي تقديم الخدمات الصحية العادية وإدارة الظروف الخاصة والأزموية للحرب في آن واحد؛ وفي مثل هذه الظروف، تُعدّ إدارة الموارد المحدودة إحدى المسائل الأساسية. ففي الأزمة، لا يُسمح بالاستخدام غير الضروري للإمكانيات، ويجب الاستفادة الأفضل من الموارد المتاحة؛ على سبيل المثال، كنّا نعلم أن بعض المواد الحيوية مثل المصل والدم تكتسب أهمية خاصة في ظروف الحرب، وبناءً على ذلك، تم الأخذ بالحسبان 10 ملايين مصل وتخزينها، وإعداد نحو 1500 وحدة دم قبل بداية حرب الـ12 يوماً. وتلك الذخائر ساعدت في عدم الشعور بأي نقص عند الحاجة؛ وتلك الجاهزية لا ينبغي أن تكون محط اهتمامنا المستمر في قطاع تخزين الدواء والمعدات فحسب، بل يجب أن تكون كذلك في تدريب الكوادر، وامتلاك التعليمات والبروتوكولات، والمرونة اللازمة في ظروف الأزمات، وتدريب السيناريوهات، والتنسيق بين المستشفيات، وجاهزية الطوارئ وقسم تشخيص وفرز المرضى. وإن تفويض العديد من الأمور خلال هاتين الأزمتين إلى المحافظات نفسها أدى إلى إلغاء بعض السياقات الروتينية غير الضرورية في البيروقراطية الإدارية. كما أدى إلى إضفاء المرونة والرشاقة على المنظمات في اتخاذ القرار والعمل، ومزيد من التنسيق والتعاون بين المنظمات والإدارات داخل المحافظة، والاستفادة الأفضل من الإمكانيات المحلية، وتقليل النفقات، ونتيجة لذلك تقديم خدمة أفضل للناس. وفي مجال الصحة أيضاً، استفادت جامعات العلوم الطبية ومجموعة النظام الصحي في المحافظات من هذه الصلاحيات والظروف الداخلية؛ مضافاً إلى أنه تم تحديد محافظة معينة لكل محافظة ليكون إمكان التعاون بين المحافظات متاحاً أيضاً.

 

 

الحروب؛ اختبار لصمود النظام الصحي

 

 

في هاتين الحربين المفروضتين، كانت إحدى أهم تجاربنا هي أن الأزمة يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة. فحرب اليوم ليست بالضرورة كحروب الماضي. وعندما تقع أزمة في البيئة الحضرية، لا تقتصر تداعياتها على ميدان الحادثة فحسب، بل تتسع لتشمل الحياة اليومية للناس، والتنقل وهجرة السكان، والضغط النفسي للمجتمع، والاحتياجات الصحية الجديدة؛ وكان أحد الفروق المهمة لهذه التجربة مع حروب الماضي هو أننا كنّا مواجهين لظروف انتقل فيها أجزاء من المجتمع بسبب القلق وعدم الأمان. وهذا الانتقال السكاني يُعدّ بحد ذاته مسألة صحة عامة. فعندما يرتفع عدد سكان منطقة مثل شمال البلاد بشكل مفاجئ ويُضاف عدة ملايين شخص إلى السكان المقيمين في محافظات شمال البلاد، يجب التفكير في حل لطاقة المستشفيات، والخدمات الصحية الأولية، والدواء، والقوى البشرية، وتوفير إمكانية التخصيص السريع والمرن للموارد المتاحة؛ وتلك التجربة ذكرتنا بأنه في إدارة الأزمات، لا ينبغي النظر فقط إلى نقطة الإصابة أو مكان الحادثة؛ بل يجب رؤية التداعيات الاجتماعية والإنسانية للأزمة أيضاً؛ وأن تكون للموارد والأدوية والمعدات توزيع جغرافي مناسب لظروف الأزمة، ولا تكون مكدسة أو مخزنة في نقاط معدودة فقط.

 

 

 الدواء والمعدات؛ العمود الخفي لإدارة الأزمات

 

 

كان الحفاظ على سلسلة تأمين الدواء والمعدات الطبية أحد أهم هواجسنا في أيام الحرب؛ ويُتَصوَّر أحياناً أن أهم مسألة للنظام الصحي في الحرب هي مجرد علاج الجرحى؛ لكن الحقيقة هي أن جزءاً كبيراً من مسؤوليتنا هو الحفاظ على صحة ملايين البشر المرضى والذين ترتبط حياتهم باستمرار الخدمات الصحية؛ ولهذا السبب، كان الاهتمام بالذخائر الاستراتيجية أحد المحاور الرئيسية لإدارة الأزمات. إن التنبؤ بذخائر المواد الحيوية مثل المصل، والدم، والأدوية الضرورية، والمعدات المستهلكة في المستشفيات، يُعدّ جزءاً من جاهزية النظام الصحي. وتجربة الحرب نبهتنا مرة أخرى إلى أن الأمن الدوائي ليس مجرد امتلاك مخزون؛ فالأمن الدوائي يعني صمود كامل سلسلة الصحة؛ أي إمكانية استمرار الإنتاج، والاستيراد، والتخزين، والتوزيع، والنقل، ووصول المريض في ظروف الأزمة. وفيما يتعلق بالمعدات مستقبلاً، يجب أن تتغير نظرتنا للمعدات الطبية من «تأمين السلعة» إلى «إيجاد طاقة صامدة»؛ أي لا يكفي مجرد امتلاك معدات كافية، بل من المهم أيضاً معرفة ما هي المعدات الأكثر حيوية، وفي حال تضرر مركز علاجي، ما هو بديله؟ وكيف يمكن نقل طاقة المستشفيات واستمرار تقديم الخدمات دون انقطاع؟

 

 

 القوّة البشرية.. أكبر رصيد للنظام الصحي

 

 

لا يمكن لأي نظام صحي أن ينجح في الأزمة دون قوة بشرية ملتزمة؛ وفي أيام الحرب، كان منتسبو النظام الصحي (الأطباء، الممرضون، كوادر الطوارئ، منتسبو المختبرات، والكوادر الخدمية…) حاضرين في مواقع خدمتهم رغم قلقهم على أسرهم، لأنهم كانوا يشعرون بأن الناس بحاجة إليهم؛ وفي هذه التجربة، تم توفير إمكانية استقرار أسر الكوادر الصحية في المستشفيات لتمكين هذه المجموعة من تقديم الخدمة بجوار أسرها دون قلق أو هاجس. ولم نواجه بالمجمل أزمة في القوة البشرية، بل كان وصولنا للكوادر الصحية أكثر من الظروف العادية؛ حيث أعلنت أعداد كبيرة جاهزيتها للحضور التطوعي؛ بدءاً من الكوادر الطلابية وصولاً إلى الكوادر المتقاعدة في مجال الصحة.

 

 

بصرف النظر عن الأضرار التي لحقت بعدد كبير من الوحدات العلاجية والصحية، وإخلاء بعض الأقسام، وتعرض عدد من المستشفيات للخطر، فقد استشهد في هاتين الحربين 48 شخصاً من الكوادر الصحية وأُصيب 136 شخصاً؛ ولكن على مقياس أكبر بكثير، فإن عدداً كبيراً من منتسبي الصحة يُعدّون من متضرري الحرب من الناحية النفسية (لاسيّما زملاء الطوارئ، والجراحون، ومتخصصو التخدير في غرف العمليات…)؛ كما أُصيب عدد من الزملاء الذين بالصدمة النفسية وتداعيات ما بعد الصدمة، وبالطبع تم أخذ برامج بعين الاعتبار في وزارة الصحة لدعمهم ومساندتهم بعد الحرب.

 

 

دروس الحرب لمستقبل النظام الصحي

 

 

في نظرة عامة، إن الحفاظ على استمرار الخدمات الصحية، والتنسيق بين القطاعات المختلفة (بين وزارة الصحة وسائر المنظمات والمؤسسات)، وتفويض الصلاحيات في النطاق المحلي، والمرونة في اتخاذ القرار والتنفيذ، والمتابعة والتضامن الكامل لفريق الصحة الوطني في مواجهة الظروف الأزموية، يجب اعتبارها جميعاً من أهم نقاط القوة للنظام الصحي في هاتين الحربين المفروضتين.

 

 

وقد سعى النظام الصحي في البلاد خلال الأشهر الأخيرة إلى تحويل تجارب هاتين الحربين إلى منهج وتجربة تنظيمية؛ ويمكن تنظيم هذا المنهج في عدة قطاعات:

 

 

  1. تعزيز الجاهزية الدائمة (يجب أن يكون النظام الصحي مستعداً دائماً للأزمات؛ وأن يمتلك برامج تعليمية وتشغيلية محدثة، وذخائر دوائية ومعدات، وتدريباً لسيناريوهات أزموية متعددة).
  2. أخذ آليات بعين الاعتبار للتسجيل المستمر للتجارب التوثيقية.
  3. تعزيز النظام الصحي في مجال تعبئة وتنظيم الكوادر الصحية التطوعية في ظروف الأزمة والاستفادة المناسبة منها.
  4. الرصد المستمر للصحة النفسية للمجتمع، لاسيّما الصحة النفسية للكوادر الصحية، وامتلاك برامج خاصة ومستمرة وقابلة للتقييم في هذا المجال.

 

 

هاجس الصحة النفسية للمجتمع والمتضررين

 

 

بات جزء من هاجس النظام الصحي الآن منصباً على علاج صدمات ما بعد الحرب والتداعيات الناجمة عنها؛ سواء في المجتمع أو بين الكوادر الصحية. وفي هذا الصدد، يجب إيلاء اهتمام خاص للمدن التي كانت أكثر انخراطاً في الحرب؛ وتتمتع مدينة ميناب في هذا السياق بمكانة خاصة وحساسة؛ ويجب أن نساعد -عبر كشف هذه الجريمة البشرية في المحافل الدولية- مجتمع ميناب والأسر المتضررة للعودة إلى مجرى الحياة الطبيعي، ولازمة هذا الأمر هي التنسيق والتعاون بين جميع المؤسسات؛ إذ يجب المساعدة حتى لا تبقى المدينة في هذا الحداد، وأن تُنجز مراحل العبور من هذا الحداد وتنتظم الصحة النفسية للمجتمع.

 

 

لنكن مراقبين للصحة النفسية لمراقبي الصحة!

 

 

ليس النظام الصحي مجرد مجموعة من المستشفيات والمعدات والأدوية؛ فالنظام الصحي يعني شبكة من البشر الخدومين والمضحين الذين يقفون بأرواحهم وأفئدتهم إلى جانب الناس في أصعب الظروف؛ وفي هذا المسار، تُعدّ ثقة الناس أكبر رصيد للنظام الصحي، والحفاظ على هذه الثقة يتطلب الجاهزية، والشفافية، والتعلم من التجارب، والاهتمام بالذين يرعون صحة المجتمع بأنفسهم. وإذا كان من المقرّر أن نكون أكثر جاهزية للمستقبل، فيجب أن نسأل أنفسنا: كيف يمكننا أن نعتني بشكل أفضل بالذين يرعون صحة الناس في الأيام الصعبة؟ «لنكن مراقبين لصحة وحال مراقبي الصحة»؛ هذا هو أحد أهم دروس الحرب للنظام الصحي الإيراني.

 

 

المصدر: الوفاق/صحيفة ايران