بعد مرور 39 يومًا على بدء العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني على إيران، لم تتحقق الأهداف المعلنة لهذه العملية فحسب، بل تتضح أيضًا دلائل متزايدة على جمود استراتيجي وهزائم ميدانية وسياسية للأطراف المعتدية. هذه الحرب، التي بدأت بهجمات واسعة النطاق وقتل مدنيين، بمن فيهم طلاب أبرياء، سرعان ما اتخذت أبعاد حاولت وسائل الإعلام العالمية، كلٌّ منها بمنهجها الخاص، تشكيل سردية هذه الحرب؛ ويمكن أن يوفر فحص هذه التأملات صورة أوضح للوضع الحقيقي للحرب وآفاقها.
كتبت شبكة CNN، وهي إحدى وسائل الإعلام الغربية، في تقرير لها: “تُظهر تصريحات دونالد ترامب الأخيرة بشأن شنّ هجوم واسع النطاق على البنية التحتية الحيوية لإيران، مرة أخرى، أنه لا يلتزم بقواعد القانون الدولي فحسب، بل يستخدم التهديد بانتهاكها الصارخ كأداة للضغط السياسي. فمن خلال تحديد موعد نهائي لإعادة فتح مضيق هرمز، تحدث ترامب صراحةً عن استهداف محطات توليد الطاقة والجسور ومنشآت الطاقة، وحتى البنية التحتية للمياه؛ وهي أفعال، بحسب الخبراء، قد تُعدّ مثالاً واضحاً على جريمة حرب. ووفقاً لمبادئ القانون الإنساني الدولي، يُحظر شنّ هجمات على البنية التحتية المدنية، وهو أمر أكّده حتى مسؤولو الأمم المتحدة. ومع ذلك، لا يتجاهل ترامب هذه القيود فحسب، بل إنه بتطبيعه لمثل هذه التهديدات، يُغيّر قواعد اللعبة في النظام الدولي بشكل خطير. ويُعدّ هذا النهج استمراراً للنمط الذي اتبعه في السنوات الأخيرة؛ من دعم التعذيب إلى التهديد بمهاجمة المواقع الثقافية. والآن، يتكرر المسار نفسه بكثافة أكبر ضد إيران. وحتى لو لم تُنفّذ هذه التهديدات، فإن مجرد التعبير عنها يُضعف مكانة أمريكا الأخلاقية ويرسل رسالةً تُوحي بالخروج عن القانون.” للعالم أجمع. في نهاية المطاف، لا تؤدي هذه السياسة إلى زيادة التوتر وعدم الاستقرار فحسب، بل قد تأتي بنتائج عكسية وتعزز التماسك الداخلي لإيران. ما نشهده اليوم ليس مجرد تكتيك سياسي، بل هو مؤشر على نهج يطمس عمداً الخط الفاصل بين القوة والفوضى.
في تقرير يقارن الحرب على إيران بتجارب أمريكية سابقة في فيتنام وأفغانستان والعراق، تجادل مجلة “ذا هيل” بأن النصر في معركة بين قوة عسكرية متفوقة وطرف أضعف لا يعني بالضرورة هزيمة كاملة للطرف الآخر، بل قد يكون “عدم الخسارة” بحد ذاته نصراً. ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة غالباً ما كانت لها اليد العليا في ساحة المعركة في هذه الحروب، لكنها فشلت في نهاية المطاف في تحقيق أهدافها الاستراتيجية بسبب التآكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
كتبت صحيفة نيويورك تايمز، في تقريرٍ نقلت فيه عن كاتبٍ خدم 41 عامًا في الجيش الأمريكي وأربعة أعوام في وزارة الدفاع: “أصبحت الحرب مع إيران بالفعل واحدةً من أهم الصراعات في العقود الأخيرة، وأظهرت أن نمط الحروب الجديدة يتغير بسرعة. ووفقًا له، فإن هذه الحرب أقرب إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا منها إلى العمليات الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط وأفغانستان؛ حربٌ تلعب فيها الطائرات الانتحارية المسيّرة الرخيصة وأنظمة الاستطلاع المتطورة والاستخدام المكثف للذخيرة دورًا حاسمًا.”
كما نشرت منظمة “إم إس ناو” تقريرًا بعنوان: “لماذا من المرجح أن تأتي تهديدات ترامب بارتكاب جرائم حرب بنتائج عكسية؟” في مؤتمر صحفي عُقد يوم الاثنين، دافع دونالد ترامب، بالإضافة إلى تبريره لتهديده باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية، عن موقفه قائلاً إنه إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بحلول ليلة الثلاثاء، “فإن البلاد بأكملها ستُدمر بين عشية وضحاها”. وجاء هذا الموقف عقب تهديداته الأخيرة باستهداف محطات الطاقة والجسور الإيرانية، وهي تهديدات، في حال تنفيذها، قد تُشكل انتهاكًا للقانون الدولي وجرائم حرب، وفقًا لخبراء قانونيين.
وسائل الإعلام العربية والإقليمية
كتبت صحيفة القدس العربي: على الرغم من التوترات القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن هناك فرصًا للدبلوماسية. ويأتي الحديث عن احتمالات التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في منعطف إقليمي ودولي بالغ التعقيد، حيث تتشابك اعتبارات الحرب والردع مع الحسابات الاقتصادية والسياسية الداخلية لكلا الجانبين، فضلًا عن ضغوط الحلفاء والخصوم. في هذا السياق، لا يبدو وقف إطلاق النار مجرد إجراء تكتيكي لاحتواء تصاعد التوترات، بل نقطة انطلاق محتملة لعملية تفاوض أوسع نطاقًا من شأنها إعادة ترتيب أولويات الطرفين وتمهيد الطريق لتفاهمات طويلة الأمد بشأن قضايا حساسة كالأمن البحري في مضيق هرمز، وبرامج إيران النووية والصاروخية، والعقوبات. وقد يمهد هذا الطريق أيضًا لنقاش أوسع حول الأمن الجماعي في الخليج الفارسي. باختصار، يدرك صناع القرار في واشنطن وطهران أن استمرار المواجهة المفتوحة سيؤدي إلى تكاليف متزايدة وغير مستدامة على المدى المتوسط.
نشر المؤرخ وعالم الاجتماع مازن النجار مقالاً في قناة الجزيرة يشرح فيه طبيعة الحرب الإيرانية الأمريكية. فبعد أيام قليلة من دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية مكثفة على إيران. وبينما ركز الخبراء على تحليل طبيعة الصراع، وأهداف الأطراف، ونتائجه المحتملة، تناول البعض الآخر استراتيجيات الأطراف المتنازعة، وأنماط حربها، وتعريفاتها للنصر والهزيمة. قبل عقود، أنشأت إيران نظام دفاع لا مركزي وغير متكافئ لمنع الانهيار السريع، وفرض حرب مكلفة وطويلة الأمد على أعدائها، والحفاظ على قدرة مستمرة على الرد بعد أي هجوم انتقامي، وتحديد متى وكيف تنتهي الحرب. يُدمج هذا النظام الدفاعي “المتعدد الأوجه” مع استراتيجية زعزعة النظام الإقليمي والدولي. إن ما يميز المواجهة الحالية بين الجانبين ليس مجرد مستوى العنف أو المخاطر الجيوسياسية، بل هو أمر أكثر جوهرية وتعقيداً: فالجانبان يخوضان نوعين مختلفين من الحروب. تخوض الولايات المتحدة حرب استنزاف، حيث يتم تحديد الأهداف، وضربها، وتقييم الهجوم، وتدمير مواقع الإطلاق، واستهداف مصانع الأسلحة، واغتيال القادة.
لكن الطرف الآخر يتبنى نهجًا مختلفًا، لا يُعطي الأولوية للفوز في منافسة عسكرية تقليدية، أو مجاراة القوة النارية الأمريكية، أو تحقيق هيمنة متكافئة في ساحة المعركة. بل يسعى إلى شيء آخر: زعزعة النظام الإقليمي والدولي الذي تقوم عليه افتراضات العدو ومبادئه ومعادلاته.
ذكر موقع المنار الإخباري، في تقرير نشره حول الصراع الإيراني الأمريكي، أن إيران، في مواجهة في ظل تصاعد العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، تم التخلي عن قواعد الاشتباك التقليدية وبدأت مرحلة جديدة. يشهد الشرق الأوسط، وسط هذا التصعيد، تحولات جذرية في طبيعة ووسائل المواجهة. لم تعد هذه المواجهة خاضعة لقواعد الاشتباك التقليدية التي سادت لعقود، بل تتجه نحو أنماط أكثر مباشرة وتعقيدًا.
وتبرز هنا تساؤلات هامة: هل نشهد انهيارًا حقيقيًا لقواعد الردع التقليدية؟ هل يشير هذا التحول إلى اتجاه نحو توازن قوى إقليمي جديد؟ أم أنه مجرد تصعيد لصراع طويل الأمد؟ وما هي تداعيات ذلك على مستقبل النظام الإقليمي وطبيعة الهيمنة الأمريكية في المنطقة؟ لقد شكلت نهاية الحرب العالمية الثانية نقطة تحول جوهرية في تاريخ النظام الدولي، حيث برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى تتمتع بعناصر التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي. ولترسيخ هذا التفوق، تبنت واشنطن استراتيجية قائمة على نشر قوات عسكرية خارجية عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية. منذ الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، برزت إيران كقوة إقليمية ذات نفوذ متزايد في الشرق الأوسط، ساعيةً إلى تعزيز مكانتها ليس فقط على الصعيد الإقليمي، بل وعلى الصعيد العالمي أيضاً. وقد أظهرت إيران قدرةً واضحةً على حشد القوى والتأثير في المناطق كجزء من استراتيجيتها لتعزيز مكانتها الدولية وتوسيع نفوذها خارج حدودها الإقليمية التقليدية. وتُشير التغيرات الحالية في طبيعة العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران إلى نهاية حقبة هيمنت عليها قواعد الاشتباك التقليدية، حيث كان الاستهداف المباشر يُعتبر خطاً أحمر لا يُمكن تجاوزه.
وقد فاجأت الهجمات الإيرانية الأخيرة على المصالح الأمريكية الجميع، بمن فيهم القوى الكبرى، باستهدافها المباشر لها، مما يُبرهن على قدرة إيران على إعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي.
يكتب إسماعيل كابان، الكاتب في صحيفة “تركية غازيتيسي” التركية: على مدى ثمانية وثلاثين يومًا، دأب ترامب على الإدلاء بتصريحات متكررة مفادها “أننا انتهينا من إيران…”، ويكشف خطابه المتزايد في عدم الاحترام والإهانة عن المأزق الذي يواجهه. فإذا تفاقم الوضع في الحرب مع إيران، فقد لا يخسر ترامب انتخابات نوفمبر فحسب، بل قد يواجه أيضًا إجراءات عزله. إن شعوره بفقدان سلطته يدفعه إلى حالة ذهنية مختلفة تمامًا، ويجعله يشعر بالحنين إلى أيامه الحالية. إن أسلوبه الفظّ والوقح الحالي ينذر بمستقبل أكثر قتامة. وقد أثار هذا الوضع قلقًا بالغًا لدى الشعب الأمريكي. فترامب، الذي حاول في البداية تقديم نفسه كرئيس محب للسلام، سرعان ما كشف عن حقيقته.
يكتب إسماعيل كابان، الكاتب في صحيفة “تركية غازيتيسي” التركية: على مدى ثمانية وثلاثين يومًا، دأب ترامب على الإدلاء بتصريحات متكررة مفادها “لقد انتهينا من إيران…”، ويكشف خطابه المتزايد في عدم الاحترام والإهانة عن المأزق الذي يواجهه.
يكتب هلال كابلان، كاتب في صحيفة صباح: لنبدأ من البداية: في العملية التي بدأت بهجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تغيرت قواعد اللعبة منذ زمن، لكن أمريكا لا تزال تعتقد أن اللعبة تستمر بالقواعد القديمة نفسها. قبل الحرب، كانت إيران قوة أكثر حذرًا وغير مباشرة. أما اليوم، فقد أصبحت فاعلاً قادرًا على مهاجمة حلفاء الولايات المتحدة مباشرة، وفي الوقت نفسه لا يتراجع عن موقفه. هذا التغيير ليس عسكريًا فحسب، بل يرتبط أيضًا بالتفوق النفسي لإيران في ظروف الحرب هذه. إيران، التي وُصفت ذات مرة بأنها “محاصرة”، تتصرف الآن كدولة تضع حدودًا وقيودًا لمحيطها. ويمكن رؤية صورة مماثلة في الاقتصاد.
فالنفط الإيراني، الذي جرت محاولات لخنقه بالعقوبات لسنوات، لا يزال موجودًا في السوق؛ والجميع يدرك هذه الحقيقة. من جهة، تقول واشنطن: “سنحدّ منه”، لكن من جهة أخرى، عليها أن تغض الطرف عن حقيقة أن هذا النفط سيجد مشترًا على أي حال. إنّ هذا الحصار المتردد يُعدّ في الواقع مؤشراً على تراجع فعالية العقوبات. علاوة على ذلك، فإنّ النفوذ الذي لم يكن لإيران في مضيق هرمز قبل الحرب بات يُعتبر واقعاً ملموساً: فعندما تعبر سفن شركاء الولايات المتحدة وأعضا.
كتبت وسائل الإعلام الصينية والروسية، وتحديداً قناة روسيا اليوم، في تحليل لها: “مرّ أكثر من شهر على الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وما كان يُعتقد أنه حملة قصيرة ويمكن السيطرة عليها تحوّل إلى حملة طويلة ومكلفة ومزعزعة للاستقرار. ارتفعت أسعار النفط والبنزين، وانخفضت نسبة تأييد ترامب إلى 36%.” بدلاً من السعي لتحقيق نصر عسكري، تنتهج إيران استراتيجية “فرض الإكراه الاقتصادي والمعاناة من خلال المقاومة”، وهي استراتيجية تقوم على البقاء والرد والسيطرة على مضيق هرمز. وقد فشلت المفاوضات التي جرت بوساطة (باكستان، تركيا، مصر، عُمان) بسبب انعدام ثقة إيران العميق بالولايات المتحدة (بعد انسحابها من الاتفاق النووي). هدد ترامب بلهجة حادة بشن هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية الإيرانية، لكنه في الواقع يحتاج إلى نتيجة تُعتبر نصراً. من جهة أخرى، ترفض إيران أي وقف مؤقت لإطلاق النار. داخل الولايات المتحدة، يشير الضغط السياسي ونقل كبار قادة البنتاغون إلى وجود أزمة. كما لم ينضم حلفاء الناتو إلى الولايات المتحدة، ولا تتعاون دول الخليج الفارسي بشكل كامل خشية الرد. المأزق الرئيسي هو: أن ترامب يحتاج إلى انسحاب سريع وناجح و”هزيمة إيران”، لكن الرأي العام الإيراني (بحسب شهادات كبار القادة) لا يرى في النصر سوى البقاء وعدم الاستسلام للضغوط. إلى أن يُحلّ هذا التناقض، لن يكون للدبلوماسية وجود، وستستمر الحرب بعواقب وخيمة على الجميع.
