على أعتاب اليوم الوطني للشعر والأدب الفارسي

شهريار.. أيقونة الشعر الفارسي في العصر الحديث

يتجاوز يوم الشعر والأدب الفارسي حدود المناسبة التذكارية، ليصبح منصة لإعادة قراءة أشعار شهريار بوصفه قوة ثقافية تحفظ الذاكرة، وتصل الماضي بالحاضر.

تحتفي إيران في الثامن عشر من سبتمبر باليوم الوطني للشعر والأدب الفارسي، الذي يتزامن مع ذكرى وفاة الشاعر «محمد حسين بهجت التبريزي»، المعروف باسم «شهريار».

 

وقد اختيرت هذه المناسبة رسمياً عام 2002، تقديراً لمكانة الشعر الفارسي واحتفاءً بأحد أبرز رموزه في الأدب الإيراني الحديث.

 

لا تكمن أهمية شهريار في غزلياته الفارسية الخالدة فحسب، بل في قدرته على بناء جسر بين التراث والحداثة، وبين اللغة الأدبية الرفيعة والتعبير القريب من وجدان الناس. كما احتل مكانة مميزة في الأدب التركي الآذربايجاني، الأمر الذي جعل تجربته ذات بعد ثقافي يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

 

الشعر بوصفه ذاكرة ثقافية

 

في الوعي الثقافي الإيراني، لا يُنظر إلى الشعر بوصفه فناً أدبياً مستقلاً فقط، بل باعتباره جزءاً من الحياة والذاكرة والهوية. فمن التهويدات التي ترافق الطفل في المهد إلى الأشعار التي تخلّد ذكرى الراحلين، يظل الشعر حاضراً في مختلف مراحل الحياة.

 

ومن هذا المنظور، يمثل الاحتفاء باليوم الوطني للشعر والأدب الفارسي مناسبة لتجديد الصلة بين المجتمع وتراثه الشعري.

 

اللقاء مع الإمام الشهيد

 

في صيف عام 1986، جمع لقاء مميز بين قائد الأمّة الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي(رض) والأستاذ شهريار، في أجواء غلبت عليها المحبّة والاحترام والتقدير المتبادل.

 

كان الاستقبال حافلاً بالمشاعر الصادقة، وظهر التأثر واضحاً خلال اللقاء، في مشهد ترك انطباعاً عميقاً لدى الحاضرين. وبعد تبادل عبارات الترحيب والمجاملة، طلب قائد الأمّة الشهيد من الأستاذ شهريار أن يلقي شيئاً من شعره، فقرأ قسماً من غزلياته التي كانت من أحدث قصائده.

 

ميزات شعر شهريار

 

كان شهريار مولعاً بالفنون، ولا سيما الشعر والموسيقى والخط، وتميز شعره بالرقة والبساطة والسلاسة وجاذبية التعبير، مع قدرة لافتة على المزج بين اللغة الأدبية والتعبيرات العامية، وإدخال مضامين جديدة وصور مبتكرة. وبرع في نظم القصيدة والمثنوي والغزل والرباعية والمقطوعة والشعر الحر، غير أن الغزل كان أبرز مجالات إبداعه.

 

يبرز في شعر شهريار حضور واضح لموضوعات الحب والوطن والهوية والقيم الدينية، إلى جانب نزوعه إلى التجديد واستخدام الصور والمضامين الجديدة. وكان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) حاضراً بقوة في وجدان شهريار وشعره، إذ مثّل حب الولاية محوراً روحياً متكرراً في قصائده.

 

ومن أشهرها «علي أي هماي رحمت»، التي يقول فيها: «علي اي هماي رحمت تو جه آيتي خدا را؟!.. برو اي كداي مسكين در خانه علي زن.. كه نكين بادشاهي دهد از كَرَم كِدا را.. » أي «علي يا حمامة الرحمة أي آية لله أنت؟!.. فاذهب، أيها الفقير المسكين، واطرق باب علي.. فكرمه يمنح المتسول خاتم المـُلك».

 

برامج ثقافية تتجاوز الاحتفاء الرمزي

 

تشهد مدينة تبريز، المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحياة شهريار وذاكرته، برنامجاً ثقافياً متنوعاً بهذه المناسبة. وتشمل الفعاليات ندوات متخصصة حول شعره، ومعارض للخط والوثائق، وتكريماً عند مقبرة الشعراء التي تضم رفات مئات الشعراء والأدباء والعرفاء.

 

كما تشارك جامعة تبريز في البرنامج من خلال مؤتمر علمي، فيما يجري توسيع الفعاليات لتشمل مدناً ومناطق أخرى من محافظة آذربايجان الشرقية.

 

ومن المشاريع اللافتة، تحويل منزل والد شهريار في قرية «خشكناب» إلى متحف، بعد أعمال إعادة التأهيل، بما يعزز حضور سيرته في الذاكرة الثقافية ويتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من عالمه.

 

الشعر في فضاء دولي

 

ويتخذ الاحتفاء هذا العام بعداً دولياً من خلال تنظيم المؤتمر الدولي العاشر للشعر والأدب الفارسي، الذي يتضمن إزاحة الستار عن عشرة كتب جديدة، وتكريم أصحاب أفضل المقالات، ومشاركة سفيري باكستان وتركيا. كما يقام معرض للكتب والإنجازات المتعلقة باللغة والأدب الفارسي، إلى جانب فقرات لنظامي وقراءة الشاهنامة وعروض موسيقية.

 

وفي سياق موازٍ، تُمنح الدورة الرابعة من وسام الفردوسي للعاملين في الإعلام تقديراً لإسهامهم في الارتقاء باللغة الفارسية في الإنتاجات الإعلامية.

 

وهكذا يتجاوز يوم الشعر والأدب الفارسي حدود المناسبة التذكارية، ليصبح منصة لإعادة قراءة أشعار شهريار بوصفه قوة ثقافية تحفظ الذاكرة، وتصل الماضي بالحاضر، وتفتح اللغة على حوار أوسع مع العالم.

المصدر: الوفاق