رصد الصدى العالمي لمراسم تشييع قائد الثورة الشهيد(رض)

السيل الجماهيري الهادر؛ والاستفتاء الاجتماعي

تحوّلت مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، منذ ساعاتها الأولى، إلى أحد أبرز الأحداث الإخبارية في العالم. فقد واكبتها عشرات وسائل الإعلام الدولية بصورة مباشرة، ونشرت إلى جانب تقاريرها الإخبارية تحليلات تناولت أبعادها السياسية والاجتماعية والجيوسياسية.

ورغم اختلاف زوايا التغطية، كادت وسائل الإعلام تجمع على أن التشييع لم يكن مجرد مراسم حداد، بل حدثاً إقليمياً ودولياً يمكن أن يؤثر في حسابات مختلف الأطراف.

 

وأظهر رصد التغطيات العالمية تبلور ثلاث روايات رئيسية. ركزت الأولى، وهي الغالبة في الإعلام الغربي، على تأثير الحضور الشعبي في مستقبل العلاقات بين إيران والغرب والمفاوضات المحتملة.

 

أمّا الثانية، التي برزت في الإعلام العربي والإسلامي، فتناولت المراسم من منظور المقاومة والشرعية الاجتماعية والرموز الدينية. في حين ركزت الرواية الروسية والصينية على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والإقليمية.

 

وسائل الإعلام الناطقة بالإنجليزية

 

خصصت وكالة «رويترز» حيّزاً واسعاً من تقاريرها وتحليلاتها لمراسم التشييع، واعتبرت أن المشاهد المليونية في طهران وقم تجاوزت حدود المراسم الوطنية، وشكّلت استعراضاً للتماسك الاجتماعي ورسالة إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 

ورأت الوكالة أن المراسم أظهرت، خلافاً لتوقعات بعض الأطراف الغربية، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على التعبئة الشعبية بعد الحرب.

 

ونقلت عن دبلوماسيين ومسؤولين ومحللين أن طهران قد تستخدم هذا الرصيد الشعبي أداة سياسية ودبلوماسية. واعتبرت صور ملايين المشيعين جزءاً من القوة الناعمة الإيرانية، التي قد تعزز موقع البلاد في أي مفاوضات مقبلة.

 

وفي تقرير عن مراسم مدينة قم المقدسة، أشارت رويترز إلى امتلاء شوارع المدينة بالمشيعين منذ ساعات الصباح، وإلى استمرار مراسم الوداع في مدن إيرانية عدة ثم انتقالها إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، ما منح الحدث بعداً عابراً للحدود.

 

وسعت الوكالة إلى تأكيد أن التشييع لم يكن شعيرة دينية فحسب، بل يمكن أن يصبح أحد عناصر القوة السياسية الإيرانية في التعامل مع الغرب.

 

أمّا وكالة «أسوشيتد برس»، فركّزت على المشهد الميداني في مدينة قم، ونشرت صوراً للحشود الكبيرة التي شاركت في وداع قائد الثورة الشهيد(رض).

 

كما أشارت إلى الانضباط في التنظيم، وحضور العائلات ومختلف شرائح المجتمع، واستمرار المراسم عدة أيام.

 

وواصلت شبكة «سي إن إن» تغطيتها المباشرة للمراسم، وبثت صوراً من قم بعد انتهاء تشييع طهران، إلى جانب تقارير عن الوفود الأجنبية ونقل الجثمان إلى العراق.

 

وأظهرت هذه التغطية أن وسائل الإعلام الأميركية لم تتعامل مع التشييع بوصفه حدثاً داخلياً، بل رأت فيه تطوراً مؤثراً في المعادلات الإقليمية.

 

وبصورة عامة، ركّز الإعلام الناطق بالإنجليزية على سؤال أساسي: ما تأثير هذا التضامن الشعبي في موقع إيران بعد الحرب، وهل يمكن أن يتحول إلى عنصر فاعل في دبلوماسية الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟

 

وسائل الإعلام العربية والإسلامية

 

قدّمت وسائل الإعلام العربية والإسلامية قراءة مختلفة، فلم تكتف بالنتائج السياسية والدبلوماسية، بل اهتمت بالأبعاد الدينية والثقافية والاجتماعية للمراسم، وقدّمتها بوصفها رمزاً لاستمرار خطاب سياسي وديني.

 

ونشرت شبكة «الجزيرة» تقريراً مفصلاً، رأت فيه أن تنظيم المراسم استند إلى منطق سياسي وديني واضح.

 

فاستقبال الوفود الأجنبية في اليوم الأول، ثم إتاحة الوداع الشعبي، ونقل الجثمان إلى قم ومشهد والنجف وكربلاء، عكس الجمع بين الدبلوماسية والمشاركة الشعبية والشعائر الدينية.

 

ورأت الشبكة أن حضور الشخصيات السياسية والدبلوماسية الأجنبية حمل رسالة مفادها أن مؤسسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تزال قادرة على إدارة الأحداث الكبرى والحفاظ على علاقاتها الخارجية بعد استشهاد قائد الثورة.

 

كما وصفت الوداع الشعبي في مصلى الإمام الخميني(رض) بأنه أبرز محطات التشييع، موضحة أن المصلى ليس فضاءً دينياً فحسب، بل مكاناً تلتقي فيه المناسبات الوطنية والدينية والسياسية.

 

وتناولت «الجزيرة» الرموز التي ظهرت في المراسم، مثل الرايات الحمراء وصور قائد الثورة الشهيد(رض) والهتافات الشعبية.

 

وأشارت إلى أن الراية الحمراء في الثقافة الشيعية الإيرانية ترمز إلى الشهادة والثأر للدماء واستمرار النضال ضد الظلم.

 

وخلصت إلى أن التشييع لم يكن وداعاً لقائد فقط، بل إعادة إنتاج لرواية المقاومة ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

 

وعرضت قناة «المنار» صوراً جوية من مسجد جمكران، مؤكدة اتساع الحضور الشعبي، واعتبرت المراسم دليلاً على عمق العلاقة بين الشعب وقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وعلى التماسك الاجتماعي بعد الحرب.

 

وبدأت قناة «المسيرة» تغطية مباشرة من قم منذ الصباح، واستخدمت تعبير «سيل الجماهير»، معتبرة أن هذا الحضور أكد استمرار الالتفاف حول نهج المقاومة، وفشل الضغوط الخارجية في التأثير في إرادة الإيرانيين.

 

ووصفت صحيفة «العربي الجديد» شوارع قم بأنها كانت مكتظة بالمشيعين، مع مشاركة مراجع دينيين وشخصيات اجتماعية مختلفة على امتداد مسار بلغ عدة كيلومترات.

 

أمّا صحيفة «الشرق الأوسط»، فتحدّثت عن حضور مئات الآلاف، ووصفت المراسم بأنها أحد أكبر التجمعات السياسية والدينية في إيران خلال السنوات الأخيرة.

 

ونشرت «سعودي غازيت» تقريراً عن مشاركة وفود دينية وسياسية من العراق وباكستان وأفغانستان وتركيا، واعتبرت استمرار التشييع في النجف وكربلاء دليلاً على أن الحدث تجاوز حدود إيران.

 

وأجرت قناة «الميادين» حوارات مع محللين وصفوا المشاركة المليونية بأنها رمز للتماسك الاجتماعي والتمسك بمبادئ الثورة الإسلامية، ورسالة إلى الأطراف الخارجية بأن المجتمع الإيراني قادر على التوحد في اللحظات الحساسة.

 

كما وصفت صحيفة «البناء» اللبنانية التشييع بأنه من أكبر مراسم التشييع الشعبية في التاريخ المعاصر، ورأت فيه تعبيراً عن وفاء شريحة واسعة من المجتمع لمدرسة فكرية وسياسية، ونوعاً من «الاستفتاء الاجتماعي» على استمرار هذا النهج.

 

وحظيت تصريحات البروفيسور عبداللهي دانلادي، عضو الحركة الإسلامية في نيجيريا، باهتمام واسع. فقد قال إن بعض الأطراف توقعت أن يؤدي استشهاد قائد الثورة إلى اضطراب داخلي؛ لكن الحضور المليوني أثبت فشل هذه التوقعات، وقدّم صورة مغايرة عن الوضع في إيران.

 

وتمثّلت السمة المشتركة للإعلام العربي والإسلامي في أنه لم يكتف بأعداد المشاركين، بل حاول تفسير الرموز والشعارات، وحضور الوفود الأجنبية، واختيار أماكن التشييع، ونقل الجثمان إلى المدن الدينية واستمرار المراسم في العراق.

 

ومن وجهة نظر هذه الوسائل، لم يكن التشييع نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة جديدة في تجديد خطاب المقاومة واستمراره إقليمياً.

 

وسائل الإعلام الروسية والصينية

 

غطّت وسائل الإعلام الروسية والصينية المراسم على نطاق واسع؛ لكنها ركزت بصورة أكبر على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والإقليمية.

 

وعرضت شبكة «RT» تقريراً مصوراً عن مشاركة مسنين وجرحى وذوي إعاقة في التشييع، مشيرة إلى أن كثيرين تحملوا صعوبات جسدية للوصول إلى مسار المراسم.

 

وتناولت الشبكة قصة امرأة مسنة رفضت مساعدة المحيطين بها، وأصرت على الوصول بجهدها إلى مكان التشييع للمشاركة في وداع قائد الثورة الشهيد(رض).

 

ومن خلال هذه الصور، سعت الشبكة إلى إبراز عمق العلاقة العاطفية بين شرائح من المجتمع الإيراني وقائد الثورة، والتأكيد أن المراسم لم تكن مجرد تجمع منظم، بل حملت أبعاداً شخصية ووجدانية.

 

ونشرت وكالة «شينخوا» الصينية تقارير وصوراً جوية من قم، وركزت على اتساع الحضور الشعبي، وهدوء الأجواء، والانضباط في التنظيم، متجنبة التحليلات السياسية المباشرة.

 

أمّا «روسيا اليوم»، فنشرت تقارير عن استعداد مدينة النجف لاستقبال الجثمان، وتناولت مشاركة المجموعات الشعبية والمواكب الخدمية، واستعداد المدن العراقية المقدسة لاستقبال الزوار.

 

كما أشارت إلى حضور نجل الشهيد السيد حسن نصر الله(رض) وشخصيات سياسية ودينية، ووصفت انتقال المراسم من طهران وقم إلى النجف وكربلاء بأنه تعبير عن الارتباط التاريخي والديني بين إيران والعراق.

 

وبوجه عام، سعت وسائل الإعلام الروسية والصينية إلى نقل المشهد الميداني والأبعاد الإنسانية والإقليمية، مع التركيز على الحضور الواسع، والانضباط، واستمرار المراسم في مدن عدة، وارتباطها بالمراقد المقدسة في العراق.

 

تحليل استراتيجي: حرب الروايات بعد الحرب العسكرية

 

يكشف استعراض التغطيات الإعلامية أن مراسم تشييع قائد الثورة الإسلامية الشهيد(رض) تحولت إلى ساحة للتنافس بين الروايات، إذ فسّرتها كل وسيلة إعلامية بما ينسجم مع مصالحها وجمهورها ونهجها التحليلي.

 

ومع ذلك، أجمعت غالبية وسائل الإعلام على الحجم غير المسبوق للمراسم، واتساع الحضور الشعبي، واستمرارها عدة أيام، وتحولها من حدث داخلي إلى قضية إقليمية ودولية.

 

واختلفت التفسيرات؛ فالإعلام الغربي ركّز على تأثير الحضور الشعبي في المفاوضات والسياسة الخارجية والعلاقات مع الغرب.

 

أمّا الإعلام العربي والإسلامي، فقرأ الحدث في إطار المقاومة والشرعية الاجتماعية والرصيد الرمزي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. في حين ركز الإعلام الروسي والصيني على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والإقليمية.

 

ويؤكد هذا الاختلاف أن التنافس بين الدول لم يعد محصوراً في الميدانين العسكري والدبلوماسي، بل أصبحت وسائل الإعلام ساحة رئيسية للصراع الجيوسياسي، بحيث تمثل كل صورة وعنوان وتحليل جزءاً من معركة تشكيل الرأي العام.

 

ولا تقتصر أهمية التشييع على مشاركة الملايين في شوارع طهران وقم ومشهد والنجف وكربلاء، بل تشمل الصدى العالمي الذي أحدثه.

 

فاستمرار وكالات وشبكات دولية مثل رويترز وأسوشيتد برس وشينخوا وسي إن إن والجزيرة وRT والمنار في تغطية الحدث لأيام، يعكس موقعه في المعادلات الإعلامية والسياسية العالمية.

 

وفي المحصلة، تحوّل تشييع قائد الثورة الشهيد(رض) إلى اختبار للروايات المختلفة عن إيران.

 

ورغم اختلاف اللغات والمقاربات، اتفقت معظم وسائل الإعلام على أن الحدث تجاوز مراسيم الحداد، وأن تأثيراته لن تظل محصورة داخل الحدود الإيرانية.

 

 

المصدر: khamenei.ir

الاخبار ذات الصلة