800 ألف محتّج في الشوارع

فرنسا تحترق بالغلاء.. وغضب شعبي يحاصر ماكرون

تشهد فرنسا احتجاجات متواصلة ضد الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، وسط تصاعد الغضب الشعبي وضغوط متزايدة على ماكرون وحكومته

لم تعد شوارع فرنسا مجرّد مساحات للاحتجاج، بل تحوّلت إلى واجهة لغضب اجتماعي متصاعد يضع الحكومة الفرنسية أمام أسئلة ثقيلة بشأن الغلاء والقدرة الشرائية ومستقبل الخدمات العامة. ففي 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خرجت حشود واسعة في باريس ومدن فرنسية عدة، حاملةً رسالة مباشرة إلى السلطة: تكاليف المعيشة تتزايد، وصبر الشارع يتآكل، والوعود لم تعد كافية لاحتواء الاحتقان. وبينما تواجه الأسر ضغوط أسعار الطاقة والتنقل والاحتياجات اليومية، عادت السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلى قلب المواجهة، في مشهد يختبر قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته على التعامل مع مطالب تتجاوز الاحتجاج الآني إلى سؤال أعمق عن العدالة الاجتماعية وتوزيع أعباء الأزمة.

 

وتباينت تقديرات المشاركة؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية مشاركة نحو 410 آلاف متظاهر، بينما قدّر الاتحاد العام للعمل (CGT) العدد بأكثر من 800 ألف. وفي باريس وحدها، تراوحت التقديرات بين 110 آلاف وفق الأرقام الرسمية و250 ألفًا وفق النقابة.

 

الغلاء يلتهم الدخول.. والأرقام تفضح حجم الأزمة

 

في قلب الاحتجاجات، تتفاقم الضغوط المعيشية على الفرنسيين، وسط ارتفاع متسارع في الأسعار. ووفقاً لبيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، ارتفع التضخم السنوي إلى 3.1% في سبتمبر/أيلول 2026، مقارنةً بـ2.4% في أغسطس/آب، فيما قفزت أسعار الطاقة بنسبة 21.3% على أساس سنوي، وارتفعت أسعار المنتجات النفطية 36.2%، بينما سجّلت أسعار الديزل زيادة حادة بلغت 44.1%، ما يزيد الأعباء على الأسر ويعمّق المخاوف بشأن كلفة المعيشة.

 

ولا تبقى هذه الزيادات محصورة في المؤشرات الاقتصادية؛ فارتفاع أسعار الوقود يزيد كلفة التنقل والنقل والإنتاج، وقد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، بما يفاقم الضغوط على ميزانيات الأسر والعمال وأصحاب الأعمال الصغيرة.

 

كما أن تباطؤ التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ إذ قد تظل الأسر تتحمل نفقات مرتفعة حتى مع تراجع وتيرة الزيادة. وهنا تتجاوز المسألة أرقام التضخم إلى قدرة الحكومة على حماية القوة الشرائية وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر تضررًا.

 

 

ماكرون أمام اختبار اقتصادي.. من يتحمل كلفة الأزمة؟

 

تضع الاحتجاجات الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته أمام سؤال سياسي ثقيل: كيف يمكن مطالبة الناس بتحمل أعباء متزايدة، فيما تتراجع قدرتهم على تدبير شؤونهم اليومية؟ فالأزمة لا تتعلق بسعر الوقود وحده، بل بتداخل تكاليف المعيشة مع الأجور والخدمات العامة والضغوط المالية التي تواجه الدولة.

 

وتكشف بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية أن الدين العام الفرنسي بلغ نحو 3.5955 تريليونات يورو، بما يعادل 119% من الناتج المحلي الإجمالي، في نهاية الربع الثاني من عام 2026، بعدما ارتفع بنحو 59.6 مليار يورو خلال ذلك الربع مقارنةً بالربع السابق.

 

فارتفاع الدين يفرض أسئلة صعبة عن الإنفاق والإيرادات والأولويات، لكنه يفتح أيضًا باب المساءلة: كيف تُوزَّع الأعباء؟ وما الفئات التي تتحمل النصيب الأكبر منها؟ وهل تستطيع الحكومة ضبط المالية العامة من دون التضحية بالقدرة الشرائية وجودة الخدمات الأساسية؟

 

 70 ألف عنصر أمني.. هل تُخمد القبضة الأمنية غضب الشارع؟

 

في مشهد يعكس حجم الاستنفار، تحدثت التقارير عن نشر نحو70 ألفًا من عناصر الشرطة والدرك في أنحاء فرنسا، إلى جانب تقارير عن توقيفات واعتقالات قُدّر عددها بنحو ألف عملية توقيف خلال يوم الاحتجاجات، وفق السلطات. وشهدت العاصمة باريس، إضافة إلى ليون ومرسيليا وبوردو ومدن أخرى، توترات ومواجهات في بعض المواقع، مع استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بحسب التقارير المنشورة.

 

وفي باريس، تركزت بعض المواجهات قرب بورت دو فانسين، بعد توترات شملت إلقاء مقذوفات باتجاه قوات الأمن. غير أن هذه المشاهد، مهما بلغت خطورتها، لا تختصر الاحتجاجات كلها ولا تبرر وضع جميع المشاركين في خانة واحدة. فالتمييز ضروري بين الغالبية التي تتظاهر سلميًا والمجموعات التي تلجأ إلى العنف أو التخريب.

 

لكن السؤال الأهم يبقى: ما الذي تستطيع القوة الأمنية تحقيقه أمام أزمة معيشية؟ تستطيع الشرطة إغلاق الطرق وتفريق التجمعات واعتقال المشتبه بهم، لكنها لا تستطيع خفض أسعار الديزل، أو رفع الأجور، أو معالجة نقص المعلمين، أو تخفيف نفقات الأسر. وإذا أصبحت المواجهة الأمنية هي العنوان الأبرز، فقد تختفي المطالب الأصلية خلف دخان الغاز وصفارات الشرطة، فيما تبقى أسباب الغضب على حالها. وتقع على الدولة مسؤولية حماية حق التظاهر السلمي وضمان تناسب استخدام القوة ومحاسبة أي تجاوز وفق القانون، بالتوازي مع مساءلة مرتكبي الاعتداءات على الأشخاص والممتلكات.

 

التعليم والخدمات العامة.. الغضب يتجاوز محطات الوقود

 

تكشف الاحتجاجات عن جبهة اجتماعية أوسع من أزمة الطاقة. فقد شملت المطالب تحسين الأجور، وزيادة الدعم للطلاب، وتوفير مزيد من المعلمين، ومعالجة المشكلات التي تواجه المؤسسات التعليمية والخدمات العامة.

 

ولا يكفي هنا إعلان مساعدات مؤقتة أو إطلاق وعود عامة. فالتعليم يحتاج إلى خطط واضحة لتأمين الكوادر وتحسين البنية التحتية، والخدمات العامة تحتاج إلى تمويل فعّال ومحاسبة على النتائج، كما تحتاج الأسر الأكثر تضررًا إلى إجراءات تخفف الأعباء بصورة ملموسة.

 

 أزمة الطاقة تضع الحكومة الفرنسية تحت الضغط

 

يفاقم ارتفاع أسعار الطاقة الضغوط على الحكومة الفرنسية، مع تزايد الأعباء على الأسر والشركات وتراجع القدرة الشرائية. وبين تقلبات الأسواق العالمية واضطراب الإمدادات، تواجه باريس انتقادات بشأن قدرتها على احتواء الأزمة والحد من تداعياتها المعيشية. ولا تقتصر التحديات على تأمين الوقود، بل تشمل أيضًا توفير الحماية للفئات الأكثر تضررًا، وسط مطالب بإجراءات أكثر فاعلية وشفافية. ومع استمرار الضغوط، تتزايد التساؤلات حول قدرة السياسات الحكومية على تخفيف الأعباء وضمان استقرار الأسعار وحماية المواطنين من تداعيات الأزمة الاقتصادية.

 

هل تتحول الاحتجاجات إلى أزمة سياسية أعمق؟

 

تتواصل الضغوط على الحكومة الفرنسية مع اتساع الغضب الشعبي بسبب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين الخدمات العامة وحماية الفئات المتضررة. ولا تبدو المواجهة محصورة في الشوارع، بل تمتد إلى الثقة بالسياسات الحكومية وقدرتها على الاستجابة للأزمة. ومع استمرار الاحتجاجات، تواجه السلطات تحديًا يتجاوز الانتشار الأمني والتدابير المؤقتة؛ إذ إن تجاهل المطالب أو الاكتفاء بالوعود قد يفاقم الاحتقان ويعمّق الهوة بين المواطنين والحكومة. ويبقى احتواء الأزمة مرهونًا بإجراءات ملموسة تعالج الأعباء المعيشية، بدلًا من ترحيلها وتأجيل المواجهة مع أسباب الغضب الاجتماعي.

 

 من الغلاء إلى الشارع.. الفرنسيون يواجهون سياسات ماكرون

 

ختاماً، تكشف احتجاجات 24 أكتوبر/تشرين الأول 2026 حجم الضغوط الاقتصادية في عهد إيمانويل ماكرون، مع تضخم بلغ 3.1%، وارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 21.3%، وقفزة الديزل بنسبة 44.1%، إلى جانب دين عام يناهز 3.6 تريليونات يورو. وتضع هذه المؤشرات سياسة الحكومة أمام مساءلة مباشرة بشأن قدرتها على حماية القدرة الشرائية، فيما تتصاعد الاحتجاجات وتبرز حدود الإجراءات الأمنية في احتواء الغضب الشعبي دون معالجة جذوره الاقتصادية.

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة