في ذكرى ولادته المباركة

السيد عبد العظيم الحسني(ع).. سليل النبوة ونموذج العلم والولاء

في ذكرى ولادته المباركة، نستحضر شخصيةً تركت أثراً علمياً وروحياً امتد عبر القرون، ولا يزال مرقده في الري شاهداً على مكانته في وجدان محبي أهل البيت (ع).

إن الانتساب إلى أسرة كريمة وشريفة يضفي على شخصية الإنسان منزلةً وميزةً خاصة، فكيف إذا كان هذا الانتساب إلى أكرم بيت عرفه التاريخ، وأطهر أسرةٍ اصطفاها الله تعالى لحمل رسالة الإسلام؟ إن ذلك لشرف عظيم، ولا سيما حين يقترن شرف النسب بشرف العلم والعمل والتقوى والولاء.

 

ومن الشخصيات التي اجتمع فيها شرف النسب ورفعة العلم وسمو الأخلاق والولاء لأهل البيت (ع)، السيد الجليل عبد العظيم الحسني (ع)، الذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسن المجتبى (ع)، سبط رسول الله (ص) وابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء (عليهما السلام).

 

النسب الشريف

 

هو أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، واشتهر بـ«الحسني» نسبةً إلى الإمام الحسن المجتبى(ع).

 

وقد كان شرف النسب بالنسبة إلى السيد عبد العظيم (ع) مقروناً بشرف آخر، هو العلم والمعرفة والتقوى، حتى غدا من الشخصيات البارزة بين علماء ورواة القرن الثالث الهجري، ومن أصحاب المكانة المتميزة لدى أئمة أهل البيت (ع).

 

ولادته ونشأته

 

وُلد السيد عبد العظيم الحسني (ع) سنة 173هـ في المدينة المنورة، في بيئة عُرفت بالعلم والارتباط بأهل البيت (ع).

 

وعاش نحو تسعة وسبعين عاماً، عاصر خلالها أربعة من أئمة أهل البيت (ع): الإمام موسى بن جعفر الكاظم، والإمام علي بن موسى الرضا، والإمام محمد بن علي الجواد، والإمام علي بن محمد الهادي (ع).

 

وقد تشرف بلقاء عدد منهم، وروى عنهم جملةً من الأحاديث، وكان من الشخصيات العلمية التي حظيت بثقة أهل البيت (ع) وتقديرهم.

 

عالمٌ ثقةٌ وراوٍ جليل

 

يُعدّ السيد عبد العظيم الحسني (ع) من رواة الحديث وعلماء الإمامية في القرن الثالث الهجري، وقد ورد اسمه في أسانيد عدد من الروايات.

 

ولم تكن منزلته نابعة من شرف نسبه فحسب، بل عُرف بالعلم والعبادة والتقوى والورع، واشتهر بين أتباع أهل البيت (ع) بالوثاقة وحسن السيرة وسلامة العقيدة.

 

وتشير الروايات إلى مكانته لدى الإمام الهادي (ع)، حتى إن الإمام كان يحيل إليه بعض أصحابه في مسائلهم، الأمر الذي يكشف عن الثقة التي كان يحظى بها وعن موقعه العلمي والديني بين أتباع مدرسة أهل البيت (ع).

 

ومن أبرز الشواهد على ذلك الرواية المعروفة التي يروي فيها السيد عبد العظيم (ع) لقاءه بالإمام علي بن محمد الهادي (ع)، حيث عرض عليه عقيدته وأصول اعتقاده، فأقرّه الإمام عليها، وقال له: «يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».

 

وهذه الرواية تكشف بوضوح عن مكانة السيد عبد العظيم (ع) العلمية والعقدية، كما تكشف عن حرصه على عرض معتقده على الإمام المعصوم والتثبت منه.

 

السيد عبد العظيم في مواجهة الانحراف الفكري

 

لم يقتصر دور السيد عبد العظيم (ع) على نقل الأحاديث، بل كان له حضور في مواجهة بعض الأفكار والانحرافات العقدية التي ظهرت في عصره.

 

ومن الروايات التي نقلها، ما يتصل بتنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، ومن ذلك ما رواه عن الإمام الرضا (ع) في الرد على الحديث الذي نُسب إلى رسول الله (ص) بشأن نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا.

 

وقد بيّن الإمام الرضا (ع) أن المقصود هو نزول مَلَك إلى سماء الدنيا في أوقات مخصوصة، وأن ما نُسب إلى رسول الله (ص) على غير هذا الوجه إنما هو من تحريف الكلام عن مواضعه.

 

وهذا اللون من الروايات يوضح الدور الذي اضطلع به السيد عبد العظيم (ع) في حفظ تراث أهل البيت (ع) ونقله، وفي مواجهة الأفكار التي تخالف أصول التوحيد والتنزيه.

 

القول الثابت والعقيدة الراسخة

 

من أجمل ما نُقل عن السيد عبد العظيم الحسني (ع) قصته مع الإمام الهادي (ع)، حين دخل عليه وقال: «يا ابن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل».

 

ثم عرض السيد عبد العظيم (ع) أصول عقيدته في التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد والفرائض، وذكر أسماء الأئمة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى الإمام الهادي (ع)، ثم ذكر الإمام الحسن العسكري (ع) والإمام المهدي (عج).

 

فلما أتمّ عرض معتقده، قال له الإمام الهادي (ع): «يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».

 

وقد أصبحت هذه الرواية من أبرز النصوص التي تُستشهد بها في بيان مكانة السيد عبد العظيم (ع) وثباته على العقيدة، كما أنها تعكس مدى حرصه على التثبت من أصول دينه وعقيدته.

 

الهجرة إلى الري

 

لفهم أسباب انتقال السيد عبد العظيم (ع) من المدينة إلى الري، لا بد من النظر إلى الظروف السياسية والاجتماعية التي عاشها في العصر العباسي.

 

فقد اشتد التضييق على أهل البيت (ع) وشيعتهم، ولا سيما في عهد الخليفة العباسي المتوكل، الذي عُرف بسياساته المعادية لأهل البيت (ع) وشيعتهم، ووصل الأمر في عهده إلى هدم قبر الإمام الحسين (ع) ومحاولة منع الناس من زيارته.

 

وفي ظل هذه الظروف، لم يكن السيد عبد العظيم (ع) بمنأى عن الملاحقة والخطر، فاضطر إلى مغادرة المدينة والتنقل متخفياً من بلد إلى آخر، حفاظاً على نفسه ودينه، حتى انتهى به المقام إلى مدينة الري، الواقعة في المنطقة التي أصبحت اليوم ضمن نطاق العاصمة الإيرانية طهران.

 

وقد أورد “ميرزا نوري” في ترجمته للسيد عبد العظيم (ع) أنه خاف من السلطان، فطاف البلدان متخفياً، حتى ورد الري، وسكن في دار رجل من الشيعة في منطقة ساربانان، وكان يتعبد لله تعالى في موضع خفي، يصوم نهاره ويقوم ليله، ويخرج مستتراً.

 

ومع مرور الوقت، أخذ خبر وجوده ينتشر بين الشيعة، فعرفه عدد متزايد منهم، وأصبح بيته مقصداً للراغبين في الاستفادة من علمه ورواياته، والرجوع إليه في المسائل الدينية.

 

وهكذا تحول وجوده في الري إلى مركز علمي وروحي لأتباع أهل البيت (ع)، فكان الناس يقصدونه للاستفادة من علمه ومعارفه، ويجدون فيه عالماً موثوقاً ومرجعاً في شؤونهم الدينية.

 

وصايا تحمل روح مدرسة أهل البيت (ع)

 

ومن أجمل ما رواه السيد عبد العظيم الحسني (ع) وصية الإمام الرضا (ع)، التي تحمل معاني أخلاقية واجتماعية عميقة، قال: «يا عبد العظيم، أبلغ عني أوليائي السلام، وقل لهم: أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً، ومُرهم بالصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ومُرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم، وإقبال بعضهم على بعض، والمزاورة، فإن ذلك قربة إليّ، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً…».

 

إن هذه الوصية تؤكد أن مدرسة أهل البيت (ع) لم تكن مدرسةً للمعرفة النظرية فحسب، بل كانت تؤكد الصدق والأمانة وحفظ اللسان والتواصل بين المؤمنين وترك النزاع والخصومة، وهي قيم لا تزال حاضرة في حياة الإنسان والمجتمع.

 

ثواب زيارة السيد عبد العظيم الحسني(ع)

 

ومن الأحاديث المشهورة في فضل زيارة السيد عبد العظيم (ع) ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في كامل الزيارات، بإسناده عن بعض أهل الري، قال: «دخلت على أبي الحسن العسكري (ع) فقال: أين كنت؟ فقلت: زرت الحسين بن علي (عليهما السلام)، فقال: أما إنك لو زرت قبر عبد العظيم عندكم لكنت كمن زار الحسين». وقد ورد هذا الحديث في مصادر روائية أخرى أيضاً، ومنها بحار الأنوار ووسائل الشيعة.

 

وهذه الرواية تكشف عن علو منزلة السيد عبد العظيم (ع) ومكانته، إذ شبّه الإمام (عليه السلام) زيارته بزيارة الإمام الحسين (ع)، وهو تشبيه يكشف عن مقام روحي وعلمي رفيع.

 

ولهذا ورد في زيارته: «السلام عليك يا أبا القاسم ابن السبط المنتجب المجتبى(ع)، السلام عليك يا من بزيارته ثواب زيارة سيد الشهداء يُرتجى».

 

السيد عبد العظيم الحسني(ع) وواقع عصره

 

إن قراءة سيرة السيد عبد العظيم الحسني(ع) لا تنفصل عن قراءة الواقع السياسي والاجتماعي الذي عاش فيه. فقد شهد العصر العباسي مراحل من الصراع السياسي والتضييق على أهل البيت (ع) وأتباعهم.

 

وقد رفعت الثورة العباسية في بداياتها شعارات استمالت قطاعات من المسلمين، ثم شهدت العلاقة مع العلويين وأتباع أهل البيت (ع) توترات وصراعات وملاحقات في مراحل مختلفة.

 

ومن هنا يمكن فهم تنقل عدد من أبناء البيت العلوي، ومنهم السيد عبد العظيم (ع)، بين البلدان بحثاً عن الأمن والحفاظ على الدين والمعتقد.

 

وقد عبّر أحد الشعراء عن المفارقة التي رآها بين شعارات الحكم وممارساته بقوله: “يا ليت جور بني أمية دام لنا.. وليت عدل بني العباس في النار”.. وفي خضم هذه الظروف، ظل السيد عبد العظيم (ع) متمسكاً بعقيدته، ناشراً علوم أهل البيت (ع)، ومؤدياً دوره العلمي والديني بين الناس.

 

وفاته ومرقده

 

قضى السيد عبد العظيم الحسني(ع) أيامه الأخيرة مريضاً، ثم توفي في 15 شوال سنة 252هـ، ودُفن في مدينة الري. وتذكر الروايات أن وفاته كانت في وقت اشتد فيه مرضه، وأن خبر وفاته انتشر بين الناس، فحزن عليه أهل الري، وغُسّل وكُفّن وصُلّي عليه، ثم دُفن في الموضع الذي أصبح فيما بعد من أشهر المزارات المرتبطة بأهل البيت (ع).

 

وقد نقل العلامة المجلسي أن رقعة وُجدت في جيبه عند تجريده للغسل، كُتب فيها نسبه: «أنا أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)».

 

وأصبح مرقده في الري مزاراً معروفاً يقصده محبو أهل البيت (ع)، كما ضمّ هذا الموضع قبور عدد من العلماء والصالحين، ومن أبرزهم الشيخ الصدوق (رض).

 

صفحات مشرقة من تاريخ العلم

 

إن سيرة السيد عبد العظيم الحسني(ع) تختصر صفحات مشرقة من تاريخ العلم والحديث والولاء لأهل البيت (ع). فهو لم يكن مجرد شخصية تنتمي إلى بيت النبوة نسباً، بل كان عالماً وراوياً وعابداً، حمل في حياته مسؤولية العلم، وثبت على عقيدته، ونقل عن أئمة أهل البيت (ع) جملة من الروايات التي حفظتها كتب الحديث.

 

وتبقى قصته مع الإمام الهادي (ع) نموذجاً بارزاً للإنسان الذي لا يكتفي بالانتساب، بل يسعى إلى معرفة الحق والثبات عليه، حتى يكون النسب الشريف مقروناً بالعمل الصالح والعلم والتقوى.

 

وفي ذكرى ولادته المباركة، نستحضر شخصيةً تركت أثراً علمياً وروحياً امتد عبر القرون، ولا يزال مرقده في الري شاهداً على مكانته في وجدان محبي أهل البيت (ع).

 

نسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياكم على القول الثابت، وأن يوفقنا للاقتداء بسيرة الصالحين والعلماء، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

المصدر: الوفاق+ موقع العتبة العلوية المقدسة+ منتدى الكفيل