مع اقتراب أربعينية الإمام الحسين(ع)، تستعدّ المدن الإيرانية لإحياء مسيرة «الذين لم يتمكّنوا من المشاركة في زيارة الأربعين»، وهي الفعالية التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز مظاهر السياحة الدينية والثقافية داخل البلاد، حيث تمنح آلاف الزوار فرصة المشاركة في أجواء الأربعين الروحية لمن حالت الظروف دون توجههم إلى العراق.
وتحمل المسيرة هذا العام شعار «يجب أن ننهض»، مع اعتماد رمز القبضة المرفوعة عنواناً بصرياً لها، في إشارة إلى مفاهيم الصمود والعزم والتكاتف الاجتماعي، فيما تتجه الأنظار بشكل خاص إلى مرقد السيد عبدالعظيم الحسني(ع) في مدينة ري )جنوب طهران(، الذي أصبح أحد أهم مراكز تجمع المشاركين في هذه المناسبة.
ويحظى مرقد السيد عبدالعظيم الحسني(ع) بمكانة بارزة في الثقافة الدينية والسیاحة الإيرانية، إذ يعد من أشهر المزارات الروحية والمعنویة في البلاد، ويقصده الزوار على مدار العام من مختلف المناطق، لما يمثله من قيمة تاريخية وعلمية وروحية.
وينسب السيد عبدالعظيم الحسني إلى الإمام الحسن المجتبى(ع)، وكان من الشخصيات العلمية البارزة في عصره، وله مكانة خاصة لدى أتباع أهل البيت(ع).
وتكتسب زيارة هذا المرقد أهمية خاصة خلال أيام الأربعين، حيث يرى كثير من المشاركين أن إحياء هذه المناسبة في رحابه يمثل امتداداً روحياً لمسيرة الزوار المتوجهين إلى كربلاء المقدسة، ويمنح غير القادرين على السفر فرصة المشاركة في الأجواء الإيمانية المرتبطة بهذه الذكرى.
ري.. مدينة الحضارة والتاريخ ومقصد الزوار
ولا تقتصر أهمية مدينة ري على بُعدها الديني فقط، فهي واحدة من أقدم المدن التاريخية في إيران، وتمتلك إرثاً حضارياً يمتد لقرون طويلة، حيث كانت مركزاً مهماً للعلم والثقافة والتجارة، وتضم إلى جانب مرقد السيد عبدالعظيم الحسني(ع) عدداً من المواقع التاريخية التي تعكس عمق الحضارة الإيرانية.
وقد أسهم موقع ري القريب من العاصمة طهران في تعزيز مكانتها كوجهة للسياحة الدينية، حيث تجمع بين سهولة الوصول، والثراء التاريخي، والرمزية الروحية، ما يجعلها محطة مهمة ضمن برامج الزيارات الدينية والثقافية.
الأربعين.. ظاهرة دينية وثقافية تتجاوز الحدود
وفي إطار الاستعدادات، عقدت الجهات المعنية اجتماعاً تنسيقياً لمتابعة تنظيم فعاليات الأربعين داخل المدن الإيرانية، بمشاركة مسؤولين دينيين وثقافيين وتنفيذيين، حيث أكد نائب رئيس مجلس تنسيق الدعاية الإسلامية لشؤون الدعاية والمحافظات أن هذه المناسبة تحمل هذا العام خصوصية كبيرة لتزامنها مع أجواء مرتبطة بإحياء ذكرى عاشوراء وقضايا الوحدة والتلاحم الاجتماعي.
وأوضح أن مسيرة الأربعين تجاوزت خلال السنوات الماضية حدودها الجغرافية، وأصبحت حدثاً عالمياً يجمع بين الأبعاد الدينية والثقافية والإنسانية، مشيراً إلى أن المشاركة فيها لم تعد مقتصرة على فئة محددة، بل أصبحت مساحة للتواصل بين مختلف الشعوب والثقافات.
وأضاف أن مسيرة «الذين لم يتمكنوا من المشاركة في زيارة الأربعين» تحولت خلال العقدين الماضيين إلى تقليد شعبي واسع داخل إيران، يجمع أعداداً كبيرة من المشاركين، ويعكس ارتباط المجتمع بهذه المناسبة.
السياحة الدينية.. جسر للتواصل الحضاري
وتأتي هذه الاستعدادات ضمن توجه أوسع لتعزيز دور السياحة الدينية في إيران، حيث تمثل المناسبات المرتبطة بالأربعين فرصة للتعريف بالمزارات التاريخية والدينية، وفي مقدمتها مرقد السيد عبدالعظيم الحسني(ع) في مدينة ري، باعتباره أحد أبرز المعالم الروحية التي تجمع بين التاريخ والعقيدة والثقافة.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بمسارات السياحة الدينية، أصبحت زيارة الأربعين نموذجاً فريداً للتجمعات الإنسانية الكبرى، لا من حيث أعداد المشاركين فقط، بل لما تحمله من قيم مرتبطة بالتضامن والتكافل والتواصل بين الشعوب، لتتحول من مناسبة دينية إلى ظاهرة ثقافية وحضارية ذات حضور عالمي.