بين ملاحم الشاهنامة وطقوس العزاء الحسيني

فنّ بلا حدود.. من اللوحات الفنيّة إلى خيمة العزاء

الذاكرة في الثقافة الإيرانية ليست سرداً جامداً، بل فعل حي يتجدد في كل مناسبة، ليبقى الفن شاهداً على حقيقة لا تنطفئ، وصوتاً للعدالة لا يخفت.

في مشهد ثقافي لافت، تحولت طهران في شهر محرّم الحرام إلى ورشة مفتوحة لإعادة تعريف العلاقة بين التراث والحاضر، بين الذاكرة الجمعية والفعل الفني.

 

 

فللمرة الأولى، يتقاطع عزاء عاشوراء مع وداع قائد الأمة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض)، في مزج فريد جعل من شهر محرّم الحرام منصة لتأمل عميق في معاني العدالة والفداء والخلود.

 

 

وعلى وقع هذا التقارب، انطلقت فعاليات نوعية جذبت أنظار المتابعين، ليس فقط في إيران، بل في الأوساط الثقافية العربية والدولية.

 

 

 معرض «الملحمة الإيرانية»

 

في متحف طهران للفن المعاصر، افتتح معرض «حماسه ‌نكاري ايراني؛ از شاهنامه تا عاشورا» أي «الملحمة الإيرانية؛ من الشاهنامة إلى عاشوراء» ليكون المحطة الخامسة ضمن فعالية «هنر وجنك» أي «الفن والحرب»، مستضيفاً عشرة أعمال فنية من مدرسة الرسم الإيرانية التي تُسمى «نقاشي قهوه خانه اي» والتي تمثل أحد أبرز التيارات البصرية في الثقافة الإيرانية الحديثة.

 

 

ومع حلول شهر محرّم الحرام، اختار القائمون على المعرض تسليط الضوء على تقليد محلي ضارب في العمق، يجمع بين الروح الملحمية والشحنة العقائدية، وبين الموروث الأسطوري والوجدان الشعبي.

 

 

لوحات المقاهي.. ليست فناً هامشياً

 

تُعد لوحات المقاهي أكثر من مجرد رسوم شعبية؛ إنها وسيلة لإستحضار العالم وإعادة إنتاج الذاكرة الجمعية. في هذه اللوحات يقف أبطال الشاهنامة وشهداء كربلاء المقدسة في امتداد بعضهم البعض، متحولين إلى جزء من ذاكرة أخلاقية مشتركة؛ ذاكرة تدعو المجتمع باستمرار إلى إعادة التفكير في علاقته بالحقيقة والسلطة والمسؤولية.

 

 

ومن أهم خصائص هذا التقليد، الاستفادة من «المنظور المقامي»؛ وهو أسلوب لا ينبغي قياسه بنظام التسلسل الهرمي القيمي أو بالمنظور الخطي لعصر النهضة!

 

 

فالمنظور المقامي هو إمكانية لإحضار واستشهاد جميع الأشخاص من كل الأزمنة في لحظة واحدة. ففي هذا المنطق، ينهار الزمن الخطي، ليفسح المجال للزمن الشعائري والذاكرة الجماعية.

 

 

 

يستطيع الرسّام والراوي والمشاهد أن ينتقل من صحراء كربلاء إلى رواية من عهد الإمام علي(ع)، ويمر إلى مجلس انتقام المختار، ويفاجأ بأنه بعد المعاد يُساق إلى الجنة أو النار، أو من ناحية أخرى – كما في حكايات ألف ليلة وليلة – يجمع بين عنقاء الحكمة والعفريت الكذّاب، وبين الأقرباء الخائنين والغرباء المخلصين، في ملحمة فردوسي، دون أن تحتاج هذه الانتقالات إلى أي تبرير زماني أو مكاني خطي.

 

 

 

يتشكل السرد الإيراني في هذه الحكايات من خلال الربط بين الزخارف المرتبطة والزخارف الحرة. فالعناصر المرتبطة تدفع السرد المركزي قدماً، بينما تتيح العناصر الحرة إمكانية التوسع والتعليق والعودة في السرد، ليصبح خارطة كونية حية يجتمع فيها التاريخ والأسطورة. والفن هنا ليس تمثيلاً للعالم، بل بناء عالم أكثر عدالة، حيث الصورة لغة للذاكرة والمقاومة.

 

 

«خيمة الفن».. عزاء يتجدد

 

 

على صعيد آخر، يحتضن مجمّع «تئاتر شهر» أي «مسرح المدينة» في طهران محفل «خيمه هنر» أي «خيمة الفن» للعام الثاني، وهو فعالية طقوسية فنية تهدف إلى تقديم قراءة معاصرة لفنون العزاء الحسيني.

 

 

ويستمر المحفل من 28 يونيو إلى 7 يوليو، بمشاركة مؤسسة الإمام الرضا(ع) الثقافية، ومركز الفن بطهران (حوزه هنري)، ومؤسسات أخرى.

 

 

وفي هذا المحفل، يقدم فنانون من مختلف التخصصات الفنية رواياتهم عن نهضة عاشوراء، وذلك في قالب الأصوات والأنغام، والتعزية، واللوحات التصويرية العاشورائية.

 

 

تشمل أجواء هذا المحفل العزائي مجموعة متنوعة من الفعاليات، منها: مراسم الضرب على الآلات الموسيقية الإيرانية التقليدية كالسنج والدمام، وموسيقى النوح من مختلف المحافظات الإيرانية، ومجالس الحكواتي التقليدية السردية تحت عنوان «برده خواني» والتعزية، وإلقاء الشعر، وعروض أوركسترا الآلات النفخية الإيرانية.

 

 

كما خُصصت برامج خاصة للمناسبة، نظراً لتزامن المحفل مع مراسم تشييع قائد الأمّة الشهيد، مع تمديد الفعالية إلى مدينة مشهد المقدسة لخمس ليالٍ.

 

 

 الفن ذاكرة مقاومة

 

 

في خضم هذا الموسم الإستثنائي، تثبت المؤسسات الثقافية الإيرانية أن التراث ليس مجرد ماضٍ يُحتفى به، بل حاضر يُنتج، وأداة لفهم الذات والموقف.

 

 

فاللوحات التي تجمع بين الإمام الحسين(ع)، والبطل الأسطوري الإيراني رستم، والمجالس التي تمزج بين النوح والإنشاد، كلها تؤكد أن الذاكرة في الثقافة الإيرانية ليست سرداً جامداً، بل فعل حي يتجدد في كل مناسبة، ليبقى الفن شاهداً على حقيقة لا تنطفئ، وصوتاً للعدالة لا يخفت.

المصدر: الوفاق