يمتلك الفن الإيراني إرثاً حضارياً غنياً، تتجلى فيه براعة المزج بين الرمز والجمال والسرد، من المنمنمات والخط والزخرفة إلى الفنون المعاصرة.
وتكشف التجارب الفنية الإيرانية عن قدرة لافتة على تحويل عناصر الحياة اليومية إلى أدوات تعبير تحمل دلالات ثقافية وإنسانية. وفي شوارع طهران، تتخذ هذه القدرة شكلاً معاصراً، حيث يصبح الفضاء العام منصة مفتوحة يلتقي فيها الفن بالذاكرة والوجدان.
المدينة بوصفها مسرحاً مفتوحاً
في ساحة تجريش(شمال طهران)، يتصدر مشهداً حضرياً لافتاً تركيب فني يحاكي زنزانة سجن، أُقيم في أعلى لوحة إعلانية، ويظهر داخله فنان حيّ يؤدي دور دونالد ترامب على مدار الساعة، مرتدياً قناعاً يجسد ملامحه.
ويحمل العمل شعار «نديدن اين صحنه جرم است» أي «عدم مشاهدة هذا المشهد جريمة»، محولاً اللوحة من وسيلة إعلانية مألوفة إلى مشهد أدائي يستوقف المارة ويدعوهم إلى قراءة رموزه.
ولا يقتصر العمل على المجسّم والشخصية المؤداة؛ إذ تُعرض على جانب اللوحة عبارات وصور تتغير يومياً، من بينها صور أطفال مدرسة «الشجرة الطيبة» الشهداء في ميناب(جنوب إيران)، ومشاهد توثيقية مرتبطة بجرائم ترامب خلال الحرب المفروضة على إيران.
وبهذا التغيير المستمر، تتحول اللوحة إلى مساحة بصرية متجددة، تتقاطع فيها الذاكرة والصورة والخطاب، ويغدو الزمن جزءاً من بنية العمل الفني.
وتكمن خصوصية التجربة في الجمع بين فن الأداء والتركيب المجسّم والمادة البصرية المتغيرة. فالزنزانة عنصر مكاني رمزي، والمؤدي يمنحها حضوراً حياً، بينما تضيف الصور اليومية طبقة سردية تجعل العمل مفتوحاً على تطورات الأحداث وذاكرة الجمهور.
قافلة العروس.. من الفرح إلى الحداد
وامتدت هذه المقاربة الفنية إلى شوارع طهران من خلال قافلة العروس، التي ظهرت في هيئة موكب احتفالي، قبل أن تتحول رمزياً إلى مشهد عزاء. وتستحضر هذه النقلة واقعة قصف مراسم عرس في كوهستك بمنطقة سيريك، التي تربطها الحملة بالقصف الأمريكي الوحشي.
ويكتسب هذا التحول قوته من التضاد بين رمزين إنسانيين واضحين: العرس بوصفه احتفاءً بالحياة وبداية المستقبل، والحداد بوصفه تعبيراً عن الفقد والألم. ومن خلال هذا التناقض، يتحول الموكب إلى سرد بصري يستحضر مصير المدنيين حين تقتحم الحرب أكثر لحظاتهم حميمية.
الصدى العالمي.. الصورة تعبر الحدود
حظيت هذه التجربة الفنية باهتمام واسع في وسائل الإعلام الدولية، وتناقلت منصات إعلامية وشبكات تلفزيونية صور زنزانة تجريش، في مشهد يجسد قدرة الفن الحضري على تجاوز حدود المكان والوصول إلى جمهور عالمي.
ومن أبرز نماذج هذا الصدى، تداول عناوين صحفية تصوّر طهران وهي تعرض ترامب خلف قضبان السجن، إلى جانب تفاعلات على شبكات التواصل الاجتماعي تناولت فكرة العمل وأسلوبه الرمزي.
وأشادت الباحثة والناشطة الإعلامية الدكتورة صوفيا أولغن بالعمل، معتبرةً أنه يجسد سخرية إيرانية لافتة من ترامب، من خلال وضع ممثل يجسد شخصيته داخل زنزانة رمزية في ساحة تجريش بطهران. كما عبّر مستخدمون آخرون عن اهتمامهم بالفكرة، مطالبين بمحاسبة ترامب، فيما اكتسبت الحملة انتشاراً دولياً وأثارت نقاشاً حول الفن والاحتجاج والعدالة.
وهكذا، تحولت الزنزانة وقافلة العروس من مشهدين في شوارع طهران إلى خطاب بصري يجمع الأداء والصورة والذاكرة، ويطرح أسئلة تتجاوز حدود الإعلان التقليدي، حول الحرب والضحايا والعدالة ودور الفن في التعبير عن القضايا الإنسانية والسياسية.



