لم يعد الحديث عن تراجع النفوذ الأمريكي مجرد قراءة سياسية عابرة، بل بات مؤشراً على تحولات عميقة في النظام الدولي، تتكشف ملامحها تدريجياً في آسيا وأوروبا. فالولايات المتحدة، التي أقامت على مدى عقود منظومة تحالفات اعتمد فيها كثير من حلفائها على قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، تواجه اليوم واقعاً مختلفاً؛ إذ بدأت دول اعتمدت طويلاً على المظلة الأمريكية في إعادة حساباتها، وزيادة إنفاقها الدفاعي، وتطوير صناعاتها العسكرية، وتنويع شراكاتها، استعداداً لمرحلة قد لا تكون فيها واشنطن قادرة أو راغبة في تحمل الأعباء الأمنية نفسها التي اضطلعت بها في العقود الماضية.
وقد كشفت سياسة «أمريكا أولاً» بوضوح طبيعة العلاقة التي طرأت على علاقة واشنطن بحلفائها، بعدما انتقلت التحالفات تدريجياً من شراكات تقوم على المصالح المتبادلة إلى علاقات تضغط فيها الولايات المتحدة على شركائها لتحمل أعباء أكبر، بالتوازي مع استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي والعسكري للحفاظ على موقعها القيادي. لكن هذه السياسة بدأت تنتج نتيجة عكسية؛ فبدلاً من تعزيز التبعية لواشنطن، دفعت بعض حلفائها إلى التفكير في كيفية التحرر من الاعتماد عليها، وبناء قدرات مستقلة تحسباً لتغير سياساتها أو تخليها عن بعض التزاماتها.
«أمريكا أولاً».. حين تتحول التحالفات إلى ساحة للمساومة
أخطر ما كشفته السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة هو أنّ واشنطن لم تعد تتعامل مع التحالفات باعتبارها التزامات ثابتة، بل باتت تنظر إليها من زاوية المصالح والكلفة. فهي تطالب حلفاءها بإنفاق المزيد على الدفاع، وتحمل أعباء أكبر، وتلوح في الوقت نفسه بإمكانية تقليص التزاماتها إذا لم تستجب الدول لمطالبها.
ولا تعكس هذه السياسة قوة مطلقة بقدر ما تكشف عن أزمة في النموذج الذي بنته واشنطن لعقود. فالدولة التي تجعل أمن حلفائها ورقة للمساومة السياسية والمالية، تدفعهم في النهاية إلى البحث عن بدائل. وكلما ضغطت الولايات المتحدة على شركائها، ازداد إدراكهم بأنّ الاعتماد الكامل عليها قد يتحول من مصدر للحماية إلى نقطة ضعف استراتيجية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: واشنطن تريد من حلفائها أن يعتمدوا عليها، لكنها بسياسة «أمريكا أولاً» تدفعهم في الوقت نفسه إلى بناء القوة التي تمكنهم من الاستغناء عنها.
أوروبا.. من الاعتماد على المظلة الأمريكية إلى بناء الاستقلال الاستراتيجي
تعد أوروبا الساحة الأوضح لهذا التحول. فقد أدركت دول القارة أنّ عقوداً من الاعتماد على القوة الأمريكية جعلت أمنها مرتبطاً بقرار قوة خارجية، وأنّ تغير أولويات البيت الأبيض يمكن أن ينعكس مباشرةً على مستقبلها الأمني.
وتكشف الأرقام حجم التحول الجاري. فقد ارتفع إنفاق دول الاتحاد الأوروبي على الدفاع من 218 مليار يورو عام 2021 إلى 418 مليار يورو في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 454 مليار يورو في 2026، بزيادة تتجاوز 75% مقارنة بعام 2021. كما ارتفعت حصة الإنفاق الدفاعي من الناتج المحلي للاتحاد من 1.9% عام 2024 إلى 2.2% في 2025، مع توقع وصولها إلى 2.4% في 2026. ولا يقتصر التحول على زيادة الإنفاق، بل يمتد إلى محاولة بناء قدرة دفاعية أوروبية. فقد ارتفعت مشتريات المعدات الدفاعية الأوروبية إلى نحو 115 مليار يورو، فيما تتجه دول القارة إلى تعزيز صناعاتها العسكرية وتطوير قدراتها التكنولوجية، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الأمريكيين.
وفي الوقت نفسه، بدأت واشنطن مراجعة وجودها العسكري في أوروبا، وسط ضغوط متزايدة على دول الناتو لتحمل مسؤولية أكبر عن دفاع القارة. وبلغ عدد العسكريين الأمريكيين الدائمين في أوروبا نحو 68 ألفاً حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، بعدما تجاوز الوجود الأمريكي 100 ألف عسكري في بعض مراحل الحرب الروسية الأوكرانية.
إنّ الرسالة التي وصلت إلى الأوروبيين باتت واضحة: الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لتحمل العبء الأكبر إلى الأبد. ولذلك، بدأ السؤال يتغير في العواصم الأوروبية من «كيف تحمينا أمريكا؟» إلى «كيف نحمي أنفسنا إذا قررت أمريكا الرحيل؟». وهذه بحد ذاتها ضربة قوية للنموذج الأمني الذي فرضته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
آسيا.. حلفاء أمريكا يعززون قدراتهم في مواجهة عالم متغير
وفي آسيا، بدأت دول عديدة إعادة حساباتها أيضاً. فقد بلغ الإنفاق العسكري في آسيا وأوقيانوسيا نحو 681 مليار دولار عام 2025، بزيادة 8.1% في عام واحد. وارتفع الإنفاق العسكري الياباني بنسبة 9.7% إلى 62.2 مليار دولار، بينما زاد الإنفاق العسكري لتايوان بنسبة 14%، في وقت ارتفع فيه الإنفاق العسكري الصيني بنسبة 7.4% إلى نحو 336 مليار دولار.
ولا تعني هذه الأرقام أنّ الدول الآسيوية تخلت عن واشنطن، لكنها تكشف بوضوح أنها لم تعد تريد أن يكون أمنها ومستقبلها رهناً بها وحدها. فاليابان تعزز قدراتها الدفاعية، وأستراليا توسع شراكاتها الأمنية، والهند تنوع علاقاتها الاستراتيجية، بينما تتجه دول أخرى إلى بناء توازنات متعددة.
والأهم أنّ هذه الدول بدأت تدرك أن الولايات المتحدة ليست قوة غير محدودة. فانشغالها بأزمات متعددة، من غرب آسيا إلى المنافسة مع الصين وروسيا، يفرض عليها توزيع مواردها وقدراتها. ومع كل أزمة جديدة، يزداد السؤال حول قدرة واشنطن على حماية جميع حلفائها في وقت واحد.
وبذلك، يتحول الإنفاق الدفاعي الآسيوي من وسيلة لتعزيز الاعتماد على أمريكا إلى وسيلة للتحوط من تراجع التزامها. فالدول التي كانت تنتظر الحماية الأمريكية بدأت ببناء القوة التي تمكنها من حماية نفسها.
سياسة واشنطن تسرّع صعود عالم متعدد الأقطاب
المفارقة أن ّالولايات المتحدة قد تكون، بسياساتها نفسها، أحد أهم العوامل التي تسرع تراجع هيمنتها. فالدول التي تعرضت للعقوبات والضغوط الأمريكية بدأت تبحث عن أنظمة مالية وتجارية بديلة، والدول التي شعرت بضغط واشنطن اتجهت إلى تنويع علاقاتها، والحلفاء الذين اكتشفوا أنّ المظلة الأمنية الأمريكية ليست ضمانة دائمة بدأوا ببناء قدراتهم الخاصة.
وفي المقابل، تستفيد الصين وقوى دولية وإقليمية أخرى من هذا التحول لتوسيع نفوذها. وهكذا، فإنّ سياسة «أمريكا أولاً» التي أرادت بواسطتها واشنطن استعادة قوتها قد تكون تحولت إلى سياسة «أمريكا وحدها»، بعدما بدأت تدفع حلفاءها إلى التفكير في مستقبل لا يعتمد عليها بالكامل.
نهاية الاعتماد الأحادي.. ومؤشرات على أفول الهيمنة الأمريكية
في المحصلة، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض هيمنتها على العالم بالطريقة التي اعتادت عليها، رغم امتلاكها قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية هائلة. فالقوة وحدها لم تعد تكفي في عالم تتغير فيه موازين النفوذ بسرعة. أوروبا بدأت تعزز إنفاقها الدفاعي وتطوير صناعاتها العسكرية، وآسيا توسع قدراتها وشراكاتها، بينما تبحث دول عديدة عن بدائل تقلل ارتهانها لواشنطن. والمفارقة أنّ سياسات الضغط والعقوبات والمساومة التي استخدمتها أمريكا لحماية نفوذها دفعت حلفاءها إلى بناء استقلالهم الاستراتيجي. ومرحلة أمريكا كقوة لا غنى عنها تتراجع، والعالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب لا تملك فيه واشنطن القرار وحدها.