ففي هذه الأيام، لا تكاد ترى بيتًا في قم إلّا ويستضيف ضيوفًا قدموا من مدن أخرى؛ فكل مَن له قريب أو صديق في قم اتصل به، واصطحب زوجته وأطفاله، وشدّ الرحال إلى المدينة للمشاركة في تشييع قائد الأمّة سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض).
وكما يقول أهل قم، فقد امتلأت المدينة بالسيارات التي لا تحمل لوحات ذات رقم 16! لقد فتحت المدينة ذراعيها لاستقبال الجثمان الطاهر للقائد الشهيد وأفراد أسرته الكريمة، ووقفت تستقبل كذلك ضيوفًا قدموا من مختلف أنحاء البلاد، فضلًا عن عشاقٍ ومحبين غير إيرانيين وفدوا إليها من قارات العالم المختلفة.
100 قافلة من القلوب حملناها إلى جمكران
يقع مسجد جمكران في قلب المنطقة الصحراوية بمدينة قم، وهو المكان الذي كان يتشرّف بزيارته مرارًا سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (رض)، حيث كان يمضي فيه ساعاتٍ طويلة في العبادة والصلاة والدعاء، ولم يُنشر من تلك الزيارات خلال السنوات الأخيرة سوى لقطاتٍ محدودة. وقد أُعلن أن هذا المسجد سيكون مكان إقامة الصلاة على جثمانه الطاهر.
وقبل ثماني ساعات من بدء مراسم التشييع، كانت الطاقة الاستيعابية لمسجد جمكران قد امتلأت بالكامل، فيما سيتعين على سائر المعزّين الاصطفاف في صفوفٍ متصلة في الشوارع المحيطة لأداء الصلاة على الجثمان الطاهر.
هنا جمكران؛ ذلك المسجد ذو القبة الفيروزية، الذي ظلّ رمزًا لانتظار قيام حكومة الصالحين، والأمل الذي حفظ أتباع مدرسة أهل البيت(ع) صامدين في مواجهة أشدّ المحن والخطوب. واليوم، بات لزامًا على هؤلاء الناس أن يستجمعوا قواهم، وأن ينهضوا من جديد.
قد قامت قم
قبل إقامة الصلاة، انطلق صوت الإمام الشهيد من مآذن مسجد جمكران، مرددًا كلماته التاريخية التي ألقاها في خطبة صلاة الجمعة يوم 19 يونيو/ حزيران 2009: «وأوجّه كلمةً أخيرة إلى مولانا وصاحبنا، بقية الله (أرواحنا فداه): يا سيدنا، يا مولانا، إننا سنؤدي ما يجب علينا أن نؤديه، وقد قلنا ما ينبغي أن يُقال وسنظل نقوله.
إن لي نفسًا متواضعة، وجسدًا ناقصًا، وقليلًا من السمعة، وكل ذلك أنتم مَن وهبتمونا إياه؛ وقد وضعتُه كله على كفي، وسأفديه في سبيل هذه الثورة وفي سبيل الإسلام، فليكن ذلك كله نذرًا لكم.
يا سيدنا، يا مولانا، ادعُ لنا؛ فأنت صاحبنا، وأنت صاحب هذا البلد، وأنت صاحب هذه الثورة، وأنتم سندنا. سنواصل هذا الطريق، وسنمضي فيه بكل قوة، فأيدونا بدعائكم، ودعمكم، وعنايتكم.»
وكان لسماع هذه الكلمات، فيما كانت تُنقل الجثامين الطاهرة لقائد الثورة وأفراد أسرته الشهداء من داخل المسجد إلى صحن مسجد جمكران لإقامة الصلاة عليها، أثرٌ بالغ في النفوس؛ إذ تعالى نحيب الرجال، وارتفع بكاء النساء حتى ملأ أرجاء المكان المفتوح.
لقد توقف الزمن عند الساعة السادسة صباحًا، وتعالى النداء: «الصلاة، الصلاة»؛ وهو النداء الذي يقوم مقام الأذان أو عبارة «قد قامت الصلاة» في الصلوات اليومية.
يردد المكبر: «الصلاة، الصلاة».. فتضطرب الأكتاف، وتنهمر الدموع من عيون المصلين. «الصلاة، الصلاة».. فلابدّ من أداء الصلاة على الجثمان الطاهر للمرجع الديني الشهيد، ولابد من التسليم بأن هذه هي لحظة الوداع الأخيرة.
ارتفع نداء «الصلاة، الصلاة»، وتقدم سماحة المرجع آية الله العظمى جوادي آملي مكبرًا تكبيرة الإحرام، وما إن دوّى صوت «الله أكبر» من أفواه الجموع حتى خطر ببالي: «قد قامت قم».. لقد نهضت قم، وقفت قم شامخة، بل قد قامت الأمّة؛ فاليوم نهضت أمّة إيران، ونهضت الأمّة الإسلامية.
كان سماحة آية الله العظمى جوادي آملي، الذي وصفه سماحة قائد الثورة آية الله السيد مجتبى الخامنئي قبل مدة بأنه «حكيم العصر البارز وفقيهه الجليل»، يتلو في ختام الصلاة، وكأنها شهادة خالدة في حق القائد الشهيد: «اللَّهُمَّ إِنَّ هذَا الْمُسَجَّى قُدَّامَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ.» كان إمام الجماعة والمصلون جميعًا قد غلبتهم العبرة، واغرورقت عيونهم بالدموع.
ثم واصل: «نَزَلَ، نَزَلَ، نَزَلَ بِعِزِّ جَلَالِكَ وَجَبَرُوتِكَ وَعَظَمَتِكَ وَمَلَكُوتِكَ..» واستمرت العبارات الطويلة حتى بلغ قوله: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ نَزَلَ مُجَاهِدًا، مُبَالِغًا، وَرِعًا، مُوَحِّدًا، مُتَأَلِّهًا.» ثم تابع: «اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ، إِنَّهُ نَزَلَ عِنْدَكَ شَهِيدًا لِلْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ وَالْعِتْرَةِ؛ هذَا أَوَّلًا.» ثم أردف: «اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ، إِنَّهُ نَزَلَ عِنْدَكَ قَتِيلًا لِلْإِسْلَامِ؛ قَتِيلًا لِلْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ؛ قَتِيلًا لِسِيَاسَتِهَا؛ قَتِيلًا لِصِيَانَتِهَا؛ قَتِيلًا لِكِيَانِهَا؛ قَتِيلًا لِعَظَمَتِهَا وَسِيَادَتِهَا وَوَحْدَتِهَا.»
واستمرت هذه المقاطع العرفانية والحماسية من صلاة الجنازة على القائد الشهيد؛ وكان المصلون يزدادون تأثرًا، فيما واصل إمام الجماعة التضرع والدعاء، حتى ختم بقوله: «اللَّهُمَّ احْشُرْهُ مَعَ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ الْمَهْدِيِّينَ.» يا لها من صلاة! صفوف المأمومين امتدت من جمكران إلى الحرم لمسافة ستة كيلومترات، في مشهدٍ مهيب تجلت فيه أسمى المعاني، وأبهى صور العزة، وأروع مظاهر الجلال والهيبة.
لا يهدأ قلبي من شدّة الفراق بعدك
تعيد الحشود الغفيرة التي احتشدت في قم إلى الأذهان مشاهد الاستقبال الشعبي الكبير لقائد الثورة عام 2010. ففي مراسم التشييع، ترددت هتافات الجماهير والأناشيد الحماسية ومراثي هذه الأيام، غير أن المشيعين، وهم أنفسهم ضيوف حسينية الإمام الخميني(رض) في لقاءات 9 يناير خلال الأعوام الماضية، سرعان ما استعادوا أناشيدهم الجماعية القديمة، وهتافات البيعة التي كانوا يرددونها في الحسينية. لقد انفتحت جراح الذكريات في قلوب هؤلاء الناس، وأصبح كل واحد منهم يحمل على كتفيه أحمالًا من الفقد والأسى.
على امتداد الطريق، كان التأوه والاختناق بالعبرة يملآن الأجواء، وزاد الحرّ الشديد من وطأة المشهد، إلا أن الرجال والنساء حوّلوا ذلك كله إلى صرخاتٍ مدوية، وكانت هتافات «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» تتعالى بين حين وآخر، متداخلة مع البكاء والمراثي.
من الموضع الذي أقف فيه، لا أرى سوى زاوية صغيرة من انتفاضة أهالي قم وهي تكرم المرجع المجاهد الشهيد سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي(رض).
هنا يُهدّئ الابن أباه، وهناك يواسي الأب ابنه. ورجل دين في منتصف العمر يغترف بيده قليلًا من الماء، وينثره على وجه ابنته التي أنهكها البكاء.
أمّا العلماء ورجال الدين، بعباءاتهم السوداء وأرديتهم أو بأوشحة الحداد التي تعلو عباءاتهم، فيتبادلون كلمات المواساة المألوفة بينهم قائلين: «أَعْظَمَ اللهُ أُجُورَنَا وَأُجُورَكُمْ».
هنا، في المكان الممتد بين جمكران وحرم السيدة المعصومة(س)، ينتشر عدد كبير من العلماء وطلبة الحوزة، ممن وُلدوا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وقد انقضت سنوات دراستهم العلمية كلها في ظل زعامة وقيادة سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (رض).
وهم يرون أنفسهم مدينين له؛ فقد تعلموا منه أساليب الدرس والبحث، وتلقوا على يديه منهج الاجتهاد، واستمدوا منه زادهم العلمي لعقودٍ من التبليغ في مواسم محرم الحرام، ولشهرٍ كامل من الخطابة والإرشاد في المساجد خلال شهر رمضان، حتى في أبعد قرى إيران.
وقد حضر عدد من طلبة العلوم الدينية مرتدين الأكفان، اقتداءً بفدائيي انتفاضة 5 يونيو عام 1963 في نصرة الإمام الخميني(رض)، فيما اختار آخرون أن يشيعوا الجثمان الطاهر على الطريقة التقليدية لرجال الدين في مراسم العزاء، حفاة الأقدام ومن دون عمائم.
ترحل؛ لكنني لا أصدّق
قد أنهكني التعب، فأقف في زاوية أحد المواكب، فيما يبتعد النعش الطاهر شيئًا فشيئًا عن ناظري. وأغرق في التفكير: أكثر من 80 عامًا من الجهاد في سبيل الله، والتحصيل والتدريس في الحوزات العلمية في قم ومشهد وطهران، وسنوات طويلة من الثبات في الدفاع عن القيم الدينية، وحمل راية التجديد والإصلاح في الحوزات العلمية، وإقامة عشرات مجالس العزاء لأهل البيت(ع)، ونشر القرآن الكريم في البلاد بصورةٍ استثنائية، والجهاد الدؤوب في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وعمرٌ كامل من المواجهة الفكرية والثقافية ضدّ الجمود الفكري والانحرافات العقائدية.. كل ذلك لم تكن خاتمته إلا الشهادة، وهذا التشييع التاريخي.
أمّا بالنسبة إلينا، الذين ارتبطت ذكرياتنا مع السيد الشهيد بمناسبات النوروز، ومحرّم، وأيام الفاطمية، ولقاءات الرواديد في ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء(س)، وصلاة عيد الفطر، وذكرى المبعث النبوي الشريف، وسائر المناسبات.. فإن تقبّل هذا الفراق ليس بالأمر الهيّن.