يوم تمشي السماء على الأرض.. لا يُشيَّع رجل، بل تاريخ يمتدّ من طهران إلى كربلاء

خاص الوفاق/لن يكون يوم التشييع يوماً عادياً في رزنامة الشرق الأوسط. سيكون يوماً يتوقف فيه الزمن للحظات، وتحبس فيه الجغرافيا أنفاسها بين الحزن والوفاء. لن تكون طهران مدينة عادية في ذلك اليوم؛ ستكون أمّاً تمشي خلف ابنها،

 

د. أكرم شمص

 

لن يكون يوم التشييع يوماً عادياً في رزنامة الشرق الأوسط. سيكون يوماً يتوقف فيه الزمن للحظات، وتحبس فيه الجغرافيا أنفاسها بين الحزن والوفاء. لن تكون طهران مدينة عادية في ذلك اليوم؛ ستكون أمّاً تمشي خلف ابنها، وثورة تسير خلف حارسها، وأمّة تودع رجلاً أمضى أكثر من نصف قرن حاملاً على كتفيه همومها وأحلامها وآلامها.

 

حين يُشيَّع الإمام الشهيد، لا يُشيَّع رجل واحد. ما سيُشيَّع هو عصر بأكمله. أربعة وثمانون عاماً من الصبر والعطاء، وخمسة وثلاثون عاماً من الوقوف على رأس أخطر التحولات التي شهدتها المنطقة والعالم. وحين يتحرّك الموكب، لن تكون الملايين التي ستسير خلفه مجرد جمهور يشارك في مراسم رسمية، بل أمواجاً بشرية تحمل في ذاكرتها قصة رجل ارتبط اسمه بالثورة والدولة والمقاومة والأمل والنصر.

 

قد تتحوّل شوارع طهران إلى بحر من السواد البشري؛ لكن المشهد الحقيقي لن يكون في لون الرايات ولا في حجم الحشود، بل في ذلك الشعور الجماعي بأن جيلاً كاملاً يطوي صفحة من تاريخه، فيما يتهيأ لفتح صفحة جديدة.

 

العباءة التي أدارت العواصف

 

سياسياً، لم يكن القائد الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) مجرد قائد دولة أو مرجع ديني، بل كان أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة أحداث المنطقة خلال العقود الأخيرة. فمن خلف مكتبه المتواضع أُديرت معارك كبرى، ورُسمت استراتيجيات غيرت موازين القوى، واتُّخذت قرارات عبرت بالجمهورية الإسلامية من أصعب مراحلها.

 

واجه الحصار الاقتصادي فدعا إلى الاكتفاء الذاتي، وواجه الحرب فحوّل الصمود إلى ثقافة، وواجه محاولات العزل والضغوط الدولية فبقي متمسكاً بثوابته. لذلك فإن الذين سيملأون الساحات لن يأتوا لتوديع مسؤول حكم بلاده لعقود، بل لتوديع قائد ارتبط في وجدانهم بمعنى الثبات حين تتغير المواقف، والصمود حين تتساقط الحسابات.

 

وفي هذه اللحظة يلتقي الوجدان بالسياسة؛ فالقوة التي بناها لم تكن مستمدة من المؤسسات العسكرية أو القدرات الدفاعية فحسب، بل من تلك الرابطة الروحية والعقائدية التي ربطت ملايين الناس بشخصه كولي فقيه وقائد ورمز.

 

 شاهد على رحيل جيل كامل

 

عاش الإمام الشهيد زمن الثورة والحرب والدولة. ورأى رفاق الدرب يغادرون الواحد تلو الآخر، فيما كان يحمل الأمانة ويواصل المسير.

 

من الشهيد آية الله بهشتي إلى الرئيس رجائي، ومن السيد عباس الموسوي إلى الحاج عماد مغنية، ومن الحاج قاسم سليماني إلى سيد شهداء الأمّة السيد حسن نصر الله، كأنّ القدر يريده شاهداً أخيراً على جيل كامل من الرجال الذين صنعوا أخطر التحولات في المنطقة.

 

ولعلّ ما يضفي على المشهد بُعداً إنسانياً خاصاً أنّ النهاية تبدو امتداداً للبداية؛ فذلك الفتى القادم من مشهد، الذي عرف السجون والمطاردة ومحاولة الاغتيال، والذي حمل في يده أثر الجرح لعقود، يعود اليوم إلى المدينة نفسها بعد رحلة طويلة من الجهاد والعلم والقيادة.

 

 

 جنازة بحجم الجغرافيا والتاريخ

 

ما يجعل هذا التشييع حدثاً إستثنائياً ليس عدد المشاركين فقط، بل امتداده عبر الزمان والمكان.

 

فالمراسم لن تُختصر بساعات قليلة، بل ستستمر أياماً كاملة، وكأن أمّة بأسرها تحتاج إلى الوقت لتستوعب حجم الرحيل. ستبدأ الرحلة في طهران، العاصمة التي احتضنت مسيرة القيادة وصناعة القرار، حيث ستفتح الساحات أبوابها للوداع الشعبي والرسمي.

 

ومن طهران ستنتقل إلى قم المقدسة، مدينة العلم والحوزات، حيث تتقاطع السياسة مع الفقه، والثورة مع المرجعية. وهناك سيودع العلماء وطلاب العلوم الدينية رجلاً شكّل أحد أبرز رموز المدرسة الإسلامية المعاصرة.

 

ثم تعبر الرحلة إلى العراق، إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، حيث تختلط الجغرافيا بالعقيدة، وحيث يلتقي نعش الإمام الشهيد بمحطات شكّلت وجدان الأمّة عبر قرون طويلة. فالنجف مدينة الإمام علي(ع)، وكربلاء مدينة الإمام الحسين(ع)، وهما المكانان اللذان استلهم منهما القائد الشهيد كثيراً من معاني الصبر والثبات والجهاد.

 

وأخيراً، تصل الرحلة إلى مدينة مشهد المقدسة، المدينة التي شهدت ولادته ونشأته الأولى. هناك، عند جوار الإمام الرضا(ع)، تنتهي الرحلة الجغرافية؛ لكن تبدأ رحلة أخرى في الذاكرة والوجدان. فأن يولد الإنسان في مشهد، ويجوب عمره ساحات الثورة والجهاد والسياسة، ثم يعود إليها محمولاً على أكتاف الملايين، فذلك مشهد يختصر حياة كاملة بين البداية والنهاية.

 

إنها ليست جنازة تعبر المدن فحسب، بل مسيرة تمر عبر أهم العواصم الروحية والسياسية في العالم الإسلامي، وكأن الجغرافيا نفسها تشارك في كتابة الفصل الأخير من سيرة رجل ترك بصمته على امتداد هذه الرقعة كلها.

 

رحيل الجسد وبقاء النهج

 

سيحاول العالم قراءة المشهد بلغة الأرقام: عدد المشاركين، حجم الوفود، والرسائل السياسية التي تحملها الحشود. لكن الحقيقة الأعمق ستبقى أبعد من كل الإحصاءات.

 

فالجنازات الكبرى لا تقاس بعدد المشيعين، بل بما تتركه من أثر في التاريخ. وحين رحل الإمام الخميني(قدس) عام 1989، سأل كثيرون: مَن يحمل هذا الجبل من بعده؟ فجاءت السنوات بالإجابة.

 

واليوم يعود السؤال ذاته بصيغة مختلفة: ماذا بعد الإمام الشهيد؟

 

وربما يحمل التشييع نفسه الجواب. فحين تمتدّ الجنازة من طهران إلى قم المقدسة، ومن قم إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وصولاً إلى مشهد المقدسة، فإنّ الرسالة لا تتعلق برحيل رجل بقدر ما تتعلق ببقاء نهج. فالأشخاص يرحلون، أمّا المشاريع الكبرى فتستمر مادامت حيّة في وجدان الشعوب.

 

وعندما تنتهي مراسم التشييع، وتعود الجموع إلى بيوتها، ويهدأ ضجيج الساحات، سيبقى شيء واحد حاضراً في الذاكرة: أن الإمام الشهيد لم يكن مجرد رجل مرّ في التاريخ، بل كان جزءاً من تاريخ صنعته الإرادة والإيمان والصبر.

 

فيا موكب الوفاء، سر نحو موعدك مع التاريخ. وأنت أيها القائد الشهيد، ارتح. لقد حملت ما لا يحمله كثيرون، وتركت خلفك أمة تعرف الطريق، ونهجاً تجاوز حدود الزمن، ورسالة ستبقى حية ما بقي المؤمنون بها أوفياء لها.

 

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة