من الجهاد الاقتصادي إلى الاستثمار للإنتاج؛

الاقتصاد في فكر الإمام الشهيد.. مسار تسمية الأعوام ودلالاته

خاص الوفاق: على مرّ السنوات الماضية، كان تحسين وضع الاقتصاد في إيران والناس أولوية في تسمية الأعوام. وبحسب تصريح قائد الثورة الإمام الشهيد سماحة آيةالله العظمى السيد علي الخامنئي(رض)، فإن شعار كل عام لا يختص بذلك العام، بل هو توجّه وإجراء يجب أن يستمر في الأعوام اللاحقة أيضًا.

«يقول بعضهم إنكم تحددون شعار العام، لكن لا يتم العمل به؛ أنا لا أقبل هذا الكلام. يُطرح شعار العام لغرضين: أحدهما توجيه السياسات التنفيذية وأداء المسؤولين الحكوميين والمسؤولين في الدولة، والآخر هو لفت انتباه الرأي العام؛ أي أن ينتبه الرأي العام إلى أن أي مسألة هي المهمة للبلاد اليوم.. أولئك الذين يقبلون بذلك يسعون ويعملون، ويعملون بقدر طاقتهم؛ وبالطبع إذا تم العمل بشكل أفضل وأكثر شمولًا، فإن نتائج أكثر ستتحقق».

 

ما قرأتموه هو جزء من كلمات قائد للثورة الشهيد في اليوم الأول من عام 1397هـ.ش (21 مارس 2018م) وفي سفره الرسمي النوروزي إلى مدينة مشهد المقدسة. كلمات قيلت لتبيين شعار العام. وبالنظر إلى أن معظم تسميات الأعوام في أكثر من عقد أخير كانت اقتصادية، فإن الأيام الأخيرة من العام وفّرت فرصة لتحليل أسباب هذه التسميات.

 

قصة الشعارات والتسميات في الرسالة النوروزية من قبل قائد الأمّة، منذ عام 1378هـ.ش (1999م)، اكتسبت طابعًا أكثر جدية كعرف سنوي. هذه الشعارات، خلال نحو ثلاثة عقود وحتى نوروز 1404هـ.ش (مارس 2025م)، كانت مصباحًا هاديًا للسياسات وما يجب وما لا يجب في العام القادم.

 

في السنوات الأولى، كانت التسميات أكثر ذات طابع التزامن مع المناسبات الدينية، مثل عام الإمام الخميني(رض)، عام الإمام علي(ع)، عام العزة والفخر الحسيني، وعام النبي الأعظم(ص)؛ لكن تدريجيًا أخذت هذه التسميات طابعًا تنفيذيًا واقتصاديًا. وفي نحو عقدين أخيرين، ركزت هذه التسميات غالبًا على الاقتصاد، خاصة مع التأكيد على الاقتصاد المقاوم والإنتاج الداخلي.

 

خلال هذه السنوات، كان تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد والناس أولوية، وهذه الشعارات والرموز هي سلسلة مترابطة من التوجهات والإجراءات الكلية اللازمة لتحقيق هذا الأمر. وبحسب تصريح الإمام الشهيد، فإن شعار كل عام لا يختص بذلك العام، بل هو توجّه وإجراء يجب أن يستمر في الأعوام اللاحقة.

 

بداية عقد التسعينيات مع الجهاد الاقتصادي

 

رغم أن بعض التسميات في الأعوام السابقة أيضًا كانت ذات طابع اقتصادي، إلا أن التركيز الأساسي على القضايا الاقتصادية في الشعارات بدأ منذ عام 1390هـ.ش (2011م)، مع تسمية «الجهاد الاقتصادي». هذه التسمية كانت إخبارًا عن نظرة طويلة الأمد في نهج القائد الشهيد للثورة في مواجهة العدو الخارجي والتصدي للعقوبات.

 

في هذا الإطار، ومع الأخذ بعين الاعتبار التطورات التي حدثت في الساحة الاقتصادية وتزايد الإجراءات العدائية الغربية في فرض العقوبات على البلاد، سُمّي هذا العام بالجهاد الاقتصادي.

 

وقد أشار في رسالته النوروزية في ذلك العام إلى أن العدو يتابع العقوبات، وأن علينا أن نولي الاهتمام للقضايا الأساسية في البلاد، وقال إن محور كل ذلك في نظري هو القضايا الاقتصادية. كان هذا بداية فصل جديد من شعارات الأعوام وتأكیدات قائد الأمة في اتجاه التقدم ومواجهة العدو في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

في 29 بهمن 1392هـ.ش (18 فبراير 2014م)، أبلغ قائد الأمّة السياسات العامة «للاقتصاد المقاوم». هذه السياسات التي تتضمن 24 بندًا، تم تحديدها وإبلاغها من قبله استنادًا إلى البند الأول من المادة 110 من الدستور وبعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، لتكون مصباحًا هاديًا لكل الأزمنة.

 

بعد ذلك، تم التأكيد على أركان هذه السياسة في تسمية الأعوام المختلفة، ومنها في عامي 1395 و1396هـ.ش (2016 و2017م). وقد قام الإمام الشهيد في تسمية هذين العامين، كما في العام الذي سبقه؛ وبالنظر إلى حاجة البلاد إلى اقتصاد منتج وداخلي، ومع اشتداد أطماع العدو في الحرب الاقتصادية المفروضة، بتحديد شعار العام على أساس الاقتصاد المقاوم.

 

الإنتاج.. الكلمة المفتاحية لثمانية شعارات للأعوام

 

إضافة إلى عام 1391هـ.ش (2012م)، ومن عام 1398 حتى 1404هـ.ش (2019 – 2025م)، كان «الإنتاج» الكلمة المفتاحية في الرسائل النوروزية للقائد الشهيد. وقد طُرح الإنتاج في هذه الأعوام كاستراتيجية وطنية لنمو وازدهار اقتصاد البلاد.

 

الأصل والمحور الذي تم التأكيد عليه في شعارات هذه الأعوام هو «الإنتاج»؛ لكن يُطرح هذا السؤال: لماذا الإنتاج؟

 

في الإجابة على هذا السؤال، يمكن تعداد أسباب متعددة من وجهة نظر الخبراء. الإنتاج هو القاسم المشترك بين جميع التيارات والمتخصصين والرؤى. إلى الحدّ الذي يوجد فيه توافق في هذا الموضوع أكثر من غيره من الأبعاد.

 

الإنتاج له علاقة مباشرة بزيادة فرص العمل، والازدهار الوطني، وزيادة الدخل والثروة الوطنية، وحتى في المراحل اللاحقة تعزيز العلاقات الدولية. الإنتاج هو العمود الفقري للاقتصاد، وإذا ازدهر الإنتاج في المجتمع، فإن الاقتصاد الوطني لن يتعرض للاهتزاز والضعف أمام ضغوط العقوبات المفروضة من قبل جبهة العدو.

 

انظروا إلى الكلمات التي استخدمها القائد الشهيد في الشعارات منذ عام 1398 (2019) فصاعدًا: بدأت بـ«الازدهار»، وهي كلمة أخف من «الطفرة» التي استُخدمت في عام 1399(2020).

 

ثم في عام 1400(2021) تم الحديث عن «الدعم» و«إزالة الموانع»، لأن العديد من الناشطين في مجال الإنتاج كانوا يشتكون من هذه الموانع.

 

بعد ذلك تم الالتفات إلى الشركات القائمة على المعرفة، والتأكيد على أهميتها في مجال طفرة الإنتاج، وكذلك تم التأكيد على مسألة التشغيل التي تعتمد عليها حياة الفئات الاجتماعية اقتصاديًا.

 

ثم تم التعرف على التضخم كأحد الموانع في مجال الإنتاج، ومن جهة أخرى اعتُبر الإنتاج حلًا لكبح التضخم.

 

في العام التالي تم طرح موضوع مشاركة الناس، وفي «مشاركة الناس» لا يتم التأكيد على حذف أو إضعاف أدوار الجهات الحالية (سواء الحكومية أو الخاصة)، بل التأكيد على إدخال عامة الناس إلى الساحة. تجربة هذا المبدأ موجودة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

لكن في بداية عام 1404هـ.ش (مارس 2025م)، وتحت عنوان «الاستثمار للإنتاج»، أكد قائد الثورة الشهيد في كلماته أن أحد القضايا المهمة في اقتصاد البلاد هو الاستثمارات الإنتاجية، وأن الإنتاج يتحقق فيه الطفرة عندما يتم الاستثمار.

 

نتائج شعارات الأعوام

 

مراجعة تسمية الأعوام الاقتصادية تُظهر أن تحويل الإنتاج إلى خطاب ذهني في المجتمع كان من آثار هذه التسميات. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ الإنتاج وريادة الأعمال كقيمة سائدة في أذهان المجتمع الإيراني، في حين أن بعض المواطنين في العقود السابقة كانوا يحملون نظرة سلبية تجاه رواد الأعمال.

 

كما أن خلق فضاء لطرح مطالب المنتجين هو من النتائج الأخرى لتسمية الأعوام الاقتصادية. وقد شوهد مرارًا أن رواد الأعمال يطرحون بوضوح همومهم ومشكلاتهم أمام المسؤولين.

 

كذلك، في العقد الأخير، امتلأت وسائل الإعلام المكتوبة والافتراضية بقضايا ومشكلات المنتجين، بل وتنتقد المسؤولين الاقتصاديين بسبب التقصير في معالجة هذه المشكلات بسرعة. ومن الواضح أن نشوء مثل هذا الفضاء هو نتيجة لتسمية الأعوام الاقتصادية.

 

تحويل شراء واستهلاك السلع المحلية إلى فخر ووطنية هو أيضًا من آثار هذه التسميات. ففي حين أن بعض الناس كانوا يعتقدون أن استهلاك السلع الأجنبية، وخاصة ذات العلامات التجارية، يرفع مكانتهم الاجتماعية، فإن التأكيد على شراء السلع المحلية غيّر هذا التصور وجعل استهلاك المنتج الإيراني فخر واعتزاز.

 

ويرى الناشطون والخبراء الاقتصاديون أن للاقتصاد القائم على المعرفة ميزة لا توجد في أنواع الإنتاج الأخرى، وهي أنه لا يصل إلى حالة الإشباع، بخلاف الإنتاج الصناعي. يمكن زيادة رأس المال والإنتاج المادي، لكن وتيرة نموه تتباطأ، بينما الإنتاج المعرفي لا حد له.

 

إن تأكيد قائد الأمّة على دعم الاقتصاد المعرفي يدل على عمق رؤيته في هذا المجال، وقد أدت توجيهاته إلى توجيه مسار البلاد نحو ضمان مستقبلها لعقود قادمة.

 

تسميات الأعوام 1390–1404 (2011-2025):

 

«الجهاد الاقتصادي»

مع تشديد العقوبات الاقتصادية، تم اختيار شعار «الجهاد الاقتصادي» لتسريع مسار الاقتصاد المقاوم.

 

1391هـ.ش (20 مارس 2012م – 20 مارس 2013م)

 

«الإنتاج الوطني ودعم العمل ورأس المال الإيراني»

 

كان سبب هذه التسمية دعم الإنتاج الوطني وتشجيع الناس على شراء السلع الإيرانية، وكذلك التأكيد على أهمية الإنتاج الداخلي لنمو الاقتصاد.

 

1392هـ.ش (21 مارس 2013م – 20 مارس 2014م)

 

«الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية»

 

على إثر انتخابات الرئاسة الحادية عشرة وضرورة تجاوز المشكلات الاقتصادية، سُمّي هذا العام «الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية».

 

1393هـ.ش (21 مارس 2014م – 20 مارس 2015م)

 

«الاقتصاد والثقافة بعزم وطني وإدارة جهادية»

 

كان التأكيد على الإدارة الجهادية بهدف زيادة النمو الاقتصادي من أهم أسباب هذه التسمية.

 

1394هـ.ش (21 مارس 2015م – 19 مارس 2016م)

 

«الدولة والشعب، التعاطف والتكاتف»

 

في هذا الشعار تم التأكيد على التعاون الواسع بين الدولة والشعب.

 

1395هـ.ش (20 مارس 2016م – 20 مارس 2017م)

 

«الاقتصاد المقاوم؛ العمل والتنفيذ»

 

منذ عام 1395، أصبحت تسمية الأعوام أكثر طابعًا اقتصاديًا مع التركيز على الاعتماد على القدرات الداخلية، وفي الخطوة الأولى سُمّي هذا العام «الاقتصاد المقاوم؛ العمل والتنفيذ».

 

 

1396هـ.ش (21 مارس 2017م – 20 مارس 2018م)

 

«الاقتصاد المقاوم.. الإنتاج والتشغيل»

 

كما في العام السابق، وبالنظر إلى حاجة البلاد إلى اقتصاد منتج وداخلي، تم تحديد شعار العام بمحورية الاقتصاد المقاوم.

 

1397هـ.ش (21 مارس 2018م – 20 مارس 2019م)

 

«دعم السلع الإيرانية»

 

في هذا العام خرجت العديد من الشركات الأجنبية من إيران، ومع ذلك ساهم التأكيد على دعم شراء السلع الإيرانية، بالتزامن مع دعم الإنتاج، في نمو الإنتاج الوطني.

 

1398هـ.ش (21 مارس 2019م – 19 مارس 2020م)

 

«ازدهار الإنتاج»

 

إن أهمية الإنتاج في البلاد وتحسين وضعه باعتباره القضية الرئيسية للاقتصاد الإيراني أدت إلى تسمية هذا العام بـ«ازدهار الإنتاج».

 

1399هـ.ش (20 مارس 2020م – 20 مارس 2021م)

 

«طفرة الإنتاج»

 

تمت هذه التسمية نظرًا لأن أولوية البلاد ومسألتها العاجلة والجدية هي الاقتصاد، وأن مفتاح حل جميع المشكلات الاقتصادية هو تطوير الإنتاج الوطني، وذلك للتأكيد مرة أخرى على الإنتاج.

 

1400هـ.ش (21 مارس 2021م – 20 مارس 2022م)

 

«الإنتاج، الدعم، إزالة العوائق»

 

إزالة العوائق أمام الإنتاج كانت مسألة مهمة أشار إليها القائد الشهيد في تسمية هذا العام.

 

1401هـ.ش (21 مارس 2022م – 20 مارس 2023م)

 

«الإنتاج، قائم على المعرفة ومولّد للوظائف»

 

بسبب أهمية مكانة الاقتصاد المعرفي في الإنتاج والتشغيل، سُمّي هذا العام بهذا العنوان.

 

1402هـ.ش (21 مارس 2023م – 19 مارس 2024م)

 

«كبح التضخم، نمو الإنتاج»

 

بسبب المعدلات المرتفعة للتضخم في السنوات الأخيرة باعتباره المشكلة الرئيسية، وبسبب علاقته المتبادلة مع الإنتاج، سُمّي هذا العام «كبح التضخم، نمو الإنتاج».

 

1403هـ.ش (20 مارس 2024م – 20 مارس 2025م)

 

«طفرة الإنتاج بمشاركة الشعب»

 

نظرًا لدور الإنتاج في حل المشكلات الاقتصادية مثل التضخم والبطالة، سُمّي هذا العام بهذا العنوان.

 

1404هـ.ش (21 مارس 2025م – 20 مارس 2026م)

 

«الاستثمار من أجل الإنتاج»

 

إن الإنتاج يحقق الطفرة عندما يتم الاستثمار فيه، كما أن أهمية حضور رؤوس الأموال الشعبية الصغيرة في قطاع الإنتاج كانت من أسباب هذه التسمية.

 

 

المصدر: الوفاق خاص

الاخبار ذات الصلة