وتكشف قراءة الروايات التي نُشرت على هذه المنصة أن تمثيل هذه المراسم لم يقتصر على نقل الأخبار أو إعداد التقارير، بل غدا ساحةً لتشكّل روايات متعددة حول إيران، والهُوية الدينية، والمقاومة، وثقافة الحداد، وحتى التنافسات السياسية والإعلامية.
ومن أبرز السمات التي اتسم بها التفاعل مع هذه المراسم، الحضور اللافت للصحفيين الأجانب الذين واكبوا الحدث من طهران.
فعلى خلاف كثير من الأحداث السياسية التي تُنقل رواياتها غالبًا عبر البيانات أو التقارير الرسمية، أُنتج جانبٌ كبير من المحتوى المتعلق بهذه المراسم على أيدي صحفيين كانوا يغطون الحدث مباشرةً من موقع إقامته.
وقد أتاحت الصور ومقاطع الفيديو والروايات الميدانية التي نقلوها للجمهور العالمي الاطلاع المباشر على أجواء المراسم، وحجم الحشود، وحالة المشيعين، والأبعاد التنظيمية لهذا الحدث.
ولذلك، استندت الرواية الإعلامية للمراسم إلى المشاهدة المباشرة والتصوير الميداني أكثر مما استندت إلى التحليلات المجردة.
اللافت أن كثيرًا من هؤلاء الصحفيين، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية أو المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الإشارة في تقاريرهم إلى ضخامة المراسم، واتساع الحضور الشعبي، وأبعادها الاجتماعية.
فقد كانت الحقيقة الميدانية للحدث واضحة إلى درجة جعلتها عنصرًا مشتركًا في مختلف الروايات. وعلى الرغم من تباين القراءات والتحليلات، فإن اتساع نطاق المراسم، وكثافة الحشود، وأهميتها السياسية والاجتماعية، كانت قواسم مشتركة تكررت في معظم التغطيات.
ويؤكد ذلك أن الوقائع الميدانية في الأحداث الكبرى قادرة على تقليص جانب مهم من التباينات في السرديات الإعلامية، وصياغة صورة مشتركة نسبيًا عن جوهر الحدث.
إلى جانب الصحفيين، كان للحضور الفاعل للشخصيات الإعلامية المستقلة، والصحفيين، وصنّاع المحتوى الدوليين أهمية خاصة.
فلم يقتصر دور هذه الفئة على نقل الأخبار، بل سعت أيضًا إلى مشاركة الجمهور بانطباعاتها الشخصية عن أجواء المراسم.
وفي كثير من الحالات، شكّل وصف مشاعر الحشود، والتأكيد على حسن تنظيم المراسم، والإشارة إلى الهتافات، أو تفسير رسائلها السياسية، جزءًا من رواياتهم.
ويعكس ذلك أن عصر شبكات التواصل الاجتماعي قد أدى إلى تراجع الحدود الفاصلة بين الصحفي، والمحلل، وصانع المحتوى، بحيث باتت الرواية الواحدة تجمع في الوقت نفسه بين العناصر الخبرية والتحليلية والشخصية.
من جهة أخرى، تُظهر مراجعة تفاعلات المستخدمين الناطقين باللغة الإنجليزية أن جانبًا مهمًا من صدى هذه المراسم اتخذ طابعًا وجدانيًا وهوياتيًا.
فعلى خلاف الصحفيين الذين ركزوا في الغالب على وصف مجريات الحدث، انشغل المستخدمون بالتعبير عن مشاعرهم تجاه هذه الواقعة.
وقد تكررت في كثير من منشوراتهم مفردات مثل: الحزن، والاحترام، والشهادة، والوفاء، والدعاء، والتعاطف، والمقاومة.
ويؤكد هذا النمط أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبحت أيضًا فضاءً لتشكيل المشاعر الجمعية وإبرازها.
ومن بين هذه التفاعلات، يبرز كذلك التنوع الجغرافي للمستخدمين، إذ صدرت منشورات من بلدان مختلفة في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، نظر كل منها إلى المراسم من زاوية مختلفة.
فقد تناول بعض المستخدمين الحدث من منظور الهُوية الإسلامية، ورأى آخرون فيه رمزًا للمقاومة السياسية، بينما عمدت فئة أخرى إلى إدانة استشهاد قائد الثورة، منتقدةً في الوقت ذاته سياسات الحكومات الغربية.
ويشير هذا التنوع إلى أن صدى الحدث الواحد على شبكات التواصل الاجتماعي يمكن أن يكتسب دلالات متعددة داخل المجتمعات المختلفة، تبعًا لخلفياتها الثقافية والسياسية والدينية.
من منظور الاتصال الاستراتيجي، كان من أبرز نتائج هذا الحضور الإعلامي انتقال مركز الثقل من الروايات الرسمية إلى التجارب المباشرة للمستخدمين والصحفيين.
ففي السنوات الأخيرة، بات الجمهور العالمي يمنح ثقةً أكبر للروايات الميدانية والمحتوى الذي ينتجه الأشخاص الموجودون في موقع الحدث.
وغالبًا ما تحقق الصور الحية، ومقاطع الفيديو غير المعدلة، والتقارير اللحظية، تأثيرًا يفوق ما تحققه التقارير الرسمية.
ولم تكن مراسم تشييع القائد الشهيد استثناءً من هذه القاعدة، إذ تشكل جانبٌ كبير من صورتها العالمية من خلال هذه الروايات المباشرة.
كما يكشف تحليل المحتوى المنشور أن الصورة الغالبة لهذه المراسم على شبكة «إكس» لم تكن متمحورة، بالدرجة الأولى، حول الجوانب الأمنية أو السياسية، بل ارتكزت على حضور الناس والأجواء العامة للمراسم.
فقد عرضت العديد من الصور المنشورة الحشود الكبيرة، والمسافات الطويلة لمسار التشييع، والمشيعين، وأجواء الحداد.
وقد أدى ذلك إلى أن يتعرف الجمهور الخارجي، قبل كل شيء، على الأبعاد الاجتماعية لهذا الحدث، ثم يبدأ بعد ذلك في تشكيل رؤيته السياسية تجاهه.
ومن النقاط المهمة الأخرى، تزامن نوعين من الروايات في فضاء «إكس»؛ هما الرواية الواقعية والرواية العاطفية. فالرواية الواقعية تركز على ما يجري في الميدان؛ من حشود، ومراسم، وصور، وتقارير مباشرة.
أما الرواية العاطفية فتقوم على انطباعات المستخدمين ومعتقداتهم ومشاعرهم. وعندما تجتمع هاتان الروايتان إلى جانب بعضهما، لا يعود الحدث مجرد خبرٍ عابر، بل يتحول إلى تجربة جماعية في الفضاء الرقمي، يشعر معها المتابعون بأنهم جزء منها. وهذه السمة تعد من أبرز الفوارق بين شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية.
بشكل عام، أظهر صدى مراسم تشييع الإمام الشهيد على شبكة «إكس» أن شبكات التواصل الاجتماعي اليوم ليست مجرد أدوات لنشر الأخبار، بل أصبحت ساحةً لتنافس الروايات والمشاعر والتصورات السياسية والثقافية.
فقد أسهمت روايات الصحفيين الأجانب، والحضور الفاعل لصناع المحتوى المستقلين، والتفاعلات الواسعة للمستخدمين الناطقين باللغة الإنجليزية، في تشكيل صورة متعددة الأبعاد لهذه المراسم؛ صورة أكدت الحضور الشعبي الواسع، وأبرزت في الوقت ذاته الأبعاد الدينية والعاطفية للحدث، كما عكست تداعياته السياسية على المستوى الدولي.
وفي النهاية، تُظهر تجربة هذا الحدث أن التأثير العالمي لأي واقعة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح مرتبطًا، أكثر من أي وقت مضى، بجودة الرواية التي تُقدَّم عنها.
فكلما كانت الروايات الميدانية والموثقة والمتنوعة أكثر حضورًا، ازدادت فرص تشكل صورة أوسع وأكثر شمولًا في الرأي العام العالمي.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار مراسم تشييع القائد الشهيد نموذجًا للتداخل بين الواقع الميداني، والرواية الإعلامية، ومشاركة المستخدمين في إنتاج المعنى؛ وهو تداخل يؤكد أن الرأي العام العالمي اليوم لا يتشكل فقط بواسطة وسائل الإعلام الرسمية، بل هو نتاج التفاعل المستمر بين الصحفيين، وصناع المحتوى، وملايين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي.
الخلاصة:
يكشف تحليل التغريدات المنشورة أن مراسم وداع وتشييع القائد الشهيد في الفضاء الناطق باللغة الإنجليزية على منصة «إكس» لم تُنقل بوصفها خبرًا فحسب، بل تحولت إلى مجموعة من الروايات الميدانية والتفاعلات العاطفية.
فقد سعى الصحفيون والناشطون الإعلاميون الأجانب، من خلال توثيق صور المصلّى، ومسارات التشييع، والحضور الشعبي الواسع، إلى نقل الأبعاد الواقعية والميدانية للمراسم إلى الجمهور العالمي؛
في حين ركز المستخدمون الناطقون باللغة الإنجليزية، عبر رسائل قصيرة لكنها ذات دلالات عميقة، بصورة أكبر على مشاعر الحزن، وتقديم الاحترام، والتعاطف، والوفاء، والروابط الدينية والهوياتية.
ويُظهر اجتماع هذين المستويين من التفاعل أن هذه المراسم قدمت على منصة «إكس» صورتين متزامنتين أمام المتابعين: فمن جهة، أعادت تمثيل صورة ميدانية للحشود، ومراسم التشييع، والأجواء العامة في طهران وإيران؛
ومن جهة أخرى، شكلت صورة وجدانية عن الحداد، والتضامن، وتفاعل المستخدمين المتجاوز للحدود الجغرافية.
ولهذا يمكن اعتبار صدى هذا الحدث بين المستخدمين الناطقين باللغة الإنجليزية تمثيلًا مركبًا يجمع بين الحضور الشعبي، والدلالات الدينية، والمشاعر العابرة للحدود.