لم تكن إسبانيا بحاجة إلى أزمة جديدة مع دولة أوروبية حليفة، لكنها وجدت نفسها أمام اختبار غير مألوف: أن تتحول أزمة هجرة وقعت على حدودها الجنوبية إلى ذريعة لفرض قيود عليها من داخل القارة الأوروبية. فبعد التدفق الاستثنائي للمهاجرين من المغرب إلى سبتة، اختارت إيطاليا تشديد القيود على القادمين من الأراضي الإسبانية وتعليق ترتيبات شنغن، قبل أن ترد مدريد بإجراءات مماثلة وتحذّر روما من مواصلة هذه الإجراءات. ومع ذلك، بدلاً من أن تحصل على دعم أوروبي أكبر، وجدت نفسها في مواجهة إجراءات من دولة لا تشترك معها حتى في حدود برية.
وفي رواية أكثر حدة، يرى الخبير الإسباني إنريكي أرياس خيل أن أزمة سبتة لم تكن مجرد موجة هجرة، بل جزءاً من ضغوط سياسية استهدفت مدريد رداً على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية. ويتهم أرياس خيل كيان الاحتلال والولايات المتحدة بالوقوف خلف ما يصفه بمحاولة «الانتقام من إسبانيا»، معتبراً أن موقف مدريد من فلسطين ومواقفها الرافضة لبعض التحركات الأميركية والصهيونية جعلتها هدفاً لضغوط سياسية وأمنية. ووفق هذه الرواية، جاءت أزمة سبتة في سياقٍ أوسع من الضغط على إسبانيا بسبب مواقفها تجاه كيان الاحتلال والقضية الفلسطينية.
مدريد دفعت الثمن.. وروما اختارت التصعيد
تكشف أزمة سبتة خللاً واضحاً في طريقة تعامل أوروبا مع الهجرة. وعندما وصل نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة، لم تفتح مدريد الطريق أمامهم نحو بقية أوروبا، بل تحركت لاحتواء التدفق وإعادة معظمهم إلى المغرب. ووفق الأرقام الرسمية الإسبانية، عاد نحو 70 ألفاً منهم، فيما بقي مئات القاصرين غير المصحوبين بذويهم، لتتحمل إسبانيا مسؤولية إيوائهم ورعايتهم ونقل جزء منهم إلى البر الرئيسي.
كان المنتظر من إيطاليا أن تطالب بمزيد من التنسيق الأوروبي مع مدريد، لا أن تتعامل مع إسبانيا وكأنها مصدر للخطر. فالخلاف لا يتعلق فقط بإجراءات حدودية، بل بالسؤال الأهم: هل ما زال الاتحاد الأوروبي يتعامل مع أزمات الهجرة باعتبارها مسؤولية مشتركة، أم أن كل دولة ستبدأ بإغلاق أبوابها في وجه الأخرى عندما تواجه ضغطاً داخلياً؟
إيطاليا تضغط على إسبانيا بسبب أزمة لم تصنعها
تبدو الإجراءات الإيطالية، من هذه الزاوية، غير متناسبة مع طبيعة الأزمة. فالمهاجرون وصلوا إلى سبتة من المغرب، وليس من إيطاليا، ولم يكن دخولهم إلى الجيب الإسباني يعني تلقائياً انتقالهم بحرية إلى بقية دول منطقة شنغن.
وتؤكد مدريد أن قواعد الهجرة المعمول بها في سبتة حالت دون انتقال هؤلاء المهاجرين بحرية إلى منطقة شنغن. ومع ذلك، اختارت روما ربط أزمة سبتة بالمسافرين القادمين من إسبانيا، في خطوة تعكس، إلى جانب الهواجس الأمنية التي تطرحها روما، ضغوطاً سياسية داخلية متصاعدة في ملف الهجرة.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة: حين تتحول المخاوف الداخلية إلى مبرر لاتخاذ إجراءات أحادية بحق دولة أوروبية حليفة، يصبح التضامن الأوروبي خاضعاً لحسابات المصالح الوطنية، لا لمبدأ المسؤولية المشتركة.
شنغن لا ينبغي أن تتحول إلى سلاح سياسي
تكتسب المواجهة أهمية أكبر لأن المسألة تمس أحد أبرز إنجازات الاتحاد الأوروبي: حرية التنقل داخل فضاء شنغن.
ومن حق الدول الأوروبية اتخاذ إجراءات استثنائية عندما تواجه تهديداً أمنياً حقيقياً، لكن تحويل هذه الأدوات إلى وسيلة ضغط سياسية بين دولتين حليفتين يهدد جوهر المشروع الأوروبي نفسه.فإذا أصبحت كل أزمة حدودية ذريعة لإعادة فرض القيود على مواطني دولة أوروبية أخرى، فما الذي يبقى من فكرة أوروبا الموحدة؟
من هنا، يمكن فهم الرد الإسباني لا باعتباره رغبة في التصعيد، بل باعتباره دفاعاً عن مبدأ المعاملة بالمثل ورفضاً لأن تكون مدريد الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
مدريد تدفع ثمن الأزمة إنسانياً أيضاً
والجانب الذي يجري تجاهله في السجال الأوروبي هو أن أزمة سبتة ليست مجرد أزمة حدودية وأرقام. فبين آلاف العابرين، بقي قاصرون غير مصحوبين بذويهم، ما وضع السلطات الإسبانية أمام مسؤولية إنسانية مباشرة.
وهذا يضع مدريد أمام عبء مزدوج: حماية حدود الاتحاد، والتعامل مع تداعيات الأزمة الإنسانية والأمنية على أراضيها، ثم الدفاع عن موقفها داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. ولا تقف تداعيات الأزمة عند بعدها الإنساني، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين مدريد وروما، مع استمرار القيود المتبادلة بين الطرفين، ما قد يوسّع الخلاف من ملف الهجرة إلى العلاقات الأوروبية.
مدريد تدافع عن حدود أوروبا.. لا عن حدودها وحدها
ختاماً، تكشف أزمة سبتة أن المشكلة لا تكمن في إسبانيا، بل في غياب التضامن الأوروبي. فمدريد واجهت موجة الهجرة على حدود الاتحاد، واحتوت تداعياتها، وتعاملت مع القاصرين، بينما اختارت روما تحويل الأزمة إلى مبرر لفرض قيود على حليفتها. لذلك، لا تبدو المواجهة الإسبانية دفاعاً عن المصالح الوطنية فحسب، بل رفضاً لتحويل شنغن والهجرة إلى أدوات ضغط على الدول التي تتحمل العبء الأكبر على الحدود الأوروبية. وإذا كانت أوروبا تريد حماية حدودها، فعليها أن تدعم إسبانيا لا أن تعاقبها.