حصار وتهجير تحت حماية الاحتلال

«قصرة» في مرمى الضم.. المستوطنون يفرضون الأمر الواقع في الضفة الغربية

«قصرة» ليست معركة على منازل فقط، بل مواجهة على الأرض والوجود ومنع تحويل الاستيطان إلى حدود سياسية دائمة في الضفة

ما يجري في قصرة، جنوب نابلس، لا ينبغي قراءته باعتباره حادثة أمنية عابرة أو اعتداءً منفصلاً من مستوطنين. فالحصار المفروض على ثلاثة منازل، وقطع المياه، وإغلاق الطرق المؤدية إلى جبل رأس العين، ثم تحويل المنطقة إلى «منطقة عسكرية مغلقة». وتكشف هذه الإجراءات مجتمعةً عن آلية متكاملة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض. جوهر المسألة هو الأرض: كيف تُنتزع تدريجياً من أصحابها الفلسطينيين، وكيف يتحول وجود المستوطنين إلى أمر واقع تحميه القوة العسكرية الصهيونية.

 

وقصرة، بهذا المعنى، ليست حالة هامشية، بل نموذج مصغّر لما يحدث في أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة. فحين يصبح الفلسطيني محاصراً في منزله، وممنوعاً من الوصول إلى أرضه ومصدر مياهه وطريقه، بينما يتمكن المستوطن من التوسع تحت حماية الجيش، فإن ميزان القوة لا يعود مجرد تفصيل أمني؛ بل يتحول إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا لمصلحة المشروع الاستيطاني.

 

 رأس العين.. معركة على الأرض والمياه

 

لا تنبع أهمية جبل رأس العين من ارتفاعه الاستراتيجي فقط، بل من موقعه الذي يتيح الإشراف على عدد من القرى الفلسطينية، وارتباطه بالأراضي الزراعية ومصادر المياه والطرق التي تربط التجمعات الفلسطينية بعضها ببعض. لذلك، فإن محاولة السيطرة عليه تتجاوز إقامة بؤرة استيطانية إلى التحكم بجزء من المجال الجغرافي وشروط الحياة في المنطقة.

 

فالمسألة هنا ليست السيطرة على جبل فحسب، وإنما على الأرض والمياه والحركة، أي على العناصر التي تتيح للمجتمع الفلسطيني الاستمرار في المكان. وبذلك تكتسب السيطرة على رأس العين أهمية تتجاوز حدود الموقع نفسه، لتصبح جزءاً من معركة أوسع على مستقبل المنطقة.

 

والأخطر أن مسار السيطرة يجري بصورة تدريجية ومدروسة: أسلاك حول أجزاء من الجبل، ثم خيام وبؤرة استيطانية، ثم استيطان رعوي، فالاقتراب من المنازل، وإغلاق الطرق، وصولاً إلى حصار السكان وفرض إجراءات عسكرية على المنطقة. ولا تبدو هذه الخطوات منفصلة عن بعضها، بل تشكل سلسلة متراكمة تتقلص معها قدرة الفلسطينيين على الحركة والوصول إلى أراضيهم، في مقابل توسيع المجال الذي يستطيع المستوطنون استخدامه وتثبيت وجودهم فيه.

 

وفي قصرة، لا يقتصر الحصار المفروض على العائلات على التضييق فحسب، بل يخلق ظروفاً تدفع تدريجياً نحو التهجير وفقدان الأرض. ويتكامل ذلك مع الاستيطان والقيود على الحركة ومصادرة الأراضي، بما يضيّق قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم والوصول إلى ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

 

 

الضم يبدأ من الأرض

 

وهنا تتضح آلية الضم الفعلي التي يقوم عليها المشروع الاستيطاني الصهيوني في الضفة الغربية. فالضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي؛ يكفي تقييد وصول الفلسطيني إلى أرضه ومنعه من زراعتها، وإغلاق الطرق المؤدية إليها، وفرض ترتيبات عسكرية واستيطانية تجعل استخدامها الفلسطيني أكثر صعوبة، في مقابل تثبيت استخدام المستوطنين لها كأمر واقع.

 

وبمرور الوقت، تنتقل الأرض من كونها مجالاً يعيش فيه الفلسطيني ويمارس نشاطه الاقتصادي إلى مساحة تخضع للسيطرة الصهيونية الفعلية. وهكذا لا يحدث التغيير دفعة واحدة، وإنما عبر إجراءات متراكمة تجعل السيطرة الجديدة، مع مرور الوقت، أمراً واقعاً يصعب التراجع عنه.

 

وهذا هو الخطر السياسي الحقيقي في رأس العين: تغيير الخريطة قبل أي تسوية سياسية. فكلما ترسخت البؤرة الاستيطانية، وتقطعت طرق الوصول، وتراجع الوجود الفلسطيني، أصبحت أي مفاوضات مستقبلية أمام واقع مختلف تماماً.

 

لذلك، فإن ما يجري في قصرة لا ينبغي النظر إليه باعتباره نزاعاً محدوداً على أرض، بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لفرض وقائع سياسية وجغرافية على الضفة الغربية قبل أي تسوية تفاوضية.

 

الاستيطان.. من مصادرة الأرض إلى تهجير الإنسان

 

بلغت حركة الاستيطان الصهيونية مرحلة تتجاوز مصادرة الأراضي إلى استهداف وجود الفلسطينيين وبيوتهم، في انتهاك لمبادئ القانون الدولي والقواعد التي تحمي المدنيين في الأراضي المحتلة، ومن بينها ما نصت عليه اتفاقية جنيف الرابعة بشأن الاستيطان والتهجير والعقوبات الجماعية.

 

وتمتد جذور هذا المشروع إلى سياسات سعت إلى توسيع السيطرة على الأرض، قبل أن يتخذ في الضفة الغربية أشكالاً منظمة بدأت ببؤر صغيرة، ثم توسعت عبر ذرائع وإجراءات متعددة، من بينها المناطق العسكرية المغلقة، والمحميات الطبيعية، وأملاك الدولة، والاستملاك للمصلحة العامة.

 

واليوم ينتقل الاستيطان إلى مرحلة أخطر، تتمثل في تضييق شروط الحياة على الفلسطينيين، وتقييد وصولهم إلى أراضيهم وممتلكاتهم، والاقتراب من مساكنهم، بما يرسّخ التهجير كأمر واقع. ويبرز ما يحدث في قصرة مثالاً خطيراً على هذه المرحلة.

 

ومن هنا تصبح مواجهة الاستيطان معركةً لحماية الوجود الفلسطيني ومنع تحول التهجير إلى سياسة متكررة ومتوسعة، فالمخاطر لا تتعلق بفقدان أرض أو منزل بصورة منفردة، وإنما بتراكم هذه الوقائع إلى حد تغيير الخريطة نفسها.

 

الاستيطان يتجاوز المستوطنين

 

اختزال المشهد في «عنف المستوطنين» لا يفسر ما يحدث كاملاً. فالمشكلة السياسية أوسع من ذلك؛ إذ يتحرك المستوطنون داخل بيئة سياسية وقانونية وأمنية سمحت بتوسع المشروع الاستيطاني لعقود، بينما يجد هذا التوسع، بدرجات متفاوتة، غطاءً أو حمايةً داخل مؤسسات الدولة.

 

والأهم أن الاستيطان لم يعد مشروعاً هامشياً تقوده مجموعات منعزلة؛ بل أصبح اتجاهاً سياسياً مؤثراً داخل الحكومة الصهيونية نفسها، وتحوّل مستقبل الضفة إلى جزء أساسي من الصراع على هوية الكيان الصهيوني ومستقبله.

 

لهذا فإن ما يحدث في قصرة يرتبط مباشرة بالصراع داخل كيان الاحتلال حول سؤال أعمق: هل تكون الضفة أرضاً محتلة يفترض أن تخضع لتسوية سياسية، أم جزءاً من المجال الذي يسعى الاحتلال إلى فرض سيادته عليه تدريجياً؟

 

قصرة في مواجهة مشروع كامل

 

في النهاية، تختصر قصة قصرة جوهر الصراع في الضفة الغربية: فلسطينيون يتمسكون بأرضهم، ومشروع استيطاني يسعى إلى تحويل السيطرة بالقوة إلى واقع دائم. وما يحدث في رأس العين ليس معركة على جبل فحسب، بل صراع على الأرض والمياه وطرق الوصول ومستقبل السكان.

 

إن بقاء العائلات المحاصرة في منازلها يوجه رسالة سياسية واضحة: الضغط لن يحوّل الأرض الفلسطينية إلى أرض بلا أصحاب. لكن حماية هذا الموقف لا تقع على سكان قصرة وحدهم؛ فوقف الاستيطان والتهجير يتطلبان ضغطاً دولياً فعلياً، لا بيانات إدانة تتكرر فيما تتغير الوقائع على الأرض.

 

لهذا فإن مواجهة ما يجري في قصرة لا تتعلق بالدفاع عن قرية واحدة، بل بمنع تحويل الوقائع التي تُفرض على الأرض إلى حدود سياسية دائمة. فالمعركة في رأس العين هي، في جوهرها، معركة على ما إذا كانت الخريطة التي تُرسم اليوم بالقوة ستصبح هي نفسها الخريطة التي ستواجهها أي تسوية سياسية غداً.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص