لم تعد الألعاب الإلكترونية في العصر الحديث مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت أداة ثقافية وإعلامية قادرة على نقل التاريخ، وترسيخ الهوية، وصناعة السرديات. فخصوصيتها تكمن في إشراك اللاعب داخل الحدث، بحيث لا يبقى متلقياً خارجياً، بل يصبح جزءاً من التجربة، وهو ما يمنح الرسائل الثقافية تأثيراً أعمق، خصوصاً لدى الأجيال الشابة.
ولهذا أدركت دول عديدة أهمية هذه الصناعة، واستخدمتها لإعادة تقديم تاريخها وأبطالها وقيمها الوطنية، لتصبح الألعاب الإلكترونية إحدى ساحات المنافسة الثقافية في العالم المعاصر.
كما تمتلك إيران إرثاً تاريخياً وثقافياً غنياً، فضلاً عن ملاحم مثل الحرب المفروضة التي استمرت ثماني سنوات، والحرب المفروضة التي استمرت إثني عشر يوماً، وحرب رمضان المفروضة، وهي محطات يمكن الاستفادة منها في إنتاج ألعاب محلية قائمة على السرد، قادرة على الإسهام في نقل الذاكرة التاريخية والمفاهيم الثقافية إلى الأجيال الجديدة.
رؤية قائد الأمّة الشهيد
كان قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) ينظر إلى الألعاب الإلكترونية باعتبارها أكثر من مجرد أدوات ترفيهية، بل وسيلة إعلامية مؤثرة قادرة على نقل الرسائل والمفاهيم الثقافية. وقد أكد سماحته في لقاءاته المختلفة على ضرورة الإستفادة من هذه القدرة في رواية تاريخ إيران المعاصر وثقافة الدفاع المقدس.
وخلال لقائه بأعضاء اللجنة المنظمة للمؤتمر الوطني لشهداء محافظة أصفهان عام 2024 م، أكد الإمام الشهيد على أهمية رواية أحداث الحرب المفروضة وذكرياتها بأساليب جديدة، مشيراً إلى إمكانية تقديمها في قالب ألعاب إلكترونية.
كما أوضح أن القوى العالمية تستخدم الألعاب لنقل رؤاها وصناعة تصورات لدى الأجيال الجديدة، داعياً إلى إنتاج ألعاب قادرة على تقديم الرواية الثقافية والتاريخية للمجتمع الإيراني.
كما أكد سماحته في حديثه حول مواجهة الغزو الثقافي ضرورة إعتماد أساليب مبتكرة، ومن بينها إنتاج ألعاب إلكترونية هادفة وجذابة، قادرة على التأثير في الأطفال والشباب.
«الهجوم الثامن 2»
تتناول لعبة «هشتمین حمله ۲» أي «الهجوم الثامن 2» جانباً من الأيام الأولى للحرب المفروضة ومقاومة مدينة خرمشهر. يخوض اللاعب التجربة من خلال دور أحد أفراد القوات الخاصة الإيرانية، حيث يسعى للدفاع عن المدينة ومواجهة قوات العدو وكسب الوقت لإستعداد القوات الإيرانية. وتمثل اللعبة محاولة لتحويل حدث تاريخي إلى تجربة تفاعلية تجعل اللاعب يعيش أجواء المقاومة بدل الاكتفاء بمشاهدة أحداثها.
«وحدة الإسناد»
تقدم لعبة «يكان بشتيباني» أي «وحدة الإسناد» رؤية مختلفة للحرب، إذ لا تركز على العمليات القتالية المباشرة، بل تضع اللاعب في دور أحد أفراد قوات الدعم، المسؤولين عن إيصال المعدات والذخائر والاحتياجات إلى المقاتلين في الخطوط الأمامية. وتكمن أهميتها في إبراز دور الجنود الذين عملوا خلف الجبهات، وهو جانب أقل حضوراً في كثير من الروايات الحربية.
«العبور من الممر»
تسعى لعبة «عبور از كذركاه» أي «العبور من الممر» إلى تعريف اللاعب بأجواء جبهات الدفاع المقدس من خلال تجربة تعتمد على الحركة ومواجهة العقبات والظروف الصعبة للمعارك. وتحاول اللعبة الجمع بين العناصر التاريخية وأسلوب اللعب الحديث لتقريب تجربة الحرب إلى الجيل الجديد.
«البطل الأول»
تمثل لعبة «اولين قهرمان» أي «البطل الأول» محاولة لتقديم شخصية بطولية مستوحاة من مفاهيم المقاومة والتضحية في عالم ألعاب الهواتف المحمولة.
وتعتمد على السرد القصصي والمشاهد السينمائية، حيث يخوض اللاعب مهمة عسكرية ضمن أحداث تهدف إلى نقل مفاهيم المسؤولية والتضحية والصمود. ويرى مطوروها أن قوة اللعبة تكمن في جعل اللاعب يعيش القصة لا أن يكتفي بمشاهدتها.
«رئيسعلي دلواري»
تتناول لعبة «رئيسعلي دلواري» شخصية أحد أبرز رموز مقاومة الجنوب الإيراني ضد الاحتلال البريطاني. وتهدف إلى تعريف الجيل الجديد بشخصية تاريخية ارتبط اسمها بالدفاع عن الوطن ومواجهة الاستعمار.
وقد اعتمد فريق إنتاج اللعبة على البحث في المصادر التاريخية، ودراسة الملابس والأسلحة والبيئة المرتبطة بتلك المرحلة، بهدف تقديم تجربة تجمع بين الدقة التاريخية ومتطلبات اللعبة الحديثة.
الألعاب الإيرانية بين الذاكرة والمستقبل
تكشف هذه التجارب أن صناعة الألعاب الإيرانية بدأت تدرك مكانة هذه الوسيلة باعتبارها أداة ثقافية قادرة على نقل التاريخ والقيم. إن مستقبل صناعة الألعاب الإلكترونية يكمن في قدرتها على الجمع بين الإبداع والتأثير الثقافي، وتحويل التجربة التفاعلية إلى وسيلة لحفظ الذاكرة التاريخية وتعزيز الهوية. وتؤكد رؤية قائد الأمّة الشهيد أهمية الاستثمار في هذه الصناعة بوصفها مجالاً حضارياً قادراً على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة العصر، لتبقى القيم والروايات الوطنية حاضرة في فضاء عالمي متسارع التطور.





