الحظر الأمريكي يُطال الشعب الإيراني

مدّعي حقوق الإنسان ضدّ حقوق الإنسان في إيران

الوفاق/ عقب إخفاقها في الحرب العسكرية ضدّ إيران، عادت الولايات المتحدة إلى «ضبط المصنع» الخاص بها، وأعلنت عن برنامج حظر جديد ضدّ البلاد. وقد زعم وزير الخزانة الأمريكي «أننا سنسقط الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال فرض حصار وأشد إجراءات الحظر الاقتصادي التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً».

إنّ السياسة الأمريكية الجديدة لممارسة الضغوط الاقتصادية وفرض الحظر على إيران ليست أمراً جديداً بالطبع، وما يبدو جديداً هو الحرب النفسية والعمليات الإعلامية المكثفة في قالب مزاعم وتصريحات مسؤولي البيت الأبيض.

 

لقد خضعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية لضغوط أمريكية متعددة، وفي مراحل معينة لأشد قرارات الحظر من مجلس الأمن الدولي بتوجيه من واشنطن.

 

والهدف المعلن لإجراءات الحظر الجديدة هو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية؛ في حين كان الهدف المعلن للحظر المستمر على مدار العقود الماضية هو تغيير سلوك إيران ومواقفها؛ لكن الواقع الصارخ أظهر اعتراف الأمريكيين أنفسهم بعدم جدوى الحظر وعدم فاعليته؛ إذ لو كان الحظر مجدياً في تغيير سلوك إيران تحت الضغط، لما دعت الحاجة أساساً إلى خوض الحرب وتحمل تكاليفها الباهظة.

 

كما أن تقييمات العديد من الخبراء -بمن فيهم الأمريكيون- لم تتوقع مآلاً مختلفاً لإجراءات الحظر الجديدة. وفي هذا الصدد، قال المدير السابق لملف إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي نيت سوانسون: «السؤال المطروح هو: بأي تكلفة ستُمارس هذه الضغوط؟ وحتى لو نجحت حملة الضغط الاقتصادي، فما الذي ستصل إليه في نهاية المطاف؟ الصين هي الشريك التجاري الأهم لإيران، وقد التفت على العقوبات الأمريكية لسنوات ولم تُظهر أي مؤشر يذكر على تغيير هذا النهج.

 

فهل دونالد ترامب مستعد حقاً للمخاطرة بنسف التهدئة التجارية مع بكين من أجل اتخاذ إجراءات لازمة ضد البنوك والمصافي والموانئ الصينية للحد من تجارتها مع إيران؟ وهل الاقتصاد الأمريكي مستعد لمواجهة الإجراءات الانتقامية الصينية؟ إن تطبيق مثل هذه الإجراءات سيكون بالغ الصعوبة، لاسيّما ونحن على أعتاب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ».

 

رسالة «عمادالدين باقي» إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة

 

تنطلق أهداف دونالد ترامب من إعلان الضغوط الجديدة ضد إيران من غايات سياسية بحتة: تغيير مواقف وسلوك إيران أو إسقاط النظام وانهياره في نهاية المطاف. غير أن قضية الحظر لا تقتصر على الأبعاد الأمنية والسياسية فقط؛ إذ إن ما شوهد في الميدان وعلى أرض الواقع طوال العقود الماضية كان تحديداً تلك التداعيات غير السياسية وغير الأمنية.

 

فالحظر يمثل قبل كل شيء تعارضاً وانتهاكاً سافراً لحقوق الإنسان، وربما يقود إلى تضييع حقوق المواطنين للإيرانيين، كما كان الحال حتى الآن.

 

وفي الحقيقة، إن كانت الحرب العسكرية والأضرار الواسعة بالبنى التحتية واستشهاد أكثر من 3 آلاف مواطن إيراني هي «مساعدة» دونالد ترامب للإيرانيين في قالب الحرب العسكرية، فمن المقرر الآن أن يكون الحظر بتبعاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمعيشية قالباً جديداً من «المساعدات» الأمريكية للشعب الإيراني!

 

انطلاقاً من هذا البُعد الهام، ذكّر الناشط الحقوقي الإيراني «عمادالدين باقي»، في رسالة موجهة إلى المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، بأن الضحايا الرئيسيين للحظر الأمريكي هم أبناء الشعب الإيراني.

 

وكتب باقي مخاطباً «فولكر تورك» ومندداً بالإجراء الأمريكي اللاإنساني لتشديد الحظر على الشعب الإيراني: «إنني أدرك تماماً أنه في ظل الأجواء السياسية شديدة الاستقطاب والنزعة العسكرية المتصاعدة الناجمة عن سياسات حكومة الولايات المتحدة، قد لا تحظى الدعوات المطالبة بحماية حقوق الإنسان بالاهتمام اللائق بها.

 

ومع ذلك، أتوقع منكم -في حدود صلاحياتكم- أن توضحوا للمجتمع الدولي أن الضحايا الرئيسيين لما تسمّيه الولايات المتحدة “العقوبات الساحقة وغير المسبوقة” هم الشعب الإيراني».

 

وأكدت الرسالة على «افتقار المواطنين لسبل وصول خاصة إلى الاحتياطيات المالية، أو القنوات الاقتصادية البديلة، أو سائر الأدوات التي تمكنهم من تحصين أنفسهم ضد عواقب هذه الإجراءات»، مذكرةً بالإعلان الصريح للمسؤولين الأمريكيين بأن من أهداف فرض الحظر ممارسة أقصى درجات الضغط والمعاناة الشديدة على الشعب الإيراني لتحقيق الهدف السياسي المنشود للولايات المتحدة: «إذا عُرِّض المدنيون عمداً للحرمان الاقتصادي والمصاعب المنهكة على أمل تحويلهم إلى أداة للتغيير السياسي، فإن الحد الفاصل بين الضغط السياسي والعقاب الجماعي لأمّة بأسرها يتحول -من منظور حقوق الإنسان- إلى مسألة بالغة الخطورة والقلق.

 

يجب ألّا يُعامل الناس العاديون أبداً كأداة ضغط لتحقيق أهداف جيوسياسية؛ ولا يمكن لأي خلاف سياسي، مهما بلغ حجمه، أن يبرر سياسات تلقي بوعي عبء الصراع على كاهل عموم السكان المدنيين».

 

 

واعتبر باقي فرض الحظر الجديد أحد أكثر أشكال السلوك السياسي قبحاً وغير قابلة للدفاع عنها في النظام الدولي الراهن، وكتب للمفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة: «أطالب مكتبكم بالتعامل مع هذه المسألة ليس كمجرد قضية في إطار الصراعات الجيوسياسية، بل كمسألة حيوية تمس الحقوق الأساسية للإنسان، والكرامة الإنسانية، وحماية المدنيين».

 

اعتراف رسمي للأمم المتحدة بانتهاك حقوق الإنسان في إيران بسبب الحظر

 

بطبيعة الحال، سبق لمنظمة الأمم المتحدة أن أقرّت، في تقرير رسمي، بانتهاك وتضييع حقوق الإيرانيين جراء الحظر.

 

فقد أعدّت المقررة الخاصة للأمم المتحدة «ألينا دوهان»، المعنية بالأثر السلبي للتدابير القسرية الانفرادية على التمتع بحقوق الإنسان، تقريراً حول آثار الحظر خلال زيارة استغرقت 11 يوماً إلى إيران في مايو/ أيار 2022م.

 

وطبقاً لهذا التقرير، فقد فرضت الولايات المتحدة منذ عام 1979م عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية بحظر تجاري شامل منذ عام 1995م، واتخذت إجراءات كبيرة بهدف عزل إيران عن النظام التجاري والمالي الدولي عبر فرض عقوبات ثانوية على المؤسسات والجهات المالية غير الأمريكية؛ ومع ذلك فقد أنشأت واشنطن -عبر سلسلة من الأوامر التنفيذية والقوانين الخاصة- إطاراً واسعاً ومعقداً من الموانع والعراقيل التي تصاعدت بعد عام 2010م لتطال قطاعات الطاقة، والطب، والقطاعات الرئيسية الأخرى.

 

وبحسب التقرير، فقد تأثرت وانتهكت مصاديق ونماذج متعددة من حقوق الإنسان في إيران نتيجة للإجراءات القسرية الأحادية. ورداً على سؤال حول أي شرائح المجتمع الإيراني كانت الأكثر تضرراً من الحظر الأحادي، قالت دوهان: «لقد تأثر كافة سكّان إيران بطرق مختلفة جراء الحظر الأحادي، وتضررت مصاديق ونماذج عديدة لحقوق الإنسان في هذا المسار؛ والأثر الأكثر وضوحاً تجلى في الحق في الصحة والحق في الحياة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن التجارة المسموح بها في الأدوية والمنتجات والمعدات الطبية وقطع الغيار لا تتم في كثير من الأحيان بسبب الإفراط في الامتثال للحظر من قبل الشركات المصنعة والموردين».

 

وأوضحت دوهان نموذجاً عينياً في إطار شرح حالة محددة، قائلة: «يُعدّ العجز عن تأمين موارد مستدامة طويلة الأجل للضمادات الخاصة بمرضى الجلد المصابين بمرض “انحلال البشرة الفقاعي” (EB) المهدد للحياة نموذجاً واضحاً لهذه المشكلة؛ فقد كان هناك نقص في هذه الضمادات داخل إيران، وتسببت الصعوبات في الحصول عليها بوفاة عدد من المصابين المعروفين -بسبب هشاشة جلدهم- بـ”أطفال الفراشة”؛ كما تم الإبلاغ عن آثار مماثلة لدى المصابين بأمراض نادرة أو مستعصية أخرى مثل الثلاسيميا، والهيموفيليا، وبعض أنواع السكري، والتوحد، والمصابين بالأمراض الناجمة عن الأسلحة الكيميائية، وغيرهم الكثير».

 

الآثار السلبية للحظر على المجالات الاجتماعية والثقافية

 

طال الحظر باستهدافه الاقتصاد الإيراني موائد المواطنين ومعيشتهم ومصادر دخلهم بتبعاته السلبية. وفي هذا السياق، صرح الرئيس السابق لغرفة التجارة الإيرانية حسين سلاح ورزي: «خلال الفترة من عام 2011 إلى 2023م -وهي فترة زمنية تمتد لـ12 عاماً- كبّد الحظر البلاد خسائر تقدر بنحو 1200 مليار دولار.

 

ويُقدّر نصيب الفرد من الدخل المهدور لكل إيراني بسبب فرض الحظر خلال الفترة قيد الدراسة بنحو 14 ألف دولار؛ وبعبارة أخرى، خسر كل إيراني خلال هذه الفترة ما متوسطه 1202 دولار سنوياً بسبب الحظر».

 

ولم يقتصر أسلوب الضغط هذا على المجالات الاقتصادية والصحية فحسب، بل ترك آثاراً مباشرة وغير مباشرة على القطاعين الاجتماعي والثقافي أيضاً. فقد أظهر مقال بحثي بعنوان «آثار الحظر الأمريكي على الرأسمال الاجتماعي والسياسي لإيران (2016-2020م)»، نُشر في مجلة «البحوث الاستراتيجية للسياسة»، في عدد الربيع لعام 2025م، أن «الحظر قد ترك أثراً سلبياً على الوضع الاقتصادي للبلاد، وأن تراجع المؤشرات الاقتصادية مثل النمو الاقتصادي، وارتفاع سعر الصرف، والتضخم، والفقر، وانعدام المساواة، جعل اهتمام المجتمع يتركز أكثر من أي وقت مضى على المشقة وتأمين البقاء.

 

ونتيجة لغلبة الهاجس المعيشي على التفكير والحياة، ظهرت آثار مدمرة في المجالات الاجتماعية (بما يشمل زيادة معدلات الجريمة، والطلاق، والهجرة)، والثقافية (تراجع الاهتمام بالمنظمات الأهلية والأنشطة الفنية والثقافية وإنتاج واستهلاك السلع الثقافية)، والسياسية (تراجع المشاركة السياسية، واللامبالاة تجاه السلوك السياسي، والعنف الجمعي، ومظاهر الفوضى)».

 

وبناءً على هذا الوصف، وكما ذكّر عمادالدين باقي في رسالته لمفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن الشعب الإيراني سيكون هو الضحية للضغوط الأمريكية، تماماً كما تأثرت حياته بهذا الحظر حتى الآن.

 

فهل يعكس هذا أي مفهوم سوى انتهاك وتضييع حقوق الإنسان في إيران جراء سياسات الدولة التي تدعي رعاية حقوق الإنسان؟

 

المصدر: الوفاق خاص