أناشيد ثورية خالدة

موسيقى الدفاع المقدس بين الذاكرة والملحمة

تكشف موسيقى «الدفاع المقدس» عن مسار ثقافي وفني تداخل فيه الشعر بالموسيقى، والإنشاد بالذاكرة، والتجربة الفردية بالوجدان الجماعي.

لم تكن الموسيقى التي نشأت خلال سنوات «الدفاع المقدس» في إيران مجرد خلفية صوتية لأحداث الحرب المفروضة، بل تحولت إلى جزء من الذاكرة الثقافية والجمعية لتلك المرحلة، فمنذ اندلاع الحرب المفروضة في عام 1980، أخذت الموسيقى تؤدي أدوارًا متعددة، من رفع معنويات المناضلين وتعزيز الروح الوطنية، إلى التعبير عن مفاهيم الشهادة والإيثار وحب الوطن ومناهضة الظلم.

 

وتشكل هذا التيار في ظروف مختلفة عن تلك التي أنتجت الموسيقى الملحمية الكلاسيكية في تاريخ إيران؛ إذ اتسم بطابع شعبي وشفهي، وانتشر سريعًا بين الناس. كما فرضت ظروف الحرب قيودًا على استخدام الاستوديوهات المتطورة والأوركسترات الكبيرة، الأمر الذي دفع عددًا من الأعمال إلى الاعتماد على قوالب موسيقية أكثر بساطة، وأداء أحادي الصوت، وعدد محدود من الآلات، مثل الأرغن والطبل والسنج، وأحيانًا الآلات الوترية.

 

وكان للتراث الديني والعاشورائي حضور واضح في هذه الموسيقى، إذ امتزجت الإيقاعات القريبة من المسيرات بأجواء الإنشاد والمراثي الدينية، فظهرت أعمال تجمع بين الحس الملحمي والنبرة الحزينة والبعد الروحي.

 

كما احتل الشعر والكلمة مكانة مركزية في هذه التجربة الموسيقية؛ فالشهادة والإيثار والوطن والانتظار ومناهضة الظلم كانت من أبرز موضوعاتها، وصيغت كثير من الأناشيد بطريقة تسمح بأدائها جماعيًا من جانب المناضلين والجمهور، لتتحول بذلك من أعمال فردية إلى أصوات جماعية مرتبطة بذاكرة الحرب المفروضة.

 

«کاروان شهید»

 

تُعد أنشودة «کاروان شهید» أي «قافلة الشهيد»، من ألحان الراحل محمدرضا لطفي، وإنشاد شهرام ناظري، وبمشاركة فرقة «شيدا»، من الأعمال المبكرة والبارزة في موسيقى «الدفاع المقدس».

 

تم تأليف الأنشودة عام 1980، في بدايات الحرب المفروضة الثماني سنوات، وتعود رواية نشأتها إلى استشهاد النقيب جواد محمودي، قائد مخفر شرطة الطرق في مدينة خرمشهر، في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1980. فقد انتقل جثمانه الطاهر إلى مدينة كرمانشاه لإقامة مراسم التشييع، ووصل شهرام ناظري إلى المدينة للمشاركة في مراسم العزاء، وكان لمشهد التشييع وحضور الناس أثر مباشر في تشكيل اللحن في ذهنه.

 

بعد عودته إلى طهران، عرض ناظري فكرته على الراحل محمدرضا لطفي، الذي بدأ في صياغة اللحن، وكتب مقدمة على مقام «شوشْتَري»، ثم تواصل الإثنان مع الشاعر محمد ذكائي، المعروف بتخلصه «هومن»، فوضع الكلمات على اللحن وأكمل نص الأنشودة.

 

 

ويُروى أن ذكائي استوحى مطلع الأنشودة من مشهد تشييع جماعي للشهداء في ساحة «هفت تير» بطهران، وكتب: «میكذرد كاروان / روي كُل ارغوان / قافله سالار آن / سرو شهید جوان» أي «تمضي القافلة / فوق زهر الأرجوان / وقائدها / سرو شهيد شاب».

 

وتم تسجيل العمل بصوت «شهرام ناظري» وبمشاركة أعضاء فرقة «شيدا»، ثم صدر ضمن ألبوم «جاووش هشت»، وبعد 28 عامًا من تأليفه، أُعيد تقديم العمل في 15 ديسمبر/كانون الأول 2008، خلال الدورة العشرين لمهرجان فجر الموسيقي، بصوت عليرضا شاه‌محمدي وبمشاركة فرقة «شيدا» النسائية بقيادة محمدرضا لطفي.

 

ولم يقتصر حضور محمدرضا لطفي في موسيقى الحرب على هذا العمل؛ فقد وضع أيضًا مقطوعة «برخیز كه دشمن به ديار آمده امروز.. اي شيردلان وقت شكار آمده امروز» أي «انهضوا، فقد جاء العدو إلى البلاد اليوم.. يا أسود الميدان، لقد حان وقت الصيد اليوم»، على قصيدة للشاعر «مشفق كاشاني»، كما ألّف «ظفر» أي «النصر» على مقام «جهاركاه»، إضافة إلى «سرمست» و «ديده بكشا اي برادر» أي «إفتح عينيك يا أخي»، وقد ارتبطت هذه الأعمال بأجواء الحرب المفروضة.

 

كما أُعيد أداء نشيد «كاروان شهید» أي «قافلة الشهيد» بصوت الراحل محمدرضا شجريان، إلى جانب أعمال أخرى مثل «زاله خون شد» أي «جاله أصبحت دمًا» و «سبیده» أي «الفجر» و «رزم مشترك» أي «المعركة المشتركة».

 

«كجاييد اي شهيدان خدايي»

 

قبل اندلاع الحرب، ظهر عمل آخر أصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة الموسيقية المرتبطة بالدفاع المقدس، هو «كجاييد اي شهيدان خدايي» أي «أين أنتم يا شهداء الله»، من شعر مولانا.

 

أُنتج العمل عام 1979، وأدته أوركسترا طهران السيمفونية بقيادة حشمت سنجري وبصوت بيجن كامكار، وسُجل في استوديو «بِل»، وفي عام 1981، تم تأدية العمل وتسجيله أيضًا بصوت شهرام ناظري.

 

ويُعد هذا العمل من أبرز مؤلفات هوشنغ كامكار، وقد أوضح أن تأليفه جاء في بدايات الثورة الإسلامية، وأنه اختار له شعرًا لمولانا، وسجله مع الأوركسترا السيمفونية بقيادة حشمت سنجري على نفقته الخاصة، وتم تأيفه على مقام «ماهور»، ورغم أنه سبق الحرب المفروضة، فإن كثافة بثه عبر الإذاعة والتلفزيون، وانسجام أجوائه مع المرحلة التي عاشتها إيران خلال الحرب المفروضة، جعلاه مرتبطة في الذاكرة العامة بتلك السنوات.

 

وقد شهدت هذه الأنشودة عروضًا لاحقة؛ ففي عام 2014 قدمتها أوركسترا طهران الموسيقية بقيادة نادر مشايخي وبصوت عبدالحسين مختاباد، وفي عام 2017 قدمتها جوقة أوركسترا طهران السيمفوني بقيادة شهرداد روحاني في عرض مشترك مع أوركسترا شباب العالم بقيادة داميانا جورانا في كنيسة «سانتا ماريا أرا تشلي» بمدينة روما.

 

 

وبعد أربعة عقود تقريبًا، عاد هوشنغ كامكار إلى هذا الفضاء الموسيقي من خلال عمل «اي ياران کجاييد؟» أي «يا أيها الأصدقاء، أين أنتم؟».

 

كما يضم مشروعه الموسيقي المرتبط بالحرب قصيدتي السمفونية «حلبجه» و«خرمشهر»، اللتين صدرتا عام 2011 ضمن ألبوم موسيقي.

 

«خجسته باد اين بيروزي»

 

من أكثر الأعمال حضورًا في الذاكرة الموسيقية الإيرانية خلال الحرب المفروضة أنشودة «صبح بيروزي» أي «صباح النصر»، المعروفة باسم «خجسته باد این پیروزی» «مباركٌ هذا النصر».

جاء العمل من كلمات الراحل حميد سبزواري، وألحان الراحل أحمد علي راغب، وغناء محمد كُلريز، وأُنتج احتفاءً بتحرير خرمشهر في 24 مايو/أيار 1982.

 

وكان العمل من أداء أوركسترا الإذاعة والتلفزيون، ثم تكرر بثه عبر هذه المؤسسة، ليصبح مع مرور الوقت مرتبطًا في الذاكرة العامة بأجواء تحرير خرمشهر.

 

 

ويروي محمد كُلريز أن فريقًا مكوّنًا من أربعة أشخاص شارك في إنتاج عدد من الأناشيد، وهم أحمد علي راغب، ومجتبى ميرزاده، ومحمد كُلريز، ومحمد سبزواري، فيما كان فريدون شهبازيان يشرف على التسجيل.

 

ويشير كُلريز إلى أن توزيع العمل كان من إعداد الراحل مجتبى ميرزاده، واصفًا توزيعه بأنه من الأعمال البارزة في هذا المجال.

 

أما الشاعر حميد سبزواري، فقد تحدث في كتابه «حال اهل درد» أي «حال أهل الألم» عن الظروف التي رافقت كتابة العمل، مستعيدًا مشاهد من خرمشهر وآبادان، ومشيرًا إلى الأجواء التي عاشها المناضلون قبيل تحرير خرمشهر.

 

ويروي سبزواري أنه شهد في خرمشهر مشاهد من حياة المناضلين، ومن بينها لقاءه بأحد الشبان الذين كانوا يقومون بأعمال ثقافية، ثم ذكر أنه استشعر من أحاديث المناضلين وإصرارهم أن انتصارًا كبيرًا كان يقترب.

 

وبعد تحرير خرمشهر، أُديت الأنشودة التي كان سبزواري قد كتبها مسبقًا احتفاءً بالانتصار، وهكذا تحولت «خجسته باد اين بيروزي» أي «مباركٌ هذا النصر» من عمل أُعد لحدث منتظر إلى جزء ثابت من الذاكرة الصوتية لتحرير المدينة.

 

«کربلا کربلا»

 

يحتل أداء «أكبر شريعت» لأنشودة «کربلا کربلا» مكانة خاصة في تاريخ موسيقى «الدفاع المقدس». كان شريعت مناضلاً من مدينة داراب في محافظة فارس، وقد استشهد شقيقه أيضًا خلال الحرب المفروضة، وفي عام 1984، أدى مرثية بعنوان «کربلا کربلا»، اختلفت في أسلوبها وإيقاعها عن كثير من المراثي التي كانت شائعة آنذاك.

 

ولم يكن شريعت محترفًا في مجال الإنشاد، كما لم يكن هناك تخطيط مسبق لتسجيل العمل بصورة احترافية، إلا أن أداءه سُجل مصورًا بصورة عفوية، ثم عُرض عبر برنامج «روایت فتح»  على شاشة التلفزيون، وحظي بتفاعل واسع من الجمهور.

 

ومن خصوصية هذا العمل أنه تم تأديته مرة واحدة فقط أمام الكاميرا، ولم يُسجل في استوديو، كما لم تكن هناك خطة أصلًا لإنتاج تسجيل احترافي له، وقد منح الأسلوب الخاص لشريعت، بما حمله من حماس وانفعال، العمل طابعًا يختلف عن الأساليب التقليدية للمراثي الدينية، ويقربه في بعض جوانبه من الأداء الموسيقي.

 

وفي مراسم تكريم أقيمت لـ “شريعت” في طهران في مطلع عام 2014، استعاد المصور الذي سجل ذلك الأداء تفاصيل ذلك اليوم، موضحًا أن التسجيل تم في ظهر يوم عاشوراء عام 1984، في مقر كربلاء، داخل ملجأ تحت الأرض.

 

أما شريعت نفسه، فتحدث عن تلك اللحظة قائلًا إنه كان جالسًا على ساتر ترابي، يفكر في استشهاد رفاقه، ثم ربط ما يحدث بذكرى كربلاء، ومن هنا بدأ إنشاده بمطلع «کربلا کربلا».

 

وهكذا، من لحن «کاروان شهید» الذي وُلد من مشهد تشييع شهيد، إلى «کجایید اي شهيدان خدايي» الذي انتقل من شعر مولانا إلى أجواء الحرب المفروضة، وصولًا إلى «خجسته باد اين بيروزي» أي «مباركٌ هذا النصر» المرتبط بتحرير خرمشهر، و «کربلا کربلا» الذي وُلد من أداء عفوي، تكشف موسيقى «الدفاع المقدس» عن مسار ثقافي وفني تداخل فيه الشعر بالموسيقى، والإنشاد بالذاكرة، والتجربة الفردية بالوجدان الجماعي.

 

لقد أصبحت هذه الأعمال، بتنوع أساليبها ومصادرها، جزءًا من الذاكرة الصوتية لمرحلة تاريخية محددة في إيران؛ وهي ذاكرة امتدت من الأنشودة والقصيدة إلى التسجيل الإذاعي والتلفزيوني، ومن الأداء الاحترافي إلى اللحظة العفوية التي حفظتها الكاميرا.

 

 

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة