حوار مع الشهيد الدكتور محمدمهدي طهرانجي حول الشهيد السيّد حسن نصرالله:

كُن لحزب الله حاج قاسم العِلم

بعد مرور ثلاثة أسابيع على استشهاد السيد حسن نصرالله(رض)، في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، كنّا قد ذهبنا إلى مكتب الدكتور محمدمهدي طهرانجي لتسجيل ذكرياته. واتخذنا من صورة لقائه مع السيد ذريعة للسؤال عن ذلك اللقاء. كان يرغب في تأجيل رواية ذكريات تلك الرحلة إلى جلسة أخرى، على أن يحضر معه ملاحظاته المكتوبة أيضاً؛ لكن إصرارنا دفعه إلى ذكر جزء من تلك الذكريات. وخلال الأشهر التسعة تقريباً التي كنّا نراجعه فيها لتسجيل ذكرياته، كنّا في كل مرة نتابع معه ما كتبه حول تلك الجلسة واستكمال النقاشات، إلا أن تأجيل هذا اللقاء طال إلى درجة أنه بعد ارتقائه شهيداً إثر اغتياله في 13 يونيو/ حزيران 2025 على يد الكيان الصهيوني، لم يعد صوته السماوي مألوفاً لآذاننا. ما يلي هو شرح مختصر رواه الشهيد الدكتور طهرانجي عن لقائه عام 2022 مع الشهيد السيد حسن نصرالله. وفي حرب الـ12 يوماً عام 2025، استشهد الدكتور طهرانجي، وفي الوقت نفسه بدأت أعمال إعداد الفصلية المطبوعة الخاصة بموقع KHAMENEI.IR بعنوان «مسير نصر الله» بمناسبة ذكرى ارتقاء الشهيد السيد حسن نصرالله. ولهذا عدنا إلى هذا الحوار؛ لأنه كان رواية شهيد عن شهيد، رواية الشهيد طهرانجي عن الشهيد نصرالله.

س: حدِّثنا عن بداية الرحلة

 

ج: عندما غادرت من هنا، وصلنا إلى بيروت بالطائرة نفسها. كنت تحت إشراف حزب الله. كان معي أفراد الحماية والمرافقون الخاصون بي، وكان أيضاً عناصر حماية حزب الله موجودين، وكانوا أقوى من هؤلاء، وكانوا مسلحين ولديهم سيارات مدرعة. كان كل شيء متكاملاً. كنّا في أحد البيوت الآمنة ولم نذهب إلى الفندق.

 

س: هل كان الذهاب للقاء السيّد مصحوباً بصعوبات؟

 

ج: مررنا بأربع مراحل. في يوم الموعد، في المرحلة الأولى، أخذونا بالسيارة. قالوا لنا: لا يمكنكم المجيء بأكثر من خمسة أشخاص. كان السيد عبدالله، وأنا، فأصبح عددنا ستة أشخاص، أي كان معنا شخص زائد، فقالوا: حسناً.

 

 

كانت السيارة الأولى تحتوي على ستار، وجلسنا في الجزء المحجوب. أمّا في السيارة الثانية، فقد كانت الإجراءات الأمنية أكثر جدية، إذ كانت محاطة بالكامل ولم نكن نرى الخارج. وكذلك السيارة الثالثة والرابعة.

 

 

كنّا نبدّل السيارات أربع مرات، من طابق سفلي إلى طابق سفلي آخر. استغرق الأمر ساعة. كانت السيارة تخرج إلى شوارع المدينة وتدور باستمرار، ثم تعود إلى الأسفل مرة أخرى؛ تصعد مجدداً وتدور ثم تنزل. حدث ذلك أربع مرات. كان السائقون ينفصلون عنّا ونسلّم إلى المرحلة التالية.

 

 

وصلنا بعدها إلى مكان ما، وركبنا المصعد وصعدنا. كان هناك شقة ينتظرنا فيها السيد. تم اللقاء، ثم عدنا وجرى تنفيذ المراحل نفسها حتى وصلنا إلى سيارتنا الأخيرة التي كانت متوقفة في مكان ما. هؤلاء الصهاينة الأشرار تمكنوا من العثور على الكثير من هذه الأماكن.

 

 

س: هل تعتقد أن ذلك قد يكون عبر معالجة البيانات الضخمة الخاصة بالهواتف؟

 

 

ج: نعم، الهواتف والكاميرات الموجودة في المدن. تحليل الذكاء الاصطناعي أمر بسيط جداً. عندما تمتلك البيانات الضخمة، يكفي أن تعرف أن هذا الشخص قد التقى في ذلك اليوم؛ فتعود إلى ذلك اليوم وتستخرج كل المعلومات، فتعرف أنه دخل إلى ذلك الطابق السفلي، وبعد ذلك لم يعد موجوداً هنا، ثم تتبع كل سيارة تخرج من المكان وتعيد العملية من جديد. طبعاً نحن لم تكن لدينا هواتف؛ لكن لابدّ أن تكون هناك كاميرات في المدينة.

 

 

س: أجهزة البيجر أيضاً لا تحتوي على جهاز تحديد للموقع.

 

 

ج: لم يكن معنا أي وسيلة، ولم يكن بحوزتنا أي وسيلة؛ لكن إذا كانوا قد ربطوا كاميرات المدينة بالهواتف أو أجهزة البيجر، فيمكنهم ذلك. يبدو أن كاميراتهم الموجودة في المدن أيضاً تحت سيطرتهم. وبعد ذلك هناك الأقمار الصناعية؛ فالأقمار الصناعية التجسسية قادرة حتى على إعطاء أرقام لوحات السيارات.

 

 

س: هل كان دخولكم إلى غرفته من دون عوائق؟

 

 

ج: نعم. كان هناك شاب أخذنا من المصعد إلى الأعلى، وكان السيد يستقبلنا. كانت وحدة سكنية عادية وبسيطة؛ لكن الإنسان كان يذوب في شخصية السيد. كان الاستقبال حاراً جداً، بذلك الوجه المبتسم الذي يقول: أهلاً بكم. رحّب بنا كثيراً.

 

 

كانت المباحثات التي أجريناها متزامنة مع الذكرى الأربعين لتأسيس حزب الله. في بداية الجلسة، سلّم السيد على الدكتور ولايتي، وذكر المرحوم شيخ الإسلام، وقال كيف أصبح حزب الله في عامه الأربعين، وأن الدكتور ولايتي والمرحوم شيخ الإسلام كان لهما دور مؤثر جداً في تأسيس حزب الله.

 

 

س: هل كان هذا أوّل لقاء لك مع السيّد؟

 

 

ج: كانت لدينا أولاً جلسة مع السيد هاشم صفي الدين، والجلسة الثانية كانت مع السيد حسن. لم تكن هناك كثير من المراسم الرسمية. قال لي السيد عبارة: « كُن لحزب الله حاج قاسم العِلم». طبعاً لا تنقلوا هذا.

 

 

س: هل قلت لا يُنقل من باب التواضع؟

 

 

ج: لا، بل بسبب أنني في النهاية كنت قضية بالنسبة للكيان الصهيوني. إذا أردت القيام بعمل ما، فلا ينبغي أن يُطرح الأمر. كان واضحاً أنهم يعرفون سيرتي الذاتية كاملة. تحدّثنا بشكل مفصل عن نظرته إلى العلم، ونظرته إلى تأسيس جامعة لحزب الله، وكذلك عن علاقتنا بهم. بعدها قال لي السيد: «لا أستطيع الحصول على ترخيص لجامعتين؛ لا يمنحونني أكثر من ترخيص جامعة واحدة، وقد حصلنا عليه باسم «المعارف»؛ والآن تعالوا واعملوا ضمن هذا الإطار».

 

 

كانت جلسة جميلة جداً وممتعة. ربما لم يعمل أحد على موضوع نظرة السيد إلى الجامعة والعلم وما شابه ذلك. كان يتابع علومنا الإنسانية بدقة كبيرة.

 

 

س: مَن كان حاضراً في الجلسة؟

 

 

ج: كان في الجلسة السيد عبدالله صفي الدين ورئيس جامعة المعارف أيضاً؛ لكن رئيس جامعة المعارف كان عربياً ولم يكن يفهم الفارسية إطلاقاً.

 

 

س: هل كنتم تتحدّثون بالفارسية؟

 

 

ج: لم يكن لدينا مترجم، وتحدثنا بالفارسية لمدة ساعة ونصف. كان السيد أيضاً يتحدث الفارسية؛ بشكل جميل جداً، وبليغ جداً، ومن دون أي نقص، وكان يتحدثها بطلاقة. كانت فارسيته جميلة.

 

 

س: هل المكان الذي كان من المقرر أن تصبح فيه الجامعة تعرّض للضرر في الحرب؟

 

 

ج: لا أعلم. الأرض هي ليست في الضاحية، بل خارجها، وكان شبابهم قبل الحرب يأتون لإعداد المخططات.

 

 

س: يعني أن البناء لم يكن قد بدأ بعد؟

 

 

ج: لا، لم يبدأ بعد؛ كنّا للتو ننجز المقدمات. كان من المقرر أن يأتوا لكي أصمم المختبرات؛ لكن الحرب اندلعت، والآن مضى عام على الحرب. بطبيعة الحال، خلال هذه الفترة كانت لدينا بعض الاتصالات؛ لكن البناء توقف.

 

 

تم توقيع عقد تعاون لمدة 25 عاماً بيني وبين السيد صفي الدين غيابياً؛ لكنني لم أذهب بعد ذلك؛ ليس بسبب البروتوكولات، بل بسبب الحساسيات الموجودة، وإلا فأنا أذهب إلى أي مكان تدعو الحاجة إليه. كانت الرحلة جيدة جداً. يمكن رؤية نظرتهم إلى العلم هناك. يجب أن أحضر ملاحظاتي المكتوبة.

 

 

س: الآن، بعيداً عن الأمور التي كتبتها، هل هناك شيء تتذكره وتريد روايته؟

 

 

ج: تلك الجلسة كانت جلسة مهمة جداً. حاولنا أن نكتب كل شيء. قيلت كلمات جادة. مثلاً، روى السيد بنفسه ذكرى مهمة جداً. كان يقول: «عندما جئت في البداية، كان جميع أبناء الشيعة إمّا عُمّالاً أو يعملون في مجال الخدمات البلدية؛ لكن الآن عندما يُجرى امتحان القبول الجامعي، يقول لي أبناء الأحزاب الأخرى: اترك مكاناً واحداً من بين العشرة الأوائل لألكسندر أو عثمان؛ أي أن الجميع أصبحوا فاطمة وحسن ومحمد وحسين».

 

 

كان يقول إن العشرة الأوائل في امتحان القبول الجامعي الآن هم من أبناء الشيعة. خلال هذه السنوات الثلاثين، أصبح المجتمع المتخصص في لبنان بيد الشيعة، وانتقل المجتمع الشيعي من مجتمع عُمّالي إلى مجتمع متخصص. كان ينقل ذلك بفخر. إنهم اليوم جيل أصبح فيه أبناء الشيعة أفضل الأطباء وأفضل المهندسين.

 

 

هناك الكثير من النقاشات الطائفية هناك. عندما تذهب إلى هناك، تدرك هذا المفهوم. فالمنافسة السياسية والمكانة بين الموارنة المسيحيين والشيعة والسنّة في لبنان لها معنى واضح وحضور قوي. قرية شيعية وقرية مسيحية؛ ليست بينهما عداوة، لكن هناك منافسة.

 

 

س: لأن كل شيء مقسّم أيضاً، وهذا يجعل الأمر أكثر وضوحاً.

 

 

ج: نعم؛ لأن أفق الشيعة هو رئاسة مجلس النواب، والسنّة رئاسة الحكومة، ورئيس الجمهورية أيضاً مسيحي. هذا الأمر حاضر بشكل كبير في أذهانهم.

 

 

س: هل كانت زيارتك باقتراح من حزب الله أم عبر جامعة “آزاد” الإسلامية؟

 

 

ج: كان لجامعة “آزاد” الإسلامية في السابق فرع في بيروت، وقد أُنشئ في عهد السيد جاسبي. كانت هناك إشكالات كثيرة في هذا الفرع، ولم يتمكن من الحصول على ترخيص رسمي من الحكومة اللبنانية. عندما جئت، كنت أتابع بشدة إصلاحه. وضعنا المرحوم شيخ الإسلام مسؤولاً عن ملف لبنان، وكُلّف أيضاً بترتيب هذا الأمر. في ذلك الوقت ذهب والتقى بالسيد حسن نصرالله. قال السيد هناك بعض النقاط، وقالوا إنهم مستعدون للقيام بهذا العمل. أي أن جامعة “آزاد” الإسلامية كان لديها توجه ومشروع يخص لبنان. بعد ذلك جئنا وبدأنا معالجة تلك الإشكالات. وبعد هذه الاتصالات، أنهينا المرحلة الأولى، وأصبح المرحوم شيخ الإسلام معاوناً دولياً لي؛ لكنه توفي.

 

 

كانت لدينا علاقات مع المنطقة؛ كنّا موجودين في أفغانستان والعراق، وكان علينا أيضاً أن نصل في لبنان إلى نتيجة. من أجل هذا الأمر، كانت لدينا جلسات مستمرة مع السيد عبدالله صفي الدين حول ما ينبغي فعله، وكانوا يقولون لنا: «كل ما يقوله السيد».

 

 

كانت تلك الجلسة نقطة تحول في رسم سياسة ما ينبغي أن تفعله الجامعة. وقبل ذلك أيضاً جاء رئيس جامعتهم إلى هنا. عقدنا جلسة مفصلة مع رئيس جامعة المعارف. بعد هذه اللقاءات قالوا لي: تعال أنت بنفسك، فذهبت، وفي ذلك اللقاء الذي كان على مستوى عالٍ، كنّا ضيوف حزب الله، ولم أرَ أحداً غير حزب الله، حتى إنني لم أذهب إلى سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

 

كانت علاقتنا مع حزب الله بهذا المستوى. لذلك ذهبنا وتحدثنا، وبعد ذلك دفعنا المشاريع إلى الأمام.

 

 

س: هل كان لديك تصور مسبق عمّا سيحدث عندما تذهب إلى الجلسة؟

 

 

ج: كنت أرغب كثيراً في الذهاب. في النهاية، لقد رأيت الكثير من الكبار وعشت مع كبار الشخصيات. كان هناك شيء من ظروف كورونا، وكنت حريصاً جداً على السيد؛ لكن رؤيته كانت أمراً جميلاً جداً بالنسبة لي.

 

كنت قد رأيت الإمام الخميني(رض) مرات عديدة، ورأيت قائد الثورة الشهيد(قدّس الله نفسه الزكيّة) عن قرب مرات عديدة، وكانت لدي علاقة وثيقة مع السيد رئيسي، كما رأيت كبار العلماء والشخصيات.

 

 

تلك الصلابة والمعنوية التي كانت في السيد حسن نصرالله كانت صلابة ومعنوية كاملة تستقر في روح الإنسان؛ أي أن لقاءه لم يكن عادياً بالنسبة لي. وبعيداً عن تلك المقدمات، فإن رؤيته عندما تدخل غرفة بسيطة، ولا يكون فيها إلا هو وليس هناك أحد آخر، كان أمراً مريحاً جداً ولا يُنسى.

 

 

كان أحدهم يقول عن آية الله البروجردي: إنه يجلس في زاوية ولا يهتم بالعالم؛ لكن العالم كله بين يديه. السيد أيضاً كان شخصاً بيده العالم العربي كله، وكل شيء كان بين يديه. كان هذا تعبيراً جميلاً.

 

 

أنا في هذه الأمور دقيق جداً، وقليلون هم الأشخاص الذين يدخلون قلبي. رحم الله الحاج مجتبى الطهراني! أنتم تعلمون أن مَن رأوا الحاج مجتبى، لا يدخل أي شخص إلى قلوبهم بسهولة، وتعود أذهانهم بعد الكلمات الأربع الأولى إلى الحاج مجتبى؛ لكن السيد كان يأسر قلب الإنسان بكل وجوده.

 

 

 

المصدر: الوفاق/موقع قائدالثورة