يستخدم الفن أحياناً، بدلاً من الرواية المباشرة للكارثة، علامات ورموزاً تقود المتلقي إلى عمق واقعة معينة؛ فحقيبة ظهر طفولية مبعثرة بين الأنقاض، أو لوحة مرورية صفراء تثقبها رصاصات مجهولة، أو صورة صغيرة لطفل تطل من تحت ركام جدار، قد تحمل من الدلالة ما لا تحمله مئات التقارير الإخبارية.
هذا بالضبط ما يفعله معرض «مدرسة ميناب» في طهران، حيث يتحول الخبر العابر إلى رواية بصرية خالدة، وهناك سؤال واحد: كيف يمكن لفن الرسم أن يكون مرآة لوجع أمّة، وفي الوقت نفسه صرخة موجهة إلى ضمير البشرية جمعاء؟
حضور رسمي يعكس البعد العالمي للحدث
افتُتح المعرض الجماعي «مدرسة ميناب» في طهران بمشاركة أبرز الرسامين الإيرانيين، وحظي باهتمام رسمي رفيع بحضور وزير الخارجية سيد عباس عراقجي، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي سيد عباس صالحي، الذي أشاد بالمعرض واعتبر توثيق الحدث إجراءً وطنياً ودولياً قيماً.
وأكد على أن كارثة مدرسة «الشجرة الطيبة» في ميناب (جنوب ايران) ليست محلية بل عالمية، وكتب في مذكرة للمعرض: «الملائكة الصغار في مدرسة ميناب هم الحرّاس السماويون لأرض إيران، وسيحفظون هذا الوطن العريق من كل شيطان ووحش.»، في إشارة إلى تحويل الشهداء إلى رموز خلود وطني.
لغة الأشياء.. حين تتحدث الأنقاض
في زاوية من زوايا المعرض الذي يواصل نشاطاته حتى 22 سبتمبر، تبرز لوحة كبيرة للفنان البارز سيد مسعود شجاعي طباطبائي، بأبعاد ١٢٠×١٢٠ سنتيمتراً، تجذب الأنظار بصمتها المزلزل.
في مركز اللوحة، حقيبة ظهر صغيرة بلون وردي، تحمل صورة طفل تطل من عالم خيالي يبدو آمناً، لكن المفاجأة تكمن في الفضاء المحيط بها: أنقاض مبانٍ متهاوية، وغبار كثيف، ولوحة مرورية صفراء مثقوبة بالرصاص.
هذا التكوين البصري، كما يوضح شجاعي طباطبائي، يسعى إلى خلق تباين صادم بين عالم الطفولة والأمل، وبين الخراب والموت. ويشرح الفنان أن حقيبة الظهر في هذه اللوحة ليست مجرد حقيبة، بل هي رمز للمستقبل والتعليم وعالم الأطفال، موضوعة وسط الركام لتقديم صورة مؤثرة عن تأثير الحرب على أمن الأطفال ومستقبلهم.
يؤكد الفنان أن حقيبة الظهر الوردية وسط الأنقاض تخلق تبايناً بين عالم الطفولة والأمل وبين الخراب الحربي، لترسم رسالة بأن الحرب لا تهدم المباني فقط، بل تمتد لتقتلع أمن الأطفال ومستقبلهم. صورة الطفل في فضاء خيالي تبدو آمنة، لكن التناقض الصارخ مع المحيط يؤكد أن الأمان لم يعد موجوداً حتى في أحلامهم.
رمزية الأمان في زمن الحرب
العنصر الأكثر إثارة في هذه اللوحة، هو لوحة عبور المشاة الصفراء التي تظهر في الخلفية. ففي الحياة العادية، هذه اللوحة تعني الأمان والانضباط والعناية بحياة البشر، لكنها هنا تظهر مثقوبة بالرصاص، وقد تعرضت لأضرار بالغة. وجود هذه اللوحة المتضررة، كما يوضح شجاعي طباطبائي، يبرز التباين بشكل أكبر، ويظهر أنه حتى أبسط علامات الأمان الحضري ليست محصنة ضد العنف في الحرب. وهي دعوة مبطنة للتساؤل: حين تصبح رموز الأمان ذاتها أهدافاً، فماذا يبقى للأطفال؟ ففي كل حقيبة ظهر، وفي كل لوحة مرورية مثقوبة، هناك درس للإنسانية بأن الجمال يمكن أن يكون سلاحاً، وبأن الذاكرة الجمعية حين ترتدي ثوب الفن، تصبح أكثر قدرة على البقاء، وأكثر استحقاقاً للتخليد.