تواصل الولايات المتحدة استعراض قوتها العسكرية في شبه الجزيرة الكورية عبر مناورات «حافة الحرية» الثلاثية، التي انطلقت في 7 سبتمبر/أيلول وتستمر حتى 11 منه، بمشاركة كوريا الجنوبية واليابان، في وقت تبدو فيه سياستها تجاه كوريا الشمالية محكومة بالتناقض أكثر من كونها قائمة على استراتيجية واضحة. فبينما تحاول إدارة دونالد ترامب فتح نافذة للحوار مع بيونغ يانغ، فإنها في الوقت نفسه تواصل نشر قواتها وإجراء مناورات عسكرية واسعة في محيط كوريا الشمالية، ما يجعل الحديث الأميركي عن التهدئة أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى مسار جاد لتخفيف التوتر.
واللافت أن واشنطن، التي قلصت من جانب واحد مناورات «درع الحرية أولتشي» مع سول بحجة أنها تحمل رسالة عدائية تجاه كوريا الشمالية، تعود للمشاركة في تدريبات ثلاثية لا تخلو من الرسائل العسكرية والاستراتيجية. وهنا يبرز السؤال: هل تريد الولايات المتحدة فعلاً تهدئة شبه الجزيرة الكورية، أم أنها تحاول فقط إعادة ترتيب أوراقها بما يضمن بقاءها صاحبة القرار والنفوذ في المنطقة؟
«حافة الحرية».. رسالة مزدوجة
تجري المناورات في المياه الدولية شرق وجنوب جزيرة جيجو، وتشمل الدفاع الصاروخي الباليستي والجوي، والحرب المضادة للغواصات والاعتراض البحري، إلى جانب تدريبات متعددة المجالات. وتقول سول وواشنطن إن هذه التدريبات دفاعية وروتينية، وإن هدفها مواجهة التهديدات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية. غير أن هذا التوصيف لا يلغي ما تحمله المناورات من رسائل سياسية، خصوصاً في منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والصين واليابان والكوريتين.
ولا تكتفي واشنطن بالحفاظ على وجود عسكري يضم نحو 28 ألفاً و500 جندي في كوريا الجنوبية، بل تعمل على تعزيز التنسيق الأمني بين سول وطوكيو. بما يحوّل التعاون الثلاثي إلى جزء أكثر تماسكاً من شبكة التحالفات الأميركية في شرق آسيا، في ظل تصاعد المنافسة مع الصين.
الصين.. الهدف الذي لا يظهر في العنوان
لا يمكن قراءة هذه المناورات بمعزل عن التنافس الأميركي -الصيني، حتى وإن كانت كوريا الشمالية عنوانها المعلن. فتعزيز التنسيق العسكري بين سول وطوكيو يرسخ شبكة أمنية إقليمية تقودها واشنطن، ويضع الصين أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً في شرق آسيا. كما تمنح المناورات الولايات المتحدة مبرراً لإبقاء قواتها وقواعدها العسكرية في المنطقة تحت ذريعة مواجهة المخاطر الأمنية، بينما يصبح الحلفاء الآسيويون أكثر ارتباطاً بالاستراتيجية الأميركية.
وبذلك تتحول شبه الجزيرة الكورية إلى إحدى ساحات المنافسة على النفوذ في شرق آسيا، ويصبح «التهديد الكوري الشمالي» عاملاً يسمح لواشنطن بتوسيع حضورها العسكري بدلاً من معالجة جذور الأزمة سياسياً. وقد يدفع استمرار هذا النهج المنطقة إلى سباق تسلح متواصل، تتحمل دولها وشعوبها كلفته، بينما تحافظ الولايات المتحدة على موقعها باعتبارها القوة الأمنية التي لا غنى عنها.
واشنطن بين ترضية سول والضغط على بيونغ يانغ
يظهر التناقض الأميركي بصورة أوضح في تعامل واشنطن مع الحليفة كوريا الجنوبية والخصم كوريا الشمالية. فقد شكّل تقليص واشنطن لمناورات «درع الحرية أولتشي» ضربةً لسول، التي تعتمد بصورة كبيرة على المظلة العسكرية الأميركية. في حين بدا القرار وكأنه محاولة لمنح ترامب مساحة أوسع للتحرك باتجاه كيم جونغ أون.
لكن واشنطن لم تستطع تحمل كلفة إظهار التراجع أمام حلفائها. فجاءت «حافة الحرية» لتؤكد لسول وطوكيو أن الولايات المتحدة لم تتخلّ عن التزاماتها العسكرية، حتى لو غيرّت شكلها. وهنا تتحول المناورات إلى أداة لترميم صورة أميركا أكثر مما تتحول إلى وسيلة لبناء السلام.
إنها سياسة تقوم على إرسال رسائل متناقضة في آنٍ واحد: تطمين الحلفاء من جهة، والضغط على كوريا الشمالية من جهةٍ أخرى، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض. وقد تحقق هذه المقاربة مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها لا تنتج بالضرورة استقراراً طويل الأمد.
كوريا الجنوبية.. الحليف الذي يدفع الثمن
تبدو سول في هذه المعادلة الطرف الأكثر تعرضاً للضغط. فهي مطالبة من جانب واشنطن بإثبات التزامها بالتحالف، والمشاركة في ترتيبات أمنية تتجاوز شبه الجزيرة الكورية، بل ودراسة إمكانية إرسال قوات أو قطع عسكرية إلى مضيق هرمز في ظل العدوان الأمريكي على إيران.
وهذا يكشف طبيعة التحالف كما تريده واشنطن: تحالف لا يقتصر على حماية كوريا الجنوبية، وإنما يتطلب منها تقديم مساهمات عسكرية وسياسية في ملفات بعيدة عن أمنها المباشر. وفي المقابل، لا تحصل سول بالضرورة على ضمانات مستقرة، بدليل القرارات الأميركية المتغيرة بشأن المناورات والعلاقات مع بيونغ يانغ.
أما الرهان على مشاركة كوريا الجنوبية قوات أو قطع عسكرية في مضيق هرمز، فيكشف أن واشنطن لا تنظر إلى حلفائها بوصفهم شركاء في الأمن فحسب، بل كأطراف تتحمل جزءاً من أعباء أجندتها العسكرية والسياسية حول العالم. فبدلاً من أن تقتصر التحالفات على حماية أمن كوريا الجنوبية، تسعى الولايات المتحدة إلى جرّ سول إلى صراعات وملفات بعيدة عن حدودها ومصالحها المباشرة، وتحميلها جزءاً من كلفة سياساتها. وليس مستغرباً، في المقابل، أن يواجه هذا التوجه اعتراضات داخل كوريا الجنوبية، خصوصاً أن إرسال سفن حربية إلى منطقة شديدة التوتر مثل مضيق هرمز قد يعرّض المصالح الكورية ومصادر الطاقة والتجارة للخطر. وهكذا لا تعود سول مجرد حليف تحتمي بالمظلة الأميركية، بل طرفاً يُطلب منه دفع ثمن الاستراتيجية الأميركية، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.
«حافة الحرية».. مناورات تُبقي التوتر مفتوحاً
تكشف «حافة الحرية» أن السياسة الأميركية في شرق آسيا لا تزال أسيرة منطق القوة والتحالفات العسكرية، حتى عندما تتحدث واشنطن عن الحوار والسلام. فالمشكلة ليست في إجراء تدريب عسكري بحد ذاته، بل في تحويل المناورات إلى أداة دائمة لإدارة التوتر بدلاً من معالجة أسبابه.
وتبدو واشنطن في هذه المعادلة وكأنها تريد كل شيء في الوقت نفسه: ردع كوريا الشمالية، وطمأنة اليابان وكوريا الجنوبية، والضغط على الصين، وإبقاء زمام المبادرة الدبلوماسية في يدها. لكن هذا النهج المتناقض قد يقود إلى نتيجة عكسية؛ إذ يدفع بيونغ يانغ إلى مزيد من التشدد والتسلح، ويجعل سول وطوكيو أكثر اعتماداً على المظلة الأميركية، ويُبقي المنطقة في دائرة لا تنتهي من المناورات والردود المضادة.
وبدل أن تكون شبه الجزيرة الكورية ساحة للتهدئة والحوار، تتحول بفعل السياسة الأميركية إلى مسرح دائم لاستعراض القوة. ومن هنا، فإن «حافة الحرية» قد تتحول إلى حافة جديدة للتوتر، إذ تواصل واشنطن استثمار مخاوف حلفائها وخصومها لتثبيت نفوذها، ولو كان الثمن تأجيل السلام مجدداً.