حذّر أنتوني سكاراموتشي، المدير السابق للاتصالات في البيت الأبيض، في مقابلة مع قناة روسيا اليوم، من أن حرب دونالد ترامب مع إيران تسير وفق “قراراته الفردية”، وقد تُفضي إلى عواقب وخيمة على الولايات المتحدة. ويقول سكاراموتشي، الذي عارض الصراع منذ البداية، إن ترامب مُحاط بـ”فريق من المُطيعين”، وأنه قرر خوض الحرب مع إيران بمفرده، بدلاً من أن يكون تحت سيطرة نتنياهو. ويتوقع سكاراموتشي أن تُغلق إيران مضيق هرمز إذا صعّدت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما، وأن يشنّ نتنياهو وترامب هجمات على البنية التحتية النفطية. كما يُشير إلى أن الحرب قد طغت على قضية جيفري إبستين، لكنها لا تزال تُشكّل “خطراً كبيراً” على ترامب. رغم الانتقادات، يأمل سكاراموتشي في خفض التصعيد والتوصل إلى حل دبلوماسي.
في تحليلٍ لمحاولة الولايات المتحدة المتسرعة لإنقاذ طيار طائرة إف-15 أُسقطت طائرته في إيران، كتب فرهاد إبراهيموف، الخبير بشؤون غرب آسيا، في وكالة سبوتنيك: “من المرجح أن تكون العملية، بما تضمنته من معدات وقوات خاصة ضخمة، غطاءً لسرقة احتياطيات اليورانيوم الإيرانية”. ومع ذلك، يحذر من أن 5000 إلى 6000 جندي لا تكفي لعملية برية جادة في إيران، وأن الولايات المتحدة ستحتاج إلى نصف مليون جندي على الأقل لهذا الغرض. من جهة أخرى، ربما تكون واشنطن قد قامت بهذا الاستعراض للقوة لإظهار عزمها على إنقاذ جنديها، ومنعه من الوقوع في الأسر واستخدامه كورقة ضغط من قبل إيران.
حذّرت وكالة سبوتنيك الروسية، نقلاً عن المجلس الأطلسي (مركز أبحاث أمريكي)، من أن التهديدات الأمريكية بمهاجمة شبكة الكهرباء الإيرانية ومصافي النفط ومحطات تحلية المياه ستكون لها عواقب وخيمة على المدنيين، ولن تُحقق مكاسب عسكرية تُذكر. ستؤدي هذه الهجمات إلى انتشار الأمراض والجوع والعطش بين السكان المدنيين الإيرانيين، كما أنها تُهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها، نظراً لاعتماد دول الخليج الفارسي بشكل كبير على محطات تحلية المياه. وبدلاً من إضعاف إيران عسكرياً، ستُعمّق هذه الإجراءات انعدام الثقة بالولايات المتحدة، وتُطيل أمد الصراع وتُصعّده. وقد صدرت هذه التحذيرات رداً على تهديدات دونالد ترامب بمهاجمة البنية التحتية المدنية الإيرانية.
توقعت وكالة أنباء شينخوا الصينية أن تظل أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة، وكتبت: يعتقد خبراء دوليون أنه حتى مع انتهاء الحرب ضد إيران، قد لا تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل النزاع. هدد ترامب بتدمير إيران بالكامل “بين عشية وضحاها” إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز قبل الموعد النهائي ليلة الثلاثاء. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فقد تضررت أكثر من 40 بنية تحتية مهمة للطاقة في المنطقة بشدة، وسيستغرق الأمر من 3 إلى 5 سنوات للعودة إلى وضعها الطبيعي. كما سيستغرق الأمر أسابيع لإخلاء طابور السفن في مضيق هرمز. في الوقت نفسه، تجمع إيران ما يصل إلى مليوني دولار كرسوم عبور من كل ناقلة، ويخطط البرلمان الإيراني للموافقة على هذه الرسوم.
وسائل الإعلام الصهيونية
تحلل صحيفة جيروزاليم بوست الفجوة المتزايدة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن الصراع مع إيران، وتدرس تداعياتها على مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبناءً على ذلك، فبينما يتخذ ترامب، بالتعاون مع إسرائيل، نهجًا متشددًا لاحتواء إيران، تبنت دول أوروبية رئيسية موقفًا حذرًا وناقدًا، وتدعو إلى خفض التصعيد. وتقول أوروبا للولايات المتحدة: “هذه ليست حربنا”، بينما لو رد فرانكلين روزفلت على أوروبا بمثل هذا الرد في الحرب العالمية الثانية، لكانت القارة بأكملها قد سقطت تحت سيطرة هتلر.
يستند حلف الناتو إلى مبدأ المادة الخامسة (الهجوم على أحد الأطراف هو هجوم على جميع الأطراف)، لكن الولايات المتحدة تسعى إلى توسيع دور الناتو لمواجهة التهديدات العالمية مثل إيران، في حين لا ترى أوروبا ضرورة للتدخل خارج القارة. تشعر واشنطن بالإحباط لأن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا لا تدفع حصتها العادلة من أعباء الحرب.
في مقالٍ له، يناقش إسرائيل هيوم العواقب الوخيمة للهجمات الإيرانية المتكررة على منطقة نيئوت حواف الصناعية في إسرائيل، والتي استُهدفت ثلاث مرات خلال أسبوع ونصف. ألحق الهجومان الأولان أضرارًا بمصنع أداما مكتيشيم، مما تسبب في حريق ومخاوف من تسرب مواد خطرة مثل ثاني كبريتيد الكربون. وقع الهجوم الثالث بالقرب من المنطقة ولم يُسفر عن أضرار جسيمة، ولكنه أظهر استمرار هذا النمط من الهجمات الإيرانية. تُعدّ نيئوت حواف واحدة من أكبر الصناعات الكيميائية والبتروكيميائية في إسرائيل، ويُمثّل أي ضرر يلحق بها تهديدًا بيئيًا وضغطًا نفسيًا على الصهاينة. وقد أعرب سكان البدو المجاورون (مثل وادي النعام) عن قلقهم إزاء نقص المأوى والاستهتار بسلامتهم.
وحذّر معاريو في مقال له من انهيار شبكة الرعاية الصحية في إسرائيل، فكتب: في أعقاب الحرب الدائرة في إسرائيل، أُلغيت مئات الآلاف من العمليات الجراحية والفحوصات والاستشارات الطبية. وقد أثار هذا الوضع مخاوف جدية بشأن “الاكتظاظ” والضغط طويل الأمد على نظام الرعاية الصحية في إسرائيل. تم إلغاء نحو 40 ألف زيارة للمرضى الخارجيين، و8500 فحص للجهاز الهضمي، و15 ألف تصوير للثدي بالأشعة. والسبب الرئيسي هو نقص غرف العمليات والأجنحة المجهزة لمواجهة الصواريخ، بالإضافة إلى تخوف المرضى من السفر إلى المناطق عالية الخطورة. ومن بين المستشفيات القائمة، برز مستشفى أسوتا أشدود بفضل متانة مبناه، وأصبح مورداً وطنياً. كما أجلت مستشفيا هداسا ورامبام العمليات الجراحية غير الطارئة. وفي رامبام، تكمن المشكلة الرئيسية في تخوف المرضى من المناطق الشمالية من الحضور. ويضطر المرضى إلى استخدام الخدمات عن بُعد، وفي حالات الطوارئ، طلب المساعدة من لجان الأولوية في المستشفى؛ لكن الذهاب مباشرة إلى قسم الطوارئ للحصول على موعد مبكر غير مجدٍ.
وكتبت صحيفة تايمز أوف إسرائيل في تحليل لها أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران دخلت أسبوعها السادس، وأن آفاق نهايتها غير واضحة. أعلن نتنياهو أن مهمتنا قد قطعت نصف الطريق، لكن محادثات ترامب المباشرة مع إيران قد تعثرت، وقام ترامب بتمديد مهلة المفاوضات مجددًا. لذا، فإن سيناريوهين متفائلين لإسرائيل لم يتحققا: انهيار النظام الإيراني مستبعد، وإيران تواصل القتال بأكثر من ألف صاروخ متبقٍ وقدرة على إعادة بناء منصات الإطلاق. ويبدو أن الحرب تتصاعد. فقد هدد ترامب بمهاجمة محطات الطاقة والجسور الإيرانية، وإسرائيل تنتظر الضوء الأخضر لمهاجمة منشآت الطاقة الإيرانية.