لم تعد الخلافات داخل الولايات المتحدة مجرد تنافس تقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى حالة استقطاب عميقة تمسّ المجتمع والدولة والهوية السياسية نفسها. فالتباعد بين ما يُعرف بـ«أمريكا الحمراء» المحافظة و«أمريكا الزرقاء» الديمقراطية لم يعد محصورًا في صناديق الاقتراع، وإنما امتد إلى النظرة إلى الدولة والمؤسسات والقيم الاجتماعية ومستقبل البلاد. وتزايدت، بالتوازي، الكتابات والأعمال الأدبية التي تتخيل تفكك الولايات المتحدة أو اندلاع حرب أهلية جديدة، في مؤشر يعكس حجم القلق من مستقبل النظام الأميركي.
لكن الأهم أن هذه التخيلات لا تظهر في فراغ؛ فهي تأتي في ظل أزمة ثقة متصاعدة بالمؤسسات، وتراجع القدرة على إيجاد أرضية سياسية مشتركة، وتحول الخصم السياسي في أحيان كثيرة من منافس إلى عدو يُنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا. ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن «حرب أهلية جديدة» قد لا يعني بالضرورة اقتراب حرب فعلية، لكنه يكشف عن أزمة أعمق: أزمة قدرة الولايات المتحدة على إدارة تناقضاتها الداخلية من دون أن تتحول إلى صراع دائم.
الاستقطاب الأميركي.. حين يتحول الخصم السياسي إلى عدو
أحد أخطر التحولات التي شهدتها السياسة الأميركية هو انتقال الاستقطاب من مستوى البرامج الانتخابية إلى مستوى الهوية الاجتماعية. فالناخب لم يعد يختار فقط بين برامج اقتصادية ورؤى مختلفة للحكم، بل أصبح انتماؤه السياسي في كثير من الأحيان جزءًا من تعريفه لنفسه وللمجتمع الذي يريد العيش فيه.
وهنا تكمن خطورة المشهد؛ فعندما يصبح الطرف الآخر غير مقبول اجتماعيًا وأخلاقيًا، تصبح التسوية السياسية أكثر صعوبة. وكل انتخابات تتحول إلى معركة على مستقبل البلاد، وكل خسارة انتخابية يمكن تفسيرها باعتبارها تهديدًا للهوية والمصالح، لا مجرد تداول طبيعي للسلطة.
هذا الواقع يكشف هشاشة الصورة التي حاولت الولايات المتحدة تقديمها طويلًا عن نفسها بوصفها نموذجًا مستقرًا للديمقراطية. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود الانتخابات والمؤسسات، بل بقدرة المجتمع على قبول نتائجها وعلى إبقاء الخلاف السياسي داخل حدود المنافسة السلمية.
ترامب.. ليس صانع الأزمة بل وجهها الأكثر صخبًا
لم يصنع دونالد ترامب الانقسام الأميركي من العدم، لكنه نجح في استثماره وتعميقه وتحويله إلى واحدة من أكثر الأزمات السياسية حدة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. فقد صعد ترامب على موجة غضب اجتماعي واقتصادي متراكمة، مستفيدًا من تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الفجوة بين النخب السياسية وقطاعات واسعة من الأميركيين.
لكن وصوله إلى السلطة لم ينهِ هذا الانقسام، بل أسهم في دفعه إلى مستويات أكثر صدامية. فخطابه السياسي القائم على المواجهة وتعزيز الاصطفاف بين المعسكرات متنافسة عزز حالة الاستقطاب، وحوّل الخلاف السياسي إلى صراع على هوية أميركا نفسها. ومع كل جولة انتخابية أو أزمة سياسية، بدا النظام الأميركي أكثر انشغالًا بصراعاته الداخلية وأقل قدرة على إنتاج توافق وطني.
والأخطر أن ظاهرة ترامب كشفت هشاشة النموذج الذي لطالما قدّمت واشنطن نفسها من خلاله بوصفها دولة ديمقراطية مستقرة وقادرة على إدارة تناقضاتها. فحين يصبح الرئيس محورًا لصراع سياسي واجتماعي بهذا الحجم، وتتحول المؤسسات إلى ساحات مواجهة بين المعسكرات، فإن المشكلة تتجاوز شخص ترامب لتصل إلى بنية النظام الأميركي نفسه.
لذلك، فإن ترامب ليس الأزمة الأميركية كلها، لكنه أحد أبرز أعراضها وأكثرها وضوحًا. وحتى مع غيابه، ستبقى الولايات المتحدة أمام أزمات أعمق: استقطاب سياسي، انعدام ثقة، انقسامات اجتماعية واقتصادية، وتراجع القدرة على بناء توافق داخلي. وهكذا تحوّل ترامب من رئيس مثير للجدل إلى مرآة تكشف تصدعات أميركا من الداخل.
اقتصاد مأزوم.. الغضب الاجتماعي يبحث عن متهم
لا يمكن فهم التوتر الأميركي من دون النظر إلى الاقتصاد. فالتفاوت في الثروة والدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن والرعاية الصحية، وشعور شرائح من الأميركيين بأن ثمار النمو لا تتوزع بعدالة، كلها عوامل تغذي الإحباط والغضب الاجتماعي.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام، وتتحول الأزمات الاقتصادية إلى صراعات سياسية وثقافية، مع بحث كل طرف عن جهة يحملها المسؤولية. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، لا يعود الغضب مرتبطًا بالأسعار والوظائف فقط، بل يمتد إلى النظام السياسي نفسه، ما يعمّق الاستقطاب ويجعل الوصول إلى أرضية مشتركة أكثر صعوبة.
حين تهتز الثقة..المؤسسات الأميركية في قلب الصراع
الولايات المتحدة تمتلك مؤسسات قوية تاريخيًا، لكن قوة المؤسسات لا تعني أنها محصنة أمام التآكل السياسي. ومع تصاعد الاتهامات المتبادلة، أصبحت المحاكم والانتخابات والكونغرس ووسائل الإعلام نفسها جزءًا من الصراع الحزبي.
وهذا التطور بالغ الخطورة؛ لأن الدولة تحتاج إلى حد أدنى من الثقة المشتركة حتى تعمل. وعندما يبدأ جزء كبير من المجتمع بالنظر إلى المؤسسات باعتبارها منحازة أو معادية له، فإن قدرة النظام على امتصاص الأزمات تتراجع.
ومن هنا يمكن فهم انتشار الحديث عن الانفصال أو الحرب الأهلية في الأدب والثقافة الأميركية. فالأعمال التي تتخيل انهيار الولايات المتحدة ليست بالضرورة نبوءات، لكنها تعكس خوفًا حقيقيًا من أن تصبح الخلافات أكبر من قدرة النظام على احتوائها.
أميركا الحمراء وأميركا الزرقاء.. دولة واحدة وخصومتان
المشكلة الأساسية أن الولايات المتحدة لا تنقسم جغرافيًا على نحو يسمح بفصلٍ بسيط بين معسكرين. فالمدن الديمقراطية موجودة داخل ولايات محافظة، والمجتمعات المحافظة موجودة داخل ولايات ديمقراطية، والاقتصاد الأميركي مترابط بصورة تجعل الانفصال مشروعًا بالغ التعقيد. لكن المفارقة أن هذا الترابط الاقتصادي لا يعني بالضرورة وجود وحدة سياسية واجتماعية. فقد تكون الدولة موحدة جغرافياً، بينما يتسع الشرخ داخل المجتمع.
وهنا تظهر إحدى أخطر المفارقات الأميركية: كلما ازداد الحديث عن الوحدة، ظهرت مؤشرات أكثر على الانقسام؛ وكلما ارتفعت حدة الصراع السياسي، أصبح الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الوطني أكثر صعوبة.
حرب أهلية؟ الخطر الأكبر هو الانقسام الدائم
من الخطأ التعامل مع الحديث عن حرب أهلية جديدة باعتباره حقيقة مؤكدة أو سيناريو حتميًا. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك مؤسسات وأجهزة دولة واقتصادًا مترابطًا وقدرة كبيرة على احتواء الأزمات.
لكن الخطأ المقابل هو تجاهل أسباب انتشار هذا الخطاب. فمجرد تحول الانقسام الداخلي إلى مادة متكررة في الأدب والسياسة والإعلام يعكس حجم القلق بشأن مستقبل البلاد.
الأخطر ليس بالضرورة اندلاع حرب أهلية بالمعنى التقليدي، وإنما استمرار حالة الاستنزاف الداخلي: انتخابات شديدة الاستقطاب، صراعات مؤسسية، احتجاجات، عنف سياسي متفرق، وانعدام ثقة متزايد بين المواطنين والدولة. وقد يكون هذا النوع من الصراع أكثر استنزافًا على المدى الطويل لأنه يضعف الدولة من الداخل دون لحظة انهيار واحدة واضحة.
قوة عظمى تستنزفها جبهتها الداخلية
ختامًا، لا تواجه الولايات المتحدة اليوم خطرًا خارجيًا بقدر ما تواجه تصدعات تتسع داخلها. وقد أسهم الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الفوارق الاقتصادية والثقافية، في تحويل الخلاف الأميركي إلى أزمة تتجاوز الانتخابات والأحزاب. وقد لا تكون واشنطن أمام حرب أهلية وشيكة، لكن استمرار هذا الانقسام يضعف قدرتها على إنتاج توافق داخلي. فالدولة التي تسعى لفرض نفوذها على العالم تبدو أمام اختبار أكثر صعوبة: كيف تدير أزماتها قبل أن تستنزفها من الداخل؟