وُلِد المرجع الديني آية الله العظمى السيّد موسى شُبيري زنجاني(ره) في الثامن من شهر رمضان المبارك عام 1346هـ.ق، الموافق لـ10 إسفند 1306هـ.ش (1 آذار/ مارس 1928م)، في مدينة قم المقدّسة وسط أسرة علمية ودينية؛ وسُمّي «موسى» تيمُّناً بالسيّدة فاطمة المعصومة(س) وإكراماً لها، التي استقرّ والده في جوار مرقدها الشريف إثر هجرته إلى قم.
وكان والده، آيةالله العظمى السيد أحمد زنجاني(ره)، من علماء الحوزة البارزين وأصحاب المكانة المرموقة، حيث ترك مؤلفات وآثاراً عديدة في مختلف العلوم الدينية، وكان محيطاً بأبواب الفقه المتنوعة؛ وبلغت مكانته العلمية شأناً جعل كبار علماء الحوزة، من بينهم المرجع الديني آية الله العظمى محمد علي أراكي، يعربون عن إعجابهم بسعة علمه وغزارة معارفه.
وبعد سنوات طويلة قضاها في التدريس والتأليف ورعاية شؤون المؤمنين، لبّى آيةالله السيد أحمد زنجاني نداء ربه في 29 رمضان عام 1393هـ.ق (26 تشرين الأول/ أكتوبر 1973م) عن عمر ناهز 85 عاماً. وخلال سنوات إقامته في مدينة قم، كان يقيم صلوات الجماعة فجراً ومغرباً وعشاءً في حرم السيدة فاطمة المعصومة(س)، وظهراً في المدرسة الفيضية؛ وفي سنوات عمره الأخيرة، وحين لم يعد قادراً على مواصلة أداء هذه المسؤولية، اختار نجله المرجع الديني آية الله السيد موسى شُبيري زنجاني خلفاً له في إمامة الجماعة.
في سيرة حياة آية الله شُبيري زنجاني، تتجلى الأواصر العائلية الوثيقة بالحوزة والمناخ العلمي في مدينة قم منذ بواكير نشأته؛ إذ كان جدّه لأبيه السيّد عنايت الله وجدّه لأمّه الميرزا علي نقي كلاهما من كبار علماء مدينة زنجان، كما كان والده من العلماء الأجلاء الذين كرّسوا عقوداً طويلة من حياتهم لخدمة العلم والشريعة.
وقد وصف آية الله السيد أحمد زنجاني في إحدى كتاباته نجله -قبيل توجهه إلى النجف الأشرف- بعبارة: «أكبر ما أنعم الله به عليّ»، سائلاً المولى عزّوجلّ له التوفيق في تكميل مدارج العلم، وتهذيب النفس، وخدمة شريعة جدّه النبي الأكرم(ص).
قبل ذلك، كتب والد آية الله شُبيري زنجاني في مذكراته حول الهجرة إلى قم، أنه عقب استقراره في هذه المدينة بجوار مرقد السيدة المعصومة(س)، رزقه الله ولداً فاختارت والدة الأسرة اسم «موسى» له، انطلاقاً من رؤيتها لمدينة قم بوصفها دار وبيت الإمام موسى بن جعفر(ع).
وقد وقعت ولادته بعد نحو ثلاثة أشهر وبضعة أيام فقط من استقرار والده في قم، واكتسب هذا التزامن مع حضور العائلة بجوار حرم كريمة أهل البيت(ع) مكانة خاصة في الرواية العائلية لبدايات حياة آية الله شُبيري زنجاني.
بدء الدراسة الحوزوية منذ سنوات الشباب
بدأ آية الله شُبيري زنجاني دراسته الحوزوية في عامي 1359 و1360هـ.ق (1940 – 1941م)، وأنهى مرحلة كتب السطوح خلال ثلاث إلى أربع سنوات. وعقب ذلك، ولج مرحلة أبحاث الخارج وحضر درس آية الله العظمى السيد صدر الدين الصدر، وكان أصغر الحاضرين سنّاً في حلقة الدرس، ومثّل حضوره في هذا المجلس بداية منعطف جديد في مسيرته العلمية. ولازم آية الله شُبيري زنجاني بعد ذلك دروس نخبة من أبرز فقهاء حوزة قم، ونهل منهم جانباً كبيراً من علوم الفقه والأصول.
مع قدوم المرجع الديني آية الله العظمى السيد حسين بروجردي إلى قم، شارك آية الله شُبيري زنجاني في درس خارج الأصول، فضلاً عن أبحاثه الفقهية في كتب الغصب والإجارة والصلاة، ونهل من فيض هذا الفقيه البارز. غير أنه من بين كافة أساتذته، حظي آية الله العظمى السيد محمد محقق داماد بمكانة استثنائية؛ حيث لازم آية الله شُبيري زنجاني دروسه في الأصول لدورة كاملة تقريباً، كما واظب على حضور دروسه الفقهية لمدة 21 عاماً، وتلقى على يديه مباحث كتب الصلاة، والطهارة، والصوم، والخمس، والحج.
التوجّه إلى النجف الأشرف لتكميل المدارج العلمية
سافر آية الله شُبيري زنجاني إلى النجف الأشرف مرّتين للإفادة من حوزتها العلمية العريقة؛ حيث تمت الرحلة الأولى في عام 1373هـ.ق (1953 – 1954م)، وتلتها الرحلة الثانية بعد عام واحد، وحضر خلالهما حلقات درس عدد من كبار فقهاء ومراجع النجف الأشرف. فقد شارك في درس الفقه لدى آية الله العظمى السيد عبدالهادي الشيرازي في كتاب الصلاة. واستفاد من درس الفقه لدى المرجع الديني آية الله العظمى السيد محسن الحكيم في كتاب الحج، كما لازم دروس الفقه والأصول وبحث الرضاع لدى المرجع الديني آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي.
ولم تكن العودة إلى قم نهاية المطاف في هذا المسار العلمي؛ بل انبرى آية الله شُبيري زنجاني، بعد استقاء العلوم من حوزتي قم والنجف، لتدريس الفقه والأصول بنفسه، ليرتقي تدريجياً إلى مصاف الأساتذة المرموقين وأصحاب الباع الطويل في حوزة قم العلمية.
وقد استهلّ تدريس خارج الفقه بـ«كتاب الحج»، حيث أطلق هذا البحث في حياة أستاذه المحقق آية الله محقق داماد، وتواصلت مسيرته التدريسية والتأهيلية في حقلي الفقه والأصول لأكثر من أربعة عقود متتالية.
الفقه والأُصول كانا جزءاً من تراثه العلمي
لم يقترن اسم آية الله شُبيري زنجاني بتدريس الفقه والأصول فحسب؛ بل خاض إلى جانبهما غمار التحقيق والبحث المعمق في مجالي الرجال والحديث، وكان جانب لافت من مكانته العلمية يعود إلى هذا الأفق الاستقصائي والبحوث التخصصية الرصينة.
وخلال عقود من العطاء، ترك العديد من الآثار والتحقيقات، وتُعدّ موسوعته القيّمة متعددة المجلدات «جرعة من البحر» (جرعهای از دریا) من أشهر مؤلفاته؛ وهي تمثل جزءاً من تراث علمي واسع تبلور على مدار سنوات التدريس والبحث.
وظلّ آية الله شُبيري زنجاني طوال هذه السنين يُعرف بمكانته العلمية والحوزوية، متجنباً الظهور الإعلامي الواسع، ومكرساً محور حياته للتدريس والتحقيق والتواصل العلمي في مجالات الفقه والأصول.
عقب وفاة المرجع الديني آية الله محمد علي أراكي في عام 1373هـ.ش (1994م)، ورد اسم آية الله شُبيري زنجاني ضمن قائمة المراجع المعرّفين من قِبل مدرسي الحوزة العلمية في قم، وتثبتت مرجعيته الدينية في السنوات اللاحقة.
وانطلق مساره العلمي من مدرسة السيّد في زنجان، وتعمّق في حوزة قم عبر دروس أساتذة كبار من طراز آية الله بروجردي وآية الله محقق داماد، واتّسع بحضوره في حوزة النجف، ليبلغ من خلال عقود من التدريس والتحقيق في الحوزة العلمية بقم مكانة سامقة ومرموقة في سماء الفقاهة.
شرف الحضور في محضره
وفي هذا السياق، أعرب تلميذه أستاذ الحوزة حجة الإسلام علي كشفي عن تعازيه للحوزات العلمية والشعب الإيراني المسلم برحيل المرجع الديني آية الله العظمى السيّد موسى شُبيري زنجاني، مصرحاً: إن فقدان هذا العالم الجليل رزء فادح ومصيبة جلل، وقد حظينا لسنوات طوال بشرف الحضور في محضره والإفادة من علم هذا الفقيه الفذّ وأخلاقه السامية.
وأشار حجة الإسلام كشفي إلى الخلفية الأسرية لآية الله شُبيري زنجاني، قائلاً: لقد أبصر النور في كنف أسرة عريقة متجذرة في العلم؛ وكان والده آية الله السيد أحمد شُبيري زنجاني من تلامذة مؤسس الحوزة العلمية في قم آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري، وكان لتلك البيئة العلمية أثر عظيم في صقل شخصيته وتربيته. وأضاف: هاجر والده من زنجان إلى قم قبل ولادة نجله، ووُلد آية الله السيد موسى في قم لترتبط حياته منذ البدء بالمناخ المعنوي والعلمي لهذه المدينة وبمرقد السيدة فاطمة المعصومة(س).
وحول سبب تسميته بـ«موسى»، قال: بحسب ما سمعته من نجله، فإن والد آية الله شُبيري، ونتيجة لعظيم ولائه وتوسله بالسيدة المعصومة(س)، اختار لولده اسم «موسى» ليكون في رعاية وحمى كريمة أهل البيت(ع)؛ واكتسب هذا الأمر دلالة خاصة في أواخر سنوات حياته الشريفة وتزامن رحيله مع أيام تكريم السيدة المعصومة(س).
نبوغه العلمي تجلّى منذ الصغر والشباب
ولفت أستاذ الحوزة إلى بدايات التحصيل الحوزوي لآية الله شُبيري زنجاني، موضحاً: بدأ دراسته للعلوم الدينية عام 1319هـ.ش (1940م)؛ ونظراً للظروف القاسية السائدة في تلك الحقبة، لم تكن الحوزة العلمية تشهد ازدهارها المعتاد، لتهيأ له فرص الدراسة الجادة والمكثفة بعد عام 1320هـ.ش (1941م). وأضاف: اجتاز آية الله شُبيري السطوح العالية في الحوزة العلمية بقم في فترة وجيزة، ثم دخل مرحلة درس خارج الفقه والأصول، وتتلمذ في محضر أساتذة بارزين مثل آية الله حجت، والمرجع الديني آية الله العظمى بروجردي، وآية الله محقق داماد.
وأشار حجة الإسلام كشفي إلى الخصال العلمية لآية الله شُبيري زنجاني، قائلاً: منذ سنوات التلمذة الأولى ومرحلة الشباب، كان نبوغه العلمي وروحه الاستقصائية وجدّيته في المطالعة والبحث أمراً ساطعاً لأهل العلم، وهي خصال ميزت مسيرته العلمية منذ انطلاقتها الأولى. وأضاف: إلى جانب الفقه والأصول، كان لآية الله شُبيري زنجاني تخصص وعناية فائقة بعلوم الرجال والحديث ونقد النسخ الحديثية، ولعبت هذه المعارف بمجملها دوراً حيوياً في بلورة مكانته العلمية الشامخة.
رجل تحقيق وعمل علمي رصين
وأشار أستاذ الحوزة إلى شهادات الأساتذة والأقران بمكانة آية الله شُبيري العلمية، موضحاً: كان أساتذته وزملاؤه في الحلقات العلمية يؤكدون دوماً على فقاهته وباعه العلمي وقدراته المعرفية الفذة، واستمرت هذه المكانة بالرسوخ على مدى عقود نشاطه. وأضاف: عقب وفاة المرجع الديني آية الله محمد علي أراكي، طرح مدرسي الحوزة العلمية بقم اسم المرجع الديني آية الله العظمى شُبيري زنجاني ضمن قائمة مراجع التقليد، وتثبتت مرجعيته لاحقاً.
وشدد على أن شخصية آية الله شُبيري لم تنحصر في الرتبة العلمية المجردة، بل تجلت إلى جانب العلم والفقاهة دماثة خلقه وتواصله الاجتماعي البنّاء؛ حيث أقام صلاة الجماعة لسنوات طويلة في حرم السيدة فاطمة المعصومة(س). وتابع: كان غالباً ما يقطع المسافة بين منزله والحرم الشريف سيراً على الأقدام لأداء صلاة الجماعة، وكان خلال هذا المسار يلتقي الناس ويتواصل معهم ويهتم بشؤونهم.
اللقاء مع الناس بوجه طلق وبشوش
واستذكر حجة الإسلام كشفي ذكرياته الشخصية من لقاءاته بآية الله شُبيري زنجاني، قائلاً: كنت أصطحب أطفالي أحياناً إلى مكتبه، وحين كان يدخل من باب المكتب نحو مجلسه، كان يلتفت إلى الحاضرين جميعاً، ويبادرهم بالسلام والتحية والسؤال عن أحوالهم. وأضاف: كان يتمتع بروح لطيفة وبشاشة بالغة، ويسعى ما وسعه الجهد لتلبية حوائج الناس، وكان هذا السلوك يبرهن على أن التواصل مع الناس والاهتمام بهم كان يكتسب لديه أهمية كبرى إلى جانب نشاطه العلمي التخصصي.
وأشار أستاذ الحوزة إلى حديث مروي عن الإمام الرضا(ع) حول قيمة عمر الإنسان، مبيناً: كان آية الله شُبيري زنجاني نموذجاً ناصعاً للعالم الربّاني الذي أمضى عمره في استيعاب معارف أهل البيت(ع)، وتدريسها، والتحقيق فيها، وهداية الناس نحو الدين ومناهل العترة الطاهرة(ع). وأكد أن الشخصية الأخلاقية والاجتماعية لسماحته كانت محط احترام وتقدير مختلف شرائح المجتمع، موضحاً: كان آية الله شُبيري مثالاً في المداراة والتآلف، وكان يتعامل برحابة صدر وانفتاح مع التيارات الفكرية ومختلف الفئات الشعبية. وتابع: كان يُقال أحياناً إنه إذا أردنا يوماً اختيار رمز للوحدة بين الشيعة، لكان يوم ولادة آية الله شُبيري زنجاني الأجدر بهذا الترشيح؛ وكان هذا التعبير ناظراً إلى روحه الوحدوية وسلوكه التوفيقي ومداراته وتواصله مع شتى أطياف المجتمع.
واختتم حجة الإسلام كشفي حديثه بتجديد التعازي برحيل المرجع الديني آية الله العظمى شُبيري زنجاني للحوزات العلمية والشعب الإيراني المسلم، قائلاً: نسأل الله العلي القدير أن يحشر روح هذا العالم الفقيد مع الأئمة الأطهار(ع)، وأن يتواصل نهجه العلمي والأخلاقي والجامع للوحدة